ضحك كيفاموس.
"لا تقلق، لم تكسر شيئاً. كنت أدرك أنه لن يدوم طويلاً، وإسقاطك له كان ليزيل أي مغناطيسية تبقّت فيه بالتأكيد. لكن يمكننا طرقه بمطرقة مرة أخرى، وسيشرع في العمل ثانية".
"حقا؟"
سأل لوسيم بدهشة. ابتسم كيفاموس وأومأ له.
قالت سيرين بضحكة خفيفة: "لم أكن أعلم أن بمقدورك فعل السحر أصلاً، يا سيّدي".
أطلق كيفاموس ضحكة خفيحة.
"هذا بالكاد سحر، لكنك تعلمين ذلك مسبقاً".
هذه المرة، اقترب فيرو الذي كان يقف بعيداً عن الآخرين مقطّب الجبين، وأخذ القضيب عن الطاولة، ثم التقط المطرقة أيضاً. تقدّم كيفاموس خطوة، وبعد أن تحقّق من أن الجانب المصدّأ نفسه من القضيب يقع في الأعلى مجدداً، أماته حتى صار بزاوية تقارب الزاوية التي كان عليها مع الأرض سابقاً.
"عليك تذكر طرق الجانب نفسه في كل مرة تحاول فيها مغنطته، وإلا فلن يعمل بالشكل المطلوب. جرب الآن".
أومأ فيرو، وبعد أن كرر عملية طرق القضيب لفترة، أخذه ليتحقق من مغناطيسيته مجدداً، فعمل مرة أخرى. كان لوسيم وكلاريسا لا يزالان ينظران إليه بدهشة. وما إن فرغ الجندي السابق من تجربة القضيب المغناطيسي حديثاً في التقاط المسامير حتى ناولها للصغار ليجربوا بأنفسهم. نظر دوفاس إلى كيفاموس حاكباً حاجبيه.
"يجب أن أعترف، لم أكن أصدق حقاً أنك قادر على فعل ذلك. لم أرك قط بوصلة، لكنني أفهم ما تفعله. لقد فعلت ذلك حقاً، يا سيّدي، تماماً مثل ساحر في شوارع أولريغا..."
ضحك كيفاموس بصوت عالٍ.
"مثلما قلت، هذا ليس سحراً. إنه مجرد... علم".
قبل أن يشرع في شرح معنى تلك الكلمة، قاطعه فيرو مقطّب الجبين، وسأل: "لكن كيف من المفترض أن يرينا الاتجاه؟ هذا ما تفترضه البوصلة، أليس كذلك؟ أم أنني ما زلت لا أدرك الأمر جيداً؟"
أوضح كيفاموس: "هذه ليست بوصلة. كل ما فعلته هو صنع مغناطيس مؤقت. سيتعين عليّ التفكير في كيفية استخدامها لمغنطة إبرة، وكيفية تثبيتها في إطار لتؤدي عملها كبوصلة فعلية. طرقتها بضع مرات فحسب حين فعلت ذلك، وهذا سبب عدم استمرارها طويلاً، لكنني أعتقد أنها ينبغي أن تدوم لمدة تصل إلى ساعة أو ربما أطول بالطرق عليها أكثر. لكن نعم، كان هذا هو الجزء الصعب. ينبغي أن أكون قادراً على إنجاز البقية بمساعدة سيدورون".
أومأ فيرو برأسه موافقاً.
"على قدر خبرتي في إيجاد الدروب عبر الغابة، فقد ضللت طريقي أحياناً في الماضي. لو امتلكت شيئاً يمكنه إعلامي بمكان الشمال... آه، كم لكنت وفرت من الوقت!"
قال كيفاموس: "حسناً، لا يمكننا تغيير ما حدث بالفعل، لكن إن استطعنا صنع بوصلات بسيطة حتى، فلا يزال بإبكاننا توفير الكثير من وقت الصيادين، الذين سيتمكنون من العودة مبكراً بمزيد ومزيد من اللحم، بدلاً من محاولة شق طريقهم عبر الغابات فحسب. يعني هذا أيضاً أنهم سيستطيعون الذهاب في رحلات أكثر أسبوعياً مقارنة بالآن".
* * *
بعد فترة، ذهب فيرو ليفعل شيئاً بخصوص تنظيم الحراس في القصر، بينما ذهب دوفاس مرة أخرى لزيارة كتلة البيوت الكبيرة ليؤكد أن المشرفين يؤدون كل شيء على الوجه الأكمل. وبعد قليل، وصل سيدورون إلى قاعة القصر. نهض كيفاموس ليُظهر للحدّاد كيفية مغنطة قضيب الحديد ذاك وسط دهشته. ثم أمر سيدورون بتسليم دزينة من إبر الحديد، يبلغ طول كل منها نحو نصف سنتيمتر تقريباً، والتي ستُدعم إبر البوصلة عليها.
فضلاً عن ذلك، أمره أيضاً بصنع العدد نفسه من الإبر على شكل معيّن ممتد، وستكون هذه إبر مسطحة، مع نتوء صغيراً في مركزها — وستصبح هذه إبر البوصلة الفعلية. اضطر بالفعل إلى رسم الشكل المطلوب على قطعة من الرق ليستوعبه سيدورون تماماً، ثم أتاه ذلك الرق ليتمكن من الرجوع إليه لاحقاً.
تابع كيفاموس: "بصرف النظر عن تلك، أعتقد أنك ستعتاز أيضاً إلى صنع بعض قضبان الحديد الرقيقة".
وأشار إلى القضيب الذي استعرض به.
"هذا سميك جداً ويبلغ قطره قرابة البوصة، لذا يصعب مغنطته. أريدك أن تصنع دزينة من القضبان بالشكل ذاته، لكن بقطر يقارب نصف سنتيمتر. ويجب أن يكون طولها نحو ثلاثين سنتيمترًا، لنقل، أو نحو قدم. سيجعل هذا حملها سهلاً بما يكفي. اصنع أيضاً هذه القضبان مستدقة عند أحد الطرفين — البوصة الأخيرة وحدها أو نحو ذلك — حتى يتسنى لنا تمييز أيّ جانب هو أيّ بسهولة. أيمكنك فعل ذلك؟"
أجاب سيدورون: "بالطبع. ستكون القضبان سهلة بما يكفي، وسأخبر متدربيّ بصنعها بعد أن أتحقق من قدرتهم على إنجازها بالشكل السليم. الإبر هي الجزء الخادع. لكنني أظن أنني سأكون قادراً على تسليم بعضها على الأقل بحلول المساء، نظراً لوجود طلبات أخرى معلقة لديّ. لكني سأعمل عليها بنفسي للتأكد من بنائها بالطريقة الصحيحة".
قال كيفاموس مؤمئاً: "جيد!"
في وقت سابق، أمر دوفاس أيضاً بإصدار أمر لمتدرب تانيوك لقطع بعض القطع الصغيرة من الخشب مربعة الشكل من جزء رقيق من لوح خشبي، لتغدو قاعدة البوصلة، إلى جانب صندوق خشبي مفتوح يمكن تركيب تلك القاعدة مربعة الشكل بداخله لحفظ البوصلة بأمان. ربما كان صنع صندوق دائري فكرة أفضل، لكن ذلك سيستغرق وقتاً أطول، وهو يريد بناء هذا في أسرع وقت ممكن. كانت مهمة بسيطة بما يكفي، لذا ينبغي أن يحصل عليها بحلول المساء.
إن سار كل شيء على ما يرام، فقد يستطيعون تزويد بعض الصيادين ببوصلات بدائية اعتباراً من الغد. ثم أراها للحدّاد المخططات التي رسمها للنشاب. بدا سيدورون متفاجئاً عند سماع غرضه، إذ لم يسمع به قط، لكنه استبد بالفضول ليفهم كل شيء. وما إن شرح كيفاموس كيف يُفترض به أن يعمل، حتى أشار إلى تلك الأجزاء التي تحتاج للصلب من الحديد في كل من التصاميم. ستكون هذه صغيرة ومعقدة، لكنها لن تكون متينة بما يكفي إن صُنعت من الخشب.
كما صنع مخططات منفصلة لتلك الأجزاء بحجم أكبر ليتسنى للحدّاد تشكيلها بسهولة. لكنه أطلق خخشخشة خفيفة. قد يكون من الأفضل تسميتها مطبوعة ورق بدلاً من مخطط فعلي، لكنها كانت جيدة بما يكفي لشرح طريقة صنعها. بدا سيدورون متردداً.
"ستستغرق هذه الأجزاء بعض الوقت، إذ ينبغي عليّ العمل على طلباتك الأخرى أيضاً، بما في ذلك الإبر وأجزاء الحديد للعربات اليدوية. ستكون الإبر خادعة بما يكفي بالفعل، لكنني لم أصنع شيئاً معقداً مثل أجزاء النشاب في حياتي".
ثم بدا وكأنه يفكر في الأمر قبل أن يومئ: "قد يتطلب الأمر مني محاولات عديدة لأصيبه بدقة، لكنه سيكون تحدياً جيداً لأختبر مهاراتي. أقلت إنك تريد مجموعتين من كل جزء حديدي؟"
أومأ كيفاموس.
"نعم، حتى لا نضطر لانتظارك لتصنيع غيرها عند اختبارها، تحسّباً لانكسارها أو عدم عملها على النحو المرجو. وإن لم تعمل تلك الأجزاء بتاتاً، فيمكنك إعادة استخدام ذلك الحديد على أي حال".
وشرح: "أود صنع نشابين على الأقل بتصميمين مختلفين في الوقت ذاته لنتمكن من مقارنة أي التصاميم سيعمل بشكل أفضل. بالطبع، ما زال يتعين عليّ توفير الإطار الخشبي والأجزاء الأخرى من النجّار، لكن ذلك سيضطر للانتظار حتى يحظى بوقت أطول".
وتابع: "هذا يعني أن أجزاء النشاب مجرد مشروع جانبي في الوقت الحالي. ينبغي أن تفعل ذلك في وقت فراغك لكنها ليست أولويتنا القصوى في هذه اللحظة. أحتاج منك إتمام تلك الإبر والقضبان أولاً، إلى جانب طلباتك الأخرى. لن تفيد أجزاء النشاب حتى أتمكن من صنع الأجزاء الخشبية الأخرى أيضاً".
أجاب سيدورون مؤمئاً: "أفهم، يا سيّدي. سأحاول تسليم بعض الإبر على الأقل والقضبان الرقيقة بحلول المساء. أما عن أجزاء النشاب، فسأستمر في محاولة صنعها في وقت فراغي، وآمل أن أتمكن من صنعها أيضاً. شكراً لك على ثقتك بي في مشروع معقد كهذا".
علّق كيفاموس مفكراً في سيف تزييني وجده في القصر، والذي كان غالباً للاستخدام الشخصي للبارون السابق، أو بالأحرى، صُنع له للتباهي بدلاً من القتال الفعلي: "رأيت سيفاً صنعته للبارون السابق إلى جانب النقوش المعقدة التي حواه".
وتابع: "لذا لا تقلق، أعلم أنك تملك المهارات اللازمة لهذا. حظاً موفقاً!"
وبهذا، أدى الحدّاد انحناءة سريعة، وغادر قاعة القصر.
* * *
كان الوقت قد أمسى مبكراً، وجلس كيفاموس ومستشاروه داخل قاعة القصر. كان غورسازو ليبدأ التدريس في كتلة البيوت الكبيرة قريباً، إذ اقترب وقت عودة العمال. في وقت سابق من اليوم، سأل عن الكيفية التي سيجعل بها غورسازو الطلاب يمارسون الكتابة، إذ لا يمكنهم تحمل تكلفة منح الرقوق للجميع، على عكس حين علّمه في قصر أولريغا، حيث لم يكن هناك شحّ في ذلك. وبعد بعض التداول، استقروا على منح عصي خشبية متفحمة صغيرة ليكتب الجميع بها، إلى جانب ألواح خشبية صغيرة مربعة الشكل، ستُقطع من لوح رقيق.
كان ذلك بعيداً عن المثالية، لكنه سيسمح للقرويين على الأقل بمحاولة نسخ الحروف الابجدية التي سيعرضها غورسازو عليهم على لوح أكبر، والذي ثبتوه بالفعل على أحد جدران كتلة البيوت الكبيرة. سيستغرق صنع تلك العصي والألواح الفحمية يوماً آخر، لكن متدرب تانيوك أُمر بفعله بحلول الغد، لكونه بسيطاً بما يكفي. أما اليوم، فقد أخبره غورسازو بأنه سيكتفي بمنحهم مقدمة وحسب. قريباً، طرق خادم الباب الخارجي لقاعة القصر ودخل الحدّاد الضخم برفقة فيرو، الذي جلب رمحاً أيضاً بناءً على طلب كيفاموس.
نظر إليه سيدورون وأمامه كيس قماشي صغير رفعه نحوه.
"ها هي القطع الأربع من كلا نوعي الإبر التي طلبتها".
ومد يده إلى أحد جيوبه على جانبي المئزر الذي كان يرتديه، وأخرج حزمة من قضبان الحديد الرقيقة.
"وهذه دزينة من القضبان أيضاً. لقد أتممت مهامي لهذا اليوم، وقد استبد بي الفضول حقاً لأرى ما خططت لفعله بها، لذا آمل ألا بأس في مجيئي أيضاً".
أخذ كيفاموس الكيس وابتسم لفضول الحدّاد.
"بالطبع، لا توجد مشكلة إطلاقاً".
نهض ومشى نحو الطاولة الطويلة، حيث كانت الصناديق الخشبية الصغيرة موضوعة بالفعل على أحد الجانبين.
قطّب جبينه لحظة ونظر إلى سيدورون: "سنحتاج إلى مطرقة أصغر لهذا. أأحضرتها مصادفة؟"