تنهّد كيفاموس وهزّ رأسه.
"لا. ليس الأمر هكذا. دعني أشرحه بالتفصيل."
أشار إلى البوصلة.
"حسناً. ما فعلته هنا هو جعل الإبرة معينة الشكل تدور بحرية على قاعدتها المصنوعة من إبرة أخرى. وبما أن الإبرة المعينة قد مُغنطت الآن، فإنها تبدأ بالدوران بفعل الحقل المغناطيسي للكوكب، حتى تستقيم في اتجاه الشمال والجنوب."
وتابع: "كما أخبرتكم جميعاً من قبل، لكوكبنا قطبان، الشمال والجنوب، لأنه مغناطيس. وبالمثل، لكل مغناطيس فردي قطبان أيضاً، شمال وجوب. وسبب عمل البوصلة لتتجه نحو الشمال والجنوب هو أن الأقطاب المتشابهة تتنافر دائماً، بينما تتجاذب الأقطاب المختلفة. يمكنني أن أريكم ذلك أيضاً لو كان لدينا مغناطيسات أقوى هنا، لكن عليكم أن تثقوا بي الآن فحسب."
وأضاف: "ولهذا السبب انجذب أحد طرفي هذه الإبرة نحو الشمال، بينما انجذب الطرف الآخر نحو الجنوب. وبما أن قاعدتها تسمح لها بالحركة بحرية على أي سطح مستو، فيمكنكم استخدامها في أي مكان وزمان لمعرفة الاتجاهات."
اتسعت عيناه فيروز دهشةً.
"لكن هذا... يعني أن..."
هز رأسه وأخذ نفساً قبل أن يتحدث مرة أخرى.
"هذا يعني أنه مع هذه البوصلة، لن يضيع أحد أبداً حتى في الغابات، حتى في الظلام! آخ... لو أنني حظيت بهذا في الماضي..."
أومأ كيفاموس.
"حقاً. وهذا ما يستخدمه البحارة في البحر لمعرفة اتجاهاتهم، خاصة لعدم وجود معالم طبيعية لديهم كالجبال أو الأنهار لتحديد مواقعهم. لم أتمكن من رؤية بوصلتهم، لكن من واقع ما أخبرنا به غورسازو، فإنهم يعلقون حجراً مغناطيسياً بخيط. سيعمل ذلك على الأرض بالقدر نفسه من الكفاءة، لكنه سيخلق صعوبة بالغة بكل تأكيد إن كانت الأمواج هائجة. أما هذا التصميم فسيعمل طوال الوقت تقريباً."
قال دوفاس مقطباً حاجبيه: "لكن هذا كله لا يزال يبدو لي كالسحر... أَتَثِقُ تماماً أن هذه... المغناطيسية لا علاقة لها بذلك؟"
وقبل أن يرد كيفاموس، حدق غورسازو في كبير الخدم وقال: "أنت لا تقدم نموذجاً جيداً حقاً يا دوفاس. أنت أحد ثلاثة أشخاص متعلمين تعليماً كاملاً في القرية، لذا لا مفترض بك الإيمان بمثل هذه الخرافات، أليست كذلك؟ أنت تعلم بالفعل أن السحر غير موجود."
أخرج دوفاس نفساً عميقاً.
"أعلم يا غورسازو، أعلم... لكني عجوز أيضاً، أكبر سناً بكثير من أي شخص هنا. يصعب عليّ تقبل شيء... شيء مستقبلي هكذا! البوصلة تعمل بقوة المغناطيسية الخفية لعنة الملكة!"
رمق كبير الخدم الآخرين في قاعة القصر بنظرة، وكانوا يراقبونه بحرص، ثم تنهّد.
"لكنك على حق، يمكنني أن أقدم ما هو أفضل من هذا."
نظر إلى كيفاموس: "أعتذر، يا سيدي. أعلم أنك درست كتباً كثيرة وأنك تعلم أشياء كثيرة لا يمكن لبقيتنا حتى الحلم بها، لكن أحياناً لا يكون سهلاً عليّ التأقلم مع الأمور الجديدة. فاغفر لي تشكيكي في طرائقك."
ابتسم له كيفاموس.
"لا تقلق يا دوفاس. الأمر على ما يرام. وأؤكد لك أنه لا يوجد أي سحر في أي شيء أفعله. إنه العلم فحسب؛ وهو في أبسط صوره يتطلب منك التشكيك في كل شيء حولك، ثم بعد وضع فرضية حول سبب حدوث أمر ما، تجري تجارب لإثبات صحة فرضيتك أو دحضها. إن ثبت أنك على حق، فستمتلك قانوناً جديداً حول العالم الطبيعي، وإن كنت مخطئاً، فحاول مجدداً."
بدا معظم المحيطين بالمطاولة مرتبكين لهذا التعريف، مع أن سيرين بدت جادة في التفكير فيه. تنهّد كيفاموس. لم يكن الأمر كأنه سيقدر على جعل الجميع يفهمون المنهج العلمي في أمسية واحدة. فحتى حقيقة تقبلهم أن البوصلة لا تعمل بقوى السحر كانت تقدماً جيداً ليومنا هذا.
سألت سيرين بعقدة حاجب: "انتظر لحظة... إن كان قطب الإبرة الشمالي يتنافر مع قطب كوكبنا الشمالي، فلمَ تشير إلى الشمال إذن على أي حال؟ ألا يفترض أن يكون العكس؟"
أومأ كيفاموس.
"في الواقع، إنه العكس تماماً. الشمال الجغرافي؛ أي اتجاه الشمال على الأرض، هو عكس الشمال المغناطيسي الذي يقع في الواقع قرب قطب الكوكب الجنوبي. ما يعنيه هذا أنه بينما يشير قطب البوصلة الشمالي نحو قطب الكوكب الجغرافي، وهو ما نحتاجه، فإنه يشير في الواقع نحو قطب إيرانيتين المغناطيسي الجنوبي."
تمتم غورسازو عاقداً حاجبيه: "هذا مربك للغاية، يا سيدي..."
مع ذلك، هز فيروز كتفيه.
"إن كانت الإبرة تخبرنا دائماً بمكان الشمال، فلا يهم كيف تجد الاتجاهات."
ضحك كيفاموس بخفة.
"ربما... ولهذا السبب علينا إبقاء الأمر بسيطاً عندما نشرحه للصيادين."
وأضاف: "سأقوم الآن بمغنطة بقية البوصلات أيضاً، ثم سنمنحها للصيادين ليتألفوا معها الليلة قبل أن يغادروا بالبوصلات غداً."
سأل سيدورون: "لدي سؤال، يا سيدي. إن كنت قد... مغنطت تلك الإبر بالفعل، فلمَ احتجت إلى كل هذه القضبان الحديدية؟"
أوضح كيفاموس: "المسألة هي أن هذه كلها مغناطيسات مؤقتة. فهذا يعني أنها لا تدوم طويلاً، بخلاف الحجارة المغناطيسية التي يأخذها البحارة معهم، والتي ستدوم إلى الأبد أساساً. ولهذا السبب سيحتاج الصيادون إلى مغنطة الإبرة مراراً وتكراراً بعد زوال تأثيرها. وهذا هو سبب رغبتي في اختبار ما إن كان بإمكاننا مغنطة القضيب الحديدي بمساعدة رمح، أو حتى سيف، سيحمله الصيادون معهم دائماً. وربما تمكنوا حتى من استخدام خناجرهم لمغنطة إبرة البوصلة عند الحاجة."
وتابع: "بهذه الطريقة، بمجرد توقف الإبرة عن العمل؛ بعد بضع ساعات أو نحو ذلك غالباً، سيضطرون إلى مغنطة القضيب الحديدي مجدداً، والذي سيصمد كمغناطيس لفترة أقصر، وحينها سيحتاجون إلى مغنطة الإبرة مجدداً باستخدام القضيب، قبل محاولة تحديد اتجاهاتهم."
وأضاف متنهداً: "أعلم أنه أمر معقد وبعيد كل البعد عن الحل المثالي للميدان، وفي المستقبل إن تمكنا من الحصول على حجر مغناطيسي، فسأحاول جعل الأمر أبسط، لكن هذا سيفي بالغرض في الوقت الحالي."
علق فيروز: "لا تقلق يا سيدي، إن عمل هذا في كل مرة تماماً كما قلت، فسيصبح صيادونا أكثر كفاءة بكثير من ذي قبل."
وافق غورسازو بحماس: "حقاً. يمكننا القول حتى إنه... ثوريّ!"
نظر لوسم إلى أمه.
"ماذا تعني تلك الكلمة؟"
أضافت هلغا بعد صمت: "أه... تعني شيئاً لم يكن موجوداً من قبل."
أومأ لوسم بحكمة.
"إذن هل سنحصل على مزيد من اللحم في أطباقنا من الآن فصاعداً؟ بما أنه لم يكن موجوداً من قبل؟"
ضحك الجميع على ذلك السؤال. ربتت هلغا على راسه.
"لنأمل ذلك يا لوسم."
دفع هبّة فجائية من الهواء البارد لوسم بالارتعاش، فنظر كيفاموس نحو النافذة حيث اختفت الشمس وراء منازل القرية الآن، وأخبر فيروز بإغلاق النافذة.
سأل فيروز بعد أن أغلق النافذة: "أهناك شيء نحتاج إلى وضعه في الاعتبار عند استخدام هذه البوصلة؟ الظروف ليست مستقرة هكذا دائماً في الميدان، ولن يتمكن الصيادون من سؤالك عن أي شيء إن واجههم استفسار."
فكر كيفاموس في الأمر.
"مم... أولاً، إن أسقطت الإبرة أو القضيب الحديدي، فسيفقد معظم مغناطيسيته، مما يعني أنه سيتعين عليك البدء من جديد. بغض النظر عن ذلك، ليس لدينا زجاج هنا لنغلق البوصلة بداخله، لذا في كل مرة ينتهي فيها الصيادون منها، سيتعين عليهم وضع الإبرة معينة الشكل داخل الصندوق الخشبي لكيلا تضيع. وعندما يحتاجون إلى إيجاد الاتجاهات مجدداً، سيتعين عليهم موازنتها مجدداً على الإبرة الأصغر بعد مغنطتها. والجانب الجيد هو أن القضبان صغيرة بما يكفي ليحفظوها بسهولة مع أغراضهم الأخرى دون أن تشكل عبئاً ثقيلاً بلا داع، سيما أنهم لن يضطروا لحمل مطرقة لهذا الغرض."
وتابع: "سأعرض كل شيء بنفسي على الصيادين لاحقاً ليتمكنوا من طرح أي أسئلة لديهم."
حاول التفكير فيما إن كان قد أغفل شيئاً.
"ستبقى عملية مغنطة الأشياء كما هي، لكن سيتعين عليك إمساك القضيب الحديدي في الاتجاه نفسه في كل مرة تحاول مغنطته عبر طرقه بقطعة معدنية أخرى. وهذا يعني أنك بحاجة أصلاً لامتلاك فكرة عن الاتجاهات."
سأل فيروز بعقدة حاجب: "فما فائدة هذه البوصلة إذن إن كانت لا تعمل إلا عندما نعرف الاتجاهات مسبقاً؟"
أخذ كيفاموس نفساً عميقاً.
"مثلما قلت سابقاً، هذه ليست بوصلة مثالية بحال؛ بل هي تصميم بدائي في أفضل الأحوال. لكن إبرة البوصلة ستحتفظ بمغناطيسيتها لساعات قليلة على الأقل، وإن لم تهزها كثيراً، فقد تدوم لفترة أطول. وهذا يعني أنه إن رأيت الشمس ولو مرة واحدة خلال النهار، فيمكنك تخمين الاتجاهات في ذلك الوقت والقيام بعملية مغنطة القضيب والإبرة. وبهذه الطريقة، حتى إن غطت الغيوم الشمس لاحقاً، ستظل قادراً على إيجاد اتجاهاتك بدقة طوال اليوم. أو، إن فعلت ذلك في المساء، ستتمكن من إيجاد الاتجاهات لمعظم الليل باستخدام البوصلة، في حال اضطررت حقاً لمواصلة السفر في ذلك الوقت."
وتابع: "سيكون الأمر أكثر أهمية عندما يسافرون تحت غطاء الغابات الكثيف في الصيف، إذ يمكنهم تسلق شجرة عالية أو جرف، حيث يمكنهم تخمين الموقع التقريبي للشمس حتى في يوم غائم جزئياً وبناءً على تلك الاتجاهات، يمكنهم مغنطة الإبرة في ذلك الوقت. سيسمح لهم ذلك بتتبع الاتجاهات لساعات؛ حتى بعد مواصلتهم رحلتهم تحت الغطاء الكثيف."
تمتم فيروز: "أظنني أفهم الآن... سيستغرق استخدامها بعض الجهد بكل تأكيد، لكنه يظل أفضل من عدم امتلاك شيء عندما تضيع في تلك الغابات."
أومأ كيفاموس ونظر إلى الطاولة مجدداً.
"حسناً إذن. لنصنع الآن بضع بوصلات أخرى! يا سيدورون، ثبت أنت الإبر الأصغر في مراكز المربعات الخشبية. ويا فيروز، لقد تحققنا مسبقاً من أن الرمح سيعمل بالكفاءة نفسها للمطرقة، لكن استخدام المطرقة يظل أسهل بكثير. لذا ضع هذا الرمح في الزاوية، وابدأ بمغنطة القضبان الحديدية بالمطرقة. ومتى انتهى ذلك، سأستخدم تلك القضبان لمغنطة إبر البوصلات، ومن ثم بعد التحقق من عملها جميعاً بشكل سليم سنعرضها على الصيادين."
نظر إلى وجوه الآخرين الفضولية.
"في الواقع يمكن لبقيتكم تجربتها أيضاً."
على الفور، قفز لوسم وداريسا من مقعديهما بابتسامتين متطابقتين واقتربا من الطاولة. لذا وبعد أن سلمهما قضيباً لكل منهما، أخبر كيفاموس فيروز بالإشراف عليهما لكيلا يؤذيا أنفسهما. التقط قضيباً آخر وأعطاه لغورسازو، الذي بدا راغباً في تجربة مغنطة القضيب أيضاً، بينما كان الحداد يراقب بفضول. لم يكن لديهم في الغرفة سوى مطرقتين الآن، لذا سيتعين على الآخرين انتظار أدوارهم، لكن بدا أن الجميع يرغب في خوض التجربة.
ابتسم كيفاموس برضا بينما انشغل الجميع إما بمحاولة مغنطة شيء ما، أو انتظار أدوارهم بحماس أثناء مراقبة الآخرين. لم تكن هذه سوى بداية، لكنها كانت بداية جيدة حقاً للعلم في هذا العالم.