علم كيفاموس بالأمر. أمر هيلغا فوراً بمهاتفة مشرف المجمع لترتيب وجبة ساخنة لنحو عشرين شخصاً. سيتناول الحراس طعامهم في القصر على أي حال. انشغلت هي بترتيب ذلك. قرر هو اصطحاب دوفاس وفيروي وحارس آخر لمعاينة الأوضاع داخل قاعة الاجتماعات بما أنه هناك أصلاً ولديهم بعض وقت الفراغ. عبر الأبواب الداخلية قادماً من الفناء. نهض القرويون الذين كانوا يستريحون هناك فور رؤيته بعد إتمام عملهم اليومي ودرسهم اليومي مع غورسازو.
سرّه أن يرى الابتسام على وجوههم. مشى من القسم الأيمن للمجمع إلى الأوسط. أدرك أن الأوضاع كانت ضيقة للغاية بالداخل. كانت الأسرة كلها مشغولة بالقرويين ومتاعهم القليل. احتلت تلك الأكوام المساحة الفارغة المتبقية على الأرضية الخشبية ممن أرادوا البقاء هنا بدلاً من أكواخهم المتضررة. بلغ القسم الأيسر. وجد أن الأسرة في نهاية القسم كانت خالية تماماً كما أمر. أخبره دوفاس أن بعض القرويين تذمروا من إجبارهم على النوم على الأرض بينما توجد أسرة شاغرة هناك.
نظرة واحدة من فيروي كانت كفيلة بإسكاتهم. مع ذلك، خصص كيفاموس دقيقة ليطمئنهم أن هناك سبباً وجيهاً لذلك. اطمأن إلى أن نحّاري الحجارة سيجدون أماكن كافية للنوم. خرج إلى الفناء مجدداً واتجه نحو البوابات الخارجية. لاحظ هناك أنها تبدو مظلمة ومنفرة للغاية.
"هذا لا يجوز أبداً".
سيشعر نحّارو الحجارة بالقلق حيال ترك كل ما عرفوه خلفهم. أراد الترحيب بهم شخصياً ليطمئنهم إلى أنه سيعت نى بهم. هذا فضلاً عن أنه بدأ يشعر بالبرودة هنا بعد أن شق طريقه سيراً على الأقدام من قصره وسط الثلج المتساقط باستمرار، رغم ارتدائه معطفاً من الفراء على عكس أغلب الناس. على أقل تقدير، يجب أن يكون المكان أكثر إشراقاً هنا، لهذه الليلة على الأقل. نظر إلى حارس يقف بالقرب وناداه.
"اذهب وأحضر زوجاً من المجامر إلى هنا، واضعهما بجوار البوابات. يفترض أن توجد وفرة منها داخل المبنى".
"فوراً يا سيّدي!"
ركض الحارس إلى الداخل لتنفيذ المهمة. ثم أرسل حارساً آخر لإحضار بعض الحطب من خارج المجمع. أراد نيراناً مشتعلة ببريق ساطع ترحيباً بالقادمين الجدد، عوضاً عن استقبالهم بوهج الفحم الباهت الميت. لم يمر وقت طويل حتى استقرت مجمِرتان مشتعلتان داخل البوابات مباشرة. تلألأت ألسنة لهب صفراء حية فوقهما. أومأ كيفاموس برأسه. بدا المنظر أفضل بالفعل. أقبلت هيلغا بعد قليل لتبلغه بأن المطابخ عاودت العمل بمساعدة بضعة متطوعين، وأن وجبة ساخنة ستنتظر نحّاري الحجارة عند وصولهم، قبل أن تعود إلى المطبخ للإشراف على العملية.
اقترب من إحدى المجامر بصحبة دوفاس وفيروي. تحرك الحراس المتبقون نحو الأخرى. لم يبقَ سوى الانتظار. لن يتأخر وصول نحّاري الحجارة طويلاً. لكن الثلج لم يتوقف عن الهطول أبداً. قرب يديه من النار وظل يأمل ألا يطول انتظارهم هنا كثيراً.
* * *
~ هيولا ~ داومت على الدعاء للملكة لإنقاذ حياتهم. تفرست حولها محاولة تكوين أي فكرة عن الوجهة التي سيُساقون إليها. استمر تساقط الثلج بغزارة. شعرت بأنها تفقد الإحساس بيديها تماماً الآن، رغم أن العبيد جميعاً تكوّموا معاً فوق العربة طلباً لبعض الدفء المشترك. أسيقضون نحبهم متجمّدين قبل أن يصلوا إلى حيث يُؤخذون؟ لكنها ما إن التفتت حتى تبينت ضوءاً خافتاً على مسافة قصيرة أمامهم رغم الثلج المتساقط.
حدّقت لتتضح الرؤيا. مع تقدم العربة، أدركت أن الضوء منبعث من واجهة مبنى خشبية ضخمة! فاق المبنى في سعته أي بناء آخر رأته في حياتها. بمجرد اقتراب العربات، رأت أنه مبنى من طابق واحد، غير أنها عجزت عن تبين طرفيه الأيمن والأيسر وسط الظلام والثلج المتساقط. ما هذا المكان؟ أهو نوع من السجن؟ هذا الخيار الوحيد الذي خطر ببالها مما يناسب هذا الحجم الضخم، استناداً إلى القصص التي سمعتها من العبيد الأكبر سناً.
لكن لماذا جيء بهم جميعاً إلى هنا؟ آه... لتنقذهم الملكة! البارون يريدهم حقاً عبيداً إذن! ألهذا السبب يقودهم إلى هذا السجن لكي يستحيل عليهم الهرب؟ شرع باقي العبيد في التمتمة حول الأمر أيضاً. همس بعضهم بأن هذه فرصتهم الأخيرة للفرار، قبل أن يُحكم عليهم بحياة أخرى من العبودية في أفضل الأحوال، أو الإعدام في أسوئها. هبت واقفة على ظهر العربة فوراً. راودتها فكرة القفز من الجانب للهروب، شأنها شأن آخرين نهضوا للسبب ذاته على الأرجح.
لكنها ترددت عندما رأت خندقاً عميقاً طويلًا تعبره العربة في تلك اللحظة. لماذا وُجد خندق هنا؟ أهو لدفن جثثهم الميتة بعد أن يقتلهم الحارس؟ إذن أفليس سجناً بل مكاناً لإعدامهم؟ تملكها رعب شديد عجزت معه عن تدبّر أمرها. في الوقت ذاته، واصل سائقو العربات أمرهم بالجلوس خشية الساقطة، لكن أحداً من العبيد لم يُلقِ بالاً، بل إن بعض العبيد المسنين أخذوا ينتحبون خوفاً. ما زالت تحاول حشد شجاعتها للقفز خارج العربة.
غير أن العربات انحرفت نحو اليمين. رأت مدخل المبنى الضخم ماثلاً أمامها مباشرة. إنه المكان ذاته الذي رأت أضوائه من بعيد، والسبب نيران متأججة تزأر داخل مجمِرتين وُضعتا عند البوابات مباشرة. تساءلت للحظة: أي أحمق قرر إبادة الحطب هكذا وأشعل هذه المجامر في العراء؟ أثار مرمى تلك النيران المشتعلة قشعريرة سرت في جسدها من جديد. ثم تذكرت أنها لم تعد في المحجر حيث يحرص الجميع على توفير كل شيء ليدوم أطول فترة ممكنة.
هذه قرية بأكملها يعيش فيها مئات البشر على الأرجح. ما قيمة كمية ضئيلة من الحطب بالنسبة لهؤلاء الناس، لا سيما أن القرية تبدو محاطة بغابة بالفعل؟ وثمة خيول قليلة مربوطة بالجوار أيضاً. كأنهم لا يقيمون أي وزن للخيول، إن تركوا عرضة للوقوف هنا في الثلج. مع ذلك، لم تبدو تيرانات قرية غنية في نظرها بناءً على حالة الأكواخ التي رأت أنقاضها سابقاً. ما عاد شيئاً منطقياً بالنسبة لها.
ما إن تباطأت العربات أمام البوابات، حتى لاحظت وجود حراس كثر وقوف هناك، ربما لضمان عدم هروب أي منهم من هذا السجن.
رفع أحد الحراس يديه وخاطب سائقي العربات: "حسناً، أوقفوا العربة هناك بالضبط!"
بهزة خفيفة، توقفت العربة نهائياً، معلنة نهاية رحلتهم الطويلة من المحجر. لكن هيولا كانت تتوقع الأسوأ بالفعل، وكل ما تمناه قلبها ألا تكون هذه نهاية رحلتهم في هذا العالم أيضاً. شرع الحراس يطالبون نحّاري الحجارة بالنزول من العربات قريباً. أدركت حينها أنها فوّتت فرصة الهروب سابقاً بسبب ترددها. لو حاولت الجري الآن، لبدا أولئك الحراس الضخام قادرين على الإمساك بها في ومضة، وخصوصاً مع وجود الخيول المستعدة للمطاردة بالقرب.
تنهدت. كان حريّاً بها القفز مبكراً حقاً. لم تدرِ كم ستصمد داخل الغابات في هذا البرد، لكنها لربما بقيت حية لفترة أطول من تلك المتبقية لها وللعبيد الآخرين هنا، أليس كذلك؟ لماذا ساندت كالوبو وباقي الحراس عندما شرعوا في جمع العبيد الأحرار من أجل النذل الذي يحكم هذه القرية! كيف أقدم كالوبو على فعلتها بها وبالآخرين؟ بينما نزلت برفقة نحّاري الحجارة الآخرين الذين راحوا يتلفتون حولهم بهلع، لاحظت شاباً أنيق المظهر يخرج من البوابات بشعر قصير فضي اللون.
كان يرتدي معطفاً من الفراء، ويرافقه رجل طاعن في السن، أصلع برأس أملس ولحية بيضاء قصيرة، إلى جانب امرأة في منتصف العمر. أدركت أن الشاب لابد أن يكون بارون هذه القرية. أيعني هذا أنه النذل الذي جيء بهما إلى هنا؟ لكن ما الذي يوقفه واقفاً في الخارج وسط هذا البرد؟ ينبغي لأمثاله من النبلاء الجلوس داخل قصورهم الدافئة في هذا الطقس واحتساء نبيذهم الباهظ. لماذا هو هنا إذن؟ لعله جاء ليرى إن كان قد ظفر بأي عبيد جيدين بينهم؟
أم لعل هذا النذل سيطالب بها وبامرأتين أخريين شابتين لمرافقته إلى قصره، كما يفترض بالنبلاء عادةً؟ ليصبحوا لعبه الجديدة؟ لا! لن توافق أبداً! عاهدت نفسها ألا تدع شيئاً كهذا يمسها أو يمس النساء أخريات. ذنبها أنها وقعت في كلمات قائد الحارس المعسولة، لذا فواجبها حماية شرف نسوة المكان هنا. لم تقتل إنساناً قط قبل الآن، لكنها آمنت بأن الملكة لا تعين إلا من يحسن مساعدة نفسه.
حركت يدها برفق نحو جانب ساقها اليمنى، حيث أخفت قطعة حديدية حادة تحت لباس ساقيها، بعد أن عثرت عليها مكسورة من أحد معاول المحجر قبل بضعة أشهر. ظلت تلك قطعتها الأخيرة للملاذ إن تجرأ لص مخمور وحاول الاقتراب منها بيدي آثمتين. لكن لم تبرز حاجة إليها في المحجر لعلمها وباقي النساء بضرورة عدم الابتعاد عن العبيد الآخرين حفاظاً على سلامتهم. يبدو أن هذه الليلة ستكون الموعد الذي ستستخدمها فيه أخيراً.
أحسّت برودة النصل المطمئنة تحت أصابعها أخيراً، وشدت عضلاتها مسبلة نظرات حانقة نحو ذلك النذل الشاب صاحب الشعر الفضي الذي يُدعى بارون تيرانات.