ابتسم سيدورون ومدّ يده إلى جيب جانبي آخر في مئزره.
"طبعاً. أيُّ حدّادٍ أكون لو مثلتُ أمام المَلِك بلا أيٍّ من عُدّتي؟"
ضحك كيفاموس خفيفاً وطلب منه الاقتراب من الطاولة الطويلة. كان فيروي قد احتفظ بالرمح في زاوية القاعة، ويراقبهم من جانبٍ مع آخرين. تجمّعت عائلة السيدة هيغا وكلاريسا هناك أيضاً بفضول. أطلق كيفاموس زفرةً، ثم نشر الإبر بحذر من تلك الصرة على الطاولة، على ضوء المدفأة المشتعلة في جانب وبضعة مجامر في الجانب الآخر. لم يبدُ الضوء كافياً بعد. نظر نحو النوافذ الغربية حيث كانت الأشعة الأخيرة لشمس الغروب تسطع عليها.
"فيروي، افتح تلك النوافذ ألا ترغب؟"
نظر إليه المرتزق السابق والآخرون كأنّه فقد صوابه.
سأل فيروي حاجبًا حاجبَه: "أمتأكدٌ أنت يا سيّدي؟ لا تسلج اليوم، لكن الخارج شديد البرودة. فتح النوافذ سيدخل الهواء القارس."
"أعلم ذلك"، قال كيفاموس ضاحكاً، "لكننا نحتاج إلى تقديم التضحيات لبلوغ أيّ نجاح. ونحتاج إلى مزيد من الضوء هنا. افعلها."
أومأ فيروي برأسه، وما هي إلّا لحظات حتّى فتحت النوافذ ليسقط ضوء شمس المساء مباشرة على طاولة الطعام الطويلة. هبّت هواءات باردة مفاجئة إلى الداخل فجعلت الجميع ترتجف قليلاً. لكنّ كيفاموس أومأ رغم البرد.
"هذا أفضل."
نظر إلى الحداد.
"اجلس يا سيدورون. يبدو أننا سنحتاج إلى مزيد من مساعدتك."
ما إن جلس الحداد، حتّى أخبره كيف يثبت الإبرة الأصغر في مركز القطعة الخشبية المربعة المسطحة مستعيناً بمطرقة صغيرة. أومأ سيدورون وثبّت الإبرة حيث يجب بلا صعوبة تُذكر. ثم التقط كيفاموس إحدى الإبر المعينية التي ستصير إبر البوصلة الحقيقية، وحاول ببطء توازنها فوق الإبرة المثبتة، حريصاً على إبقاء نتوء الإبرة المعينية فوق الإبرة المثبتة تماماً. لكنّها كانت تسقط على أحد الجانبين مهما حاول تثبيتها.
رفعها ونظر إليها مليّاً في ضوء الشمس الآفل.
"أه، هذه مائلة قليلاً."
نفخ من أنفه بتهكم. بالطبع، هذه مصنوعة يدوياً ومثل هذا الأمر وارد الحدوث. ليس الأمر كأنّ الحداد يملك آلات ورش حديثة كمكبس معادن ليصنعها بدقة متناهية. شرع سيدورون في الاعتذار فواً، لكنّ كيفاموس أوقفه برفع يده.
"لا تقلق، سنُجرب بأخرى."
ثم التقط إبرة معينية ثانية، واستطاع هذه المرة توازنها بسهولة على الإبرة. ثم منح أحد طرفيها دفعة خفيفة فبدأت الإبرة تدور ببطء حول محورها.
"جيد! هذه ستفي بالغرض."
نظر إلى فيروي.
"الآن الجزء الصعب. ائتِ بهذا الرمح إلى هنا. لا، انتظر. ابتعدوا قليلاً جميعاً."
ثم التقط أحد القضبان الرقيقة، ومضى به إلى الجانب الآخر من القاعة الذي كان يضمّ مساحة أكبر، وأشار إلى فيروي بالاقتراب بالرمح. نظر إلى الحداد.
"من الجيد أنك جعلت هذه القضبان مستدقة الطرف. سيسهل ذلك تذكر الجانب الواجب طرقه."
وتابع كيفاموس قائلاً: "يا فيروي، لقد حاولتَ مغنطة قضيب مماثل بالأمس مستعيناً بمطرقة، لكنني أريد اليوم معرفة إن كان ذلك ممكناً بنصل الرمح أيضاً."
"لماذا لا نكتفي بالمطرقة إذن؟"
سأل دوفاس من مجلسه قرب المدفأة.
أجاب كيفاموس: "هذا هو الخيار الأخير إن لم ينجح هذا، لكنني لا أُريد إثقال الصيادين بأي وزن زائد لا حاجة لهم به."
التفت غرباً، ومسك القضيب الرفيع بزاوية مشابهة لتلك التي كانت بالأمس، فناوله لفيروي.
"أمسكه هكذا الآن، واحرص على إبقاء الطرف المستدق أسفلًا كلما حاولت طرقه مستقبلاً، واضرب الطرف العلوي للقضيب بالجزء الأثخن من نصل الرمح. أنت تعرف كيف يُفترض أن تُؤدَّى، إذ فعلتَها بالأمس، لكن حاول فعل المثل اليوم بهذا الرمح."
نظر إليه فيروي بريبة لحظةً، ثم هزّ كتفيه.
"كما تأمر يا سيّدي."
ومن ثمّ لم تُسمع لبضع دقائق سوى أصوات نصل الرمح وهو يضرب قضيب الحديد الرفيع، بينما كان الجميع يراقب المرتزق السابق بفضول. وحين ظنّ كيفاموس أن الأمر قد تمّ، أشار لفيروي بالتوقف، وأخذ منه قضيب الحديد الصغير. لم يكن يعلم بعد إن كان الضرب بالرمح سينجح في مغنطة القضيب، لكن المبدأ واحد، لذا نأمل أن يحدث ذلك. مشى نحو الطاولة الطويلة، وقرّب القضيب الرفيع برفق من إحدى الإبر الصغيرة المُلقاة فوق الطاولة.
ولمفاجأة الجميع، نجح الأمر! قفزت الإبرة، التي كانت أرفع وأخف من مسامير حديد الأمس، بسهولة والتصقت بطرف قضيب الحديد، فجعلت الأطفال يهتفون بصوت عالٍ. نظر إلى الجميع وابتسم. ثم شرع يشرح بحرص على أن يرى الجميع ما يفعله بوضوح.
"هذا القضيب الحديدي مغنط الآن تماماً مثل الأمس. وكما رأيتم، نجح الضرب بالرمح تماماً كالمطرقة - والتي ربما تكون أسرع من هذا، لكنها تفي بغرضنا الآن. ولكي نصنع بوصة حقيقية، علينا مغنطة هذه الإبرة المعينية فحسب."
"وما المعين؟"
سألتي كلاريسا بحيرة.
أوضح كيفاموس وهو يرفع تلك الإبرة بيد واحدة: "هذا ما أطلقناه على شكل هذه الإبرة. قضيب الحديد هذا أثقل من أن يعمل كبوصة، ولهذا نحتاج إلى مغنطة هذه الإبرة مستعينين به. وما سنفعله لذلك هو حكّ قضيب الحديد المغنط هذا بهذه الإبرة. علينا فعل ذلك أربعين إلى خمسين مرة على الأقل لتعمل بدقة، ويجب أن تكون حركة الحك في الاتجاه نفسه في كل مرة. لا يمكنك حك قضيب الحديد بالاتجاه المعاكس على الإبرة، وإلا فلن تنجح."
فكّر في الأمر.
"في الحقيقة، سنحتاج إلى وضع علامة على أحد طرفي هذه الإبرة بطريقة ما، ليسهل تذكر الاتجاه الذي تُغنط فيه. على أي حال، ها قد بدأنا."
ثم شرع، ممسكاً قضيب الحديد والإبرة أمامه، في فعل ما قاله، حريصاً على أن يراه الجميع. كانت عائلة السيدة هيغا وسيدورون يرمقونه بفضول، بينما بدا غورسازو فخوراً فحسب. وكان فيروي قد أعاد الرمح إلى الزاوية ويراقبه من مقربة. وما هي إلّا أن أتمّ كيفاموس عدَّ خمسين مرة حتى أومأ لنفسه.
"لنفقس الآن إن كنا قد صنعنا بوصلة هنا حقاً."
ثم سلّم قضيب الحديد لفيروي، ومسك الإبرة المعينية ووضعها بحرية مجدداً فوق الإبرة الصغرى المُثبتة أصلاً على المربع الخشبي الصغير. وحين تبدّت متزنةً، تركها هناك برفق، ووسط دهشة الجميع وفزعهم، بدأت الإبرة تدور فوراً حول محورها بلا أي تدخل منه لتحريكها. وما لبثت أن تباطأت، وبعد حركات ذهاب وإياب استقرت في اتجاه واحد. اتجاه الشمال والجنوب تحديداً. ابتهج كيفاموس بانتصار فوراً، بينما ظلّ الآخرون يحدقون في البوصلة بذهول.
وفي ضوء الغروب الآفل، وُلِد اختراع جديد في قرية تيرانات الصغيرة. أدرك كيفاموس أنها مجرد خطوة صغيرة، لكنّها ستطول لتعينهم بطرق شتى. أشار نحو اتجاه الشمال.
"تعلمون جميعاً أن هذا هو الشمال، إذ تغرب الشمس خلف ظهورنا. وكما ترون، يشير أحد طرفي إبرة البوصلة إلى الشمال، بينما يشير الآخر بوضوح إلى الجنوب، لذا فهي تتطابق بدقة مع الاتجاهات التي نعرفها هنا. هكذا نجد الاتجاهات بالبوصلة!"
"ماذا حدث للتو يا سيّدي؟"
سأل دوفاس بحيرة.
"لا أستطيع الاستيعاب. وكذلك الآخرون على ما أظن."
جلس كيفاموس على الكرسي القريب من البوصلة، وسحب نحوه ورقة رقٍّ فارغة. ثم التقط ريشة، وبعد غمسها في الحبر، رسم عليها دائرة وقسمها بخط مستقيم، كان مائلاً قليلاً إلى الجانب. كان ذلك مجرد تخمين منه، لكنه بدا صائباً لوجود فصول في هذا العالم.
ثم شرح وهو يرسُم بضع خطوط تصل القطب الشمالي بالجنوبي: "لنقل إن هذا هو كوكبنا إيرانيتين. وكما ذكرتُ مسبقاً، يمتلك شيئاً يُدعى المجال المغنطيسي، وهو قوة خفية تولدها المغناطيسات."
"أيعني هذا أن كوكبنا مغناطيس ضخم أيضاً؟"
سأل لوسيم بذهول.
"إذن لماذا لم تستخدم الطين كمغناطيس فحسب؟"
ضحك كيفاموس خفيفاً.
"لا، الطين ليس مغناطيساً، لكن الكوكب كذلك. يصعب شرح الأمر قليلاً، لكن معناه أن الكوكب بأسره يعمل كمغناطيس عملاق لكنه ضعيف. ولكل مغناطيس قطبان، شمالي وجنوبي."
التقط قضيب الحديد الرفيع.
"وما صنعناه هنا مغناطيس أيضاً. لكن هذا القضيب أثقل من أن يدور من تلقاء نفسه. ولهذا مغنطت هذه الإبرة المعينية - وهو ما يعني ببساطة أنني جعلتها مغناطيساً أيضاً بحكّها بقضيب الحديد."
"إذن، أيمكنني أن أصير مغناطيساً أنا أيضاً إن حَكَكْتُ ذلك القضيب بيدي؟"
سأل لوسيم بحيرة مجدداً. ضحك كيفاموس على سؤاله البريء والصادق في آن.
"لا، لا، لن تصير مغناطيساً قط. الحديد وحده، وبعض المعادن المشابهة الأخرى، هي التي يمكن أن تصير مغناطيساً."
فجأة، أخذ فيروي نفساً حاداً وأشار إلى الإبرة.
"يمكننا جميعاً رؤية أنها تشير إلى الشمال، لكن كيف للإبرة أن تعرف أين يقع الشمال بحق الجحيم؟ هذا، هذا... سحر!"