من لندن إلى اللورد الفصل 176 — الوصول

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 176 — الوصول باللغة العربية على مانجا تايم.

فجأة علت هتافات صاخبة من الجميع. بدأ بعض قطاعي الأحجار يطلقون صيحات الفرح ويصفقون بحماس لبلوغهم المكان الذي ارتحلوا إليه طويلاً. أمر قائد الحراس العربات أن تسرع محذراً من أنه يريد الوصول قبل حلول الظلام إن أمكن رغم أن الشمس لابد أن تكون قد غابت بالفعل لكن تعذر تبين ذلك وسط تساقط الثلج المستمر. ثم انطلق ممتطياً جواده برفقة فارس آخر ليبلغوا البارود بوصولهم تاركين بقية الحراس يقودونهم نحو القرية.

كانت السماء لا تزال ملبدة بالغيوم كسابق الأيام وبدا أن الثلج يتساقط هنا منذ مدة إذ افترشت الأرض طبقة رقيقة منه. التفت العبيد جميعاً نحو الأمام في تلك اللحظة آملين لمسحة من موطنهم الجديد ولم يضطروا للانتظار طويلاً. التفتوا عند منعطف ضيق في الطريق لتجد هيلا أنهم قد بلغوا تيرانات أخيراً. أول ما لفت انتباهها تحت الثلج المتساقط سور سياجي شاهق النصب أمامهم وإن بدا وكأن ثغرة تتوسطه في مواجهة الطريق.

لعل البناء لم يكتمل بعد. لم يكن سوراً حجارياً كذاك الذي تحصن به البلدات الكبرى لكنه فاق بكثير محجر الحجارة الذي لم يملك سوى متاريس مؤقتة لردع الوحوش الضارية عن اقتحامه. لكنها مع ذلك لم تتوقع لقرية نائية سوراً من أي نوع. لم يمحض ركبهم المؤلف من عربتين وفارسين سوى وقت قصير حتى جاوزوا الثغرة في السور ورأت هيلا مئة ياردة تقريباً من الفراغ تسبق أول بيوت القرية. لمَ هذا؟

ألم يكن ألصق الجدران أقرب أفضل؟ اقتربت شيئاً فشيئاً فرأت بضعة قرويين يخرجون من دورهم أو يختلسون النظر من النوافذ صوب الوافدين الجدد. غير أن العربات ما إن ولجت صميم القرية حتى تبين لها أن غالبية المساكن ليست سوى أكواخ تشبه تماماً تلك التي قطنوها في المحجر. تكاد تعجز عن اتقاء الرياح الصرصر أو الثلج المتواتر. كيف سيغدو هذا حالاً أفضل للعبيد عما عانوه في المحجر؟ حتى البيوت الخشبية النادرة تخللتها ثقوب شتى وبدت وكأنها رُممت مراراً.

بدت القرية بفقر المحجر سواسية. أترى لديهم فائض حبوب يغذي الوافدين أجمعين؟ عاودها الشك من جديد. أأصابت رشدها حقاً بمجيئها إلى هنا؟ لكن كالوبو الذي امتطى جواداً بجانب العربة لمح ملامح وجهها فخفف عنها وأوصاها بالثقة في البارود. أومأت له برأسها راجية ألا يكون قد كذب عليهم. واصلوا المسير عبر الأزقة الضيقة وأحست أن جليّ الأكواخ تبدو خاوية على عروشها في هذا الوقت. لمَ يغيب ساكنوها عن دورهم في جنح الليل لاسيما في هذا البرد القارص؟

أم أن تلك الأكواخ نُصبت بلا ساكن يقطنها أصلاً؟ أمر عجيب. أين غادر أولئك القرويون إذاً؟ انسلّت إلى قلبها فجأة لوعة الخوف. أيكون البارود قد أعدمهم لأسباب تافهة؟ أم تراهم غادروا القرية لقصور الطعام فيها؟ عجزت هيلا عن ترجيح أمر وما استطاعت دفع الشكوك عن صدرها. بلغوا قريباً ساحة فسيحة رحبة ولاحظت أمامها سوراً سياجياً آخر يبلغ نصف ارتفاع سابقه فحسب. أهذا مرتع البارود الجبار؟

هه! حتى مسكنه الفخم لم ينجُ من الثلج المتساقط إذ تجمعت طبقة رقيقة منه داخل القصر نفسه. توقفت العربات هنيئة أمام البوابات فرمقت باحة القصر المزدحمة بنظرات مشوبة بالحسد بينما غادر نفر من الحراس بينهم كالوبو الكرافان وولجوا البوابات بصحبة خيولهم والنوادور الاثنين. لم يبق سوى حارس واحد يقود كل عربة عدا حارس بدين جديد خرج من القصر. أفهكذا يتخم حراس القصر طعاماً بينما يرزح بقية أهل القرية في الأكواخ؟

أكان بارود هذه القرية رحيماً حقاً كما زعم الحراس؟ لم تتيقن هيلا من ذلك الآن. أشار الحارس البمين نحو اليسار مأْمراً سائقي العربات باستئناف المسير بعد أن اعتلى مقعد عربتها الخاصة. توجست هيلا أن هذا ترحيب متواضع بالعبيد بعد كل ثرثرة الحراس المنمقة عن رأفة البارود وعنايته وما شابه لكنها سخرت في نفسها. ماذا انتظرت هنا؟ أتُستقبل كنبيلة؟ هه! لحاها السعد إن ظفرت بسقف يقيها ومبلغ طعام.

مع أن ريبها تمكن منها بعد رؤية بؤس أكواخ القرية. ضرعت بقلبها إلى السيّدة ألا تكون هذه اللحظة أسوأ قرار سقطت فيه حياتها. انبعث ركبهم الصغير المكون من عربتين وستة وعشرين عبداً برفقة الحراس الثلاثة من جديد وساروا في ذلك الزز الموازي لأسوار القصر. خمنت أنهم يتجهون شمالاً رغم تعذر التيقن وقد أطبق الظلام تماماً. شرع العبيد يتشاورون ويتهامسون حول طبيعة المعاملة التي تنتظرهم.

أسيتحررون حقاً كما ادعى قائد الحراس بوقاحة أم أنها خدعة لاستجلاب مزيد من العبيد مجاناً للبارود الجديد؟ لن يلبثوا أن يدركوا الحقيقة قريباً. استعر تساقط الثلج وغدا الرؤية عسيرة لأكثر من بضع خطوات أمامهم. لم تمض سويعات حتى رأت هيلا بلوغهم أواخر بيوت القرية وما وراءها شمالاً لا يتبين سوى الثلج المتساقط. منطقي بالطبع. يريد البارود الجديد إقصاءهم عند تخوم القرية ليبعدهم عن قروييه.

لكن ذلك يعني حصولهم على أكواخ تأويهم على الأقل. أهون الشرور على ما ظنت. لكن العربات وافت مسيرها حتى بعد مجاوزة آخر البيوت. انتظر... ألم يكن مفترضاً أن تقف العربات هنا لترجل العبيد؟ قطبت جبينها والعربات تتوغل شمالاً تحت توجيه الحراس المتلحفين بفرائهم وتوارت آخر بيوت القرية ببطء خلفهم في خضم العاصفة الثلجية. استغرقت في تفكير محموم عن وجهة سوق العبيد ومغزى خروجهم من القرية.

ماذا يجري الآن؟ ولاحظت بالتزامن تزايد فزع العبيد على غرارها وصعد بعض الفتيان منهم على منصات العربات بذعر لاستطلاع المحيط.

سأل أحد العبيد الكهول الحراس بهلع: "إلى أين تأخذوننا؟"

أجاب سائق العربات: "لا علم لي. أنا أنفذ الأوامر فحسب."

طالبه العبد محتداً: "أخبرنا أنت إذن!"

لوح الحارس البمين بيده نحو الأمام وأردف ببرود: "لا تقلقوا يا قوم، الأمر ليس سوى مسافة قصيرة أخرى."

تضاعف وجيب هيلا وانعكس قلقها على وجوه المحيطين بها. حدقت متفرسة في الأفق لكن الظلام استشرى وما عاد طائل من محاولة الرؤية أبعد من خطوت أمتار في ثلج كثيف. تسارع نبض فؤادها وتمنت لو تولى كالوبو قيادة العربة ليطمئنهم. لكنه توارى عن الأنظار وما أتى هؤلاء الحراس سوى برد مبهمة... ما الذي يدور؟ أمأنهم سيقاقون خارج القرية للإعدام؟ جهلت الوجهة وداهمها الذعر يكاد يعصف بعقلها.

أكل هذا محض كذب مفضوح من الحراس للاستحواذ على العربات والنوادور فضلاً عن عدّة المحجر وتقديمها للبارود بلا ثمن؟ أيعتزمون تصفية العبيد أجمعين ليتخففوا من إطعامهم؟ لقد سمعت بحكايات عن نبلاء أزهقوا أرواح العامة لأسباب أهون بكثير... اغرورقت عيناها بالدموع وهي تستذكر تحفيزها لبقية قطاعي الأحجار لمتابعة الحراس ومغادرة المحجر برفقتها. ماذا اقترفت؟ وأين ضاع كالوبو في هذا العالم؟

أتركها وحدها بعد أن انجز مهمة إيصال العربات للبارود؟ أم تراه فرّ عجزاً عن احتمال رؤيتهم يذبحون أمام ناظريه؟ أشعل الغضب جمر عينيها حين فكرت بما ستفعله بذلك النذل إن التقته مجدداً. ليته هرب! فحسبه خزياً ألا يتلطخ قتلاً بيديه! سعت هيلا لاستطلاع ما حول العربات بلا جدوى تذكر. انقضى الوقت بطيئاً والعربات تدور في مسيرها. كم قضوا ارتحالاً داخل القرية؟ خيل إليها أنه ساعات طوال وربما دون ذلك بكثير.

أين مأفاهم؟ وما مصيرهم؟ أهم هالكون حقاً هذه الليلة؟ تفتقت عبراتها بغزارة وطفقت تضرع للسيّدة أن تنجيهم وشاركتها نظرات العبيد نحو السماء طلباً للخلاص. باتت الصلوات ملاذهم الوحيد بعد أن خذلهم كالوبو أيضاً... ******* ~ كيفاموس ~ فرغ للتو من عمل اليوم في تخطيط الرسوم الهندسية حين وفد حارس إلى قاعة القصر لينقل أن هودان بعث فارساً إلى القرية وأن قطاعي الأحجار لا يفصلهم عنها سوى نصف ساعة.

ضاق الوقت عن إعداد استقبال يليق باللاجئين غير أنه تمسك بلقائهم شخصياً عند مجمع البيوت الطويلة. لابد أنهم يعانون القرّ والجوع خصوصاً لطول الرحلة مقارنة بالحسبان. رجا ألا يكونوا قد اعترضوا عقبات جمّة في طريقهم. اقترح فيروي حينها امتطاء الخيول للمجمع وإن قرب منزله لكي لا يكابد كيفاموس مشقة خوض الثلج. استرتجف كيفاموس هنيئة متخوفاً من كيفية تبرير جهله بركوب الخيل في لندن لكنه استدعى من ذاكرة كيفاموس الأصلي درايته بالخيل!

بخلاف إخوته الكبار المنتظمين في صيد غابات قصر أولريغا والماهرين في الفروسية، قضى كيفاموس الأصلي معظمه داخل القصر غير أنه تعلم ركوب الخيل كابن لدوق. وحين وافى الحراس بأجود خيول الاسطبل وعجز عن ركوبها انصاع لتوجيهات دوفاس بالاستعجال فاستسلم لذاكرة عضلاته ليفاجأ بسلاسة الأمر رغم ضخامة تلك البهائم لتوّها. امتطى الآخرون خيولهم وبدؤوا رحلتهم القصيرة شمالاً عبر الثلج المنهال.

ما إن بلغ مجمع البيوت الطويلة برفقة دوفاس وثلّة من الحراس حتى تركوا خيولهم خارج البوابات بحراسة أحدهم وولجوا الداخل. وهنالك فقط تبين لهم أن سكان المجمع تناولوا طعامهم بالفعل مما يستحيل معه مشاركة وجبتهم مع قطاعي الأحجار.