قال فيرو باسماً: "على حياتي كلها يا سيّدِي!"
وبدا كأنّه يفكّر لبرهة قبل أن يضيف: "لكن ربّما أزور تلك المدرسة بعد كلّ شيء أتعلم؟ فقط لأراقب الجميع هناك. أريد أن أتحقّق من ألا يسبّب أحد أيّ مشكلة لمعلمنا الوحيد".
قال كيفاموس بابتسامة ماكرة حزراً للسبب الحقيقي: "طبعاً".
في تلك اللحظة انفتح الباب الخارجي للرواق ودخل حارس.
أبلغ قائلاً: "سيّدِي، عاد لتوّه الحرسان اللذان أرسناهما لمرافقة بيداسو إلى سينران".
قال كيفاموس: "هذا نبخبر حسن حقّاً"
ولوح بيده ليصرف الحارس ليعود إلى مهامه.
نظر إلى الآخرين وأكمل: "سيخففان عبء العمل عن حُرّاسنا ريثما يعود هودان والآخرون من المحجر".
تفكّر غورسازو قائلاً: "أتساءل كيف تسير الأمور هناك".
عقّب فيرو: "لا داعي للقلق بشأن هودان أتعلم؟ بإمكانه التعامل بسهولة مع أيّ قطّاع طرق هناك خصوصاً أنّ نوكوزال لم يكن ليبلغ المكان بعد سيراً على الأقدام. أكاد أزم أن الحرس في طريق العودة الآن".
قال كيفاموس: "لنأمل ذلك".
وكم تمَنّى لو كانت هناك طريقة يتواصل بها فوراً مع هودان تماماً كما على الأرض. ويا للأسف فلا سبيل إلى ذلك هنا. جعله التفكير في الأرض يتذكّر اللحم وكلّ أطباق اللحم التي يحبّ أكلها. لكنّهم بالكاد يحصلون على أيّ لحم في وجباتهم هذه الأيام.
سأل كبير الخدم: "أما زال الصيّادون عاجزين عن إيجاد حيوانات كافية للصيد هناك؟".
أجاب دوفاس: "في الأيام القليلة الأولى نجحوا في اصطياد الطرائد الصغيرة كالأرانب وما شابه بحكم عدم ذهابهم بعيداً. لكن منذ شرعوا في الابتعاد بحثاً عن طرائد أكبر لم تكن الحصيلة مجدية. من الأسباب الرئيسيّة التي سمعتها منهم ضياعهم المتكرر في الغابات. فحتى تساقط الثلوج الخفيف هذا كفيل بتغطية الأرض هناك وتغطي الغيوم الكثيفة الشمس أغلب الأيام ليبدو كلّ ما على الأرض أبيض، ممّا يصعب إيجاد أيّ معالم طبيعية ويفقدهم الاتجاه لموقعهم".
وأضاف: "لا نقص حقيقيّاً في الحيوانات هناك لكنّ مجموعات الصيد تقضي جُلّ وقتها في إيجاد طريقها بدل صيدها فعلياً".
فكّر كيفاموس في الأمر هنيهةً. صحيح أنّه بلا أدوات حديثة كمحدّد مواقع، يتضمن أيضاً وظيفة بوصلة، سيغدو شاقّاً للغاية إيجاد دربهم داخل الغابات شتاءً لاسيّما في غياب الطرق هناك أيضاً.
سخر فيرو قائلاً: "أجزم أنّهم غير معتادين ارتياد الغابات فحسب. أنا لن أُضيّع طريقي هناك أبداً".
هزّ دوفاس كتفيه مجيباً: "حسناً هم لم يعيشوا في الغاب سنين خلافك أنت، ومع إحجام البارون السابق عن إرسالهم في رحلات صيد، يفتقرون لأيّ خبرة حقيقيّة في دخول الغابات. وحتّى صيّادونا المهرة القلائل بالكاد ولجوا الغابات لنصب بعض الفخاخ للحيوانات الصغيرة. وحتّى هم يفتقرون لخبرة التعمّق في هذه الغابات".
أومأ كيفاموس بالقول: "ليس ذنبهم لكن النتيجة واحدة. ما زلنا نعجز عن جلب لحوم تكفي لتكملة طعامنا وتخفيف العبء عن مخازن حبوبنا".
اقترح فيرو: "إن كان الأمر كذلك فيمكنني مرافقتهم من الآن فصاعداً".
أجاب كيفاموس: "لن يجدي ذلك نفعاً كبيراً لأنّك لا تستطيع مرافقة سوى مجموعة صيد واحدة في الوقت ذاته وستواصل المجموعات الأخرى ضياعها. ونحتاج إلى شخص موثوق هنا للإشراف على الحرس. ربّما نناقش إرسالك مع إحدى المجموعات لاحقاً متى عاد هودان".
أعمل فكره في وجود أيّ طريقة لتسهيل الأمر. لو استطاع صنع بوصلة هنا فحسب...
سأل: "أنتملك مغناطيساً هنا؟".
سأل فيرو بصوت حائر: "أه... مغناطيس؟".
أجاب غورسازو: "شيء تلصق عليه أيّ شيء مصنوع من الحديد".
تمتم دوفاس وهو يداعب لحيتها البيضاء غالباً: "أظنّني أعرف ما تقصده لكن لا يوجد شيء كهذا هنا".
وأضاف: "مع ذلك رأيت بعض النبلاء يحتفظون بشيء شبيه بوصفه غنيمة. يعرضونه على زوّارهم ليُظهروا أنّ حجرهم السماوي يلصق بسيوفهم أو دروعهم الحديدية متحدّياً قوّة الأرض التي تجذب كلّ شيء نحو الأسفل، وبزعمهم يثبت ذلك تفانيهم للإلهة فضلاً عن مكانتهم الصحيحة بوصفهم نبلاء".
هزّ كبير الخدم كتفيه مستطرداً: "لكن حتّى بعد أن رأيته بنفسي في ريساليس قديماً لم أُصدق قط صلة الملكة بحجر كهذا، على غرابته، غير أنّني لم أملك تفسيراً أفضل".
أومأ كيفاموس. إذن فالناس هنا يعرفون المغناطيس، وهو أمر بدهيّ ربّما، بيد أنّه ليس شائعاً بما يكفي ليحظى بسهولة الوصول إليه.
أوضح قائلاً: "نعم هذا تحديداً هو المغناطيس، لكن توجد استخدامات أفضل له بكثير عدا عرض أولئك النبلاء لحيل زهيدة به. وأؤكد لك أن لا صلة للقوة السماوية بتأثيرات المغناطيس. وغالباً ما يُعثر عليه في الطبيعة تحت اسم حجر المغناطيس".
فكّر في سبل شرح السبب ببساطة: "أمّا سبب جذبه للحديد فقد قرأت في كتاب وجود اصطفاف خاصّ لدقائق الحديد داخله يمنحه تلك القوى. الأمر أعقد قليلاً من ذلك غير أنّه يتيسّر لك تمييزه حين يلتصق به قطاع حديد".
بدا فيرو شارداً في الأفق.
أردف قائلاً: "أظنّ... أنّي أعرف ما تقصده. قصدت مكاناً ما في الغابات الجنوبية حيث وضعت سيفي على صخرة صغيرة حين استرحت، لكن حين هممت برفعه شقّ عليّ نزعه عن تلك الصخرة. وظنّ بعض المرتزقة برفقتي اختباء شبح أحدهم ممّن قتلوه في تلك الصخرة وأنّه يرفض استرجاعي السيفي منها انتقاماً. أكنت تقصد شيئاً كهذا؟".
أومأ كيفاموس بحماس: "يبدو ذلك تماماً كحجر مغناطيس منغرس في صخرة أخرى! ولم يكن ثمّة شبح هناك. أتتذكر مكانه؟ بمقدورنا إرسال أحدهم لجلبه".
هزّ فيرو رأسه متردّداً: "حدث ذلك منذ سنين يا سيّدِي...".
وبدا مفكّراً هنيهةً قبل أن يضيف: "أظنّنا كنّا قرب سلسلة جبال نيسادور في الجنوب وربّاع أقرب إلى جيراليكا. بيد أنّها كانت مجرد صخرة صغيرة. يستحيل أن أجدها ثانية".
تنهّد كيفاموس. لقد تحمّس بلا طائل إذن. كيف له توقّع تذكّر أحدهم لموقع قطعة صخرية لا تتجاوز قدماً، هذا إن وصلت حجماً.
"لا بأس إذن".
سأل فيرو بفضول: "لكن ماذا كنت ستفعل به على أيّ حال لو توافر... حجر المغناطيس هذا هنا؟".
أجاب كيفاموس: "أردت صنع بوصلة به لمساعدة صيّادينا على إيجاد الاتجاهات بسهولة. أتعرف ما تلك؟".
هزّ فيرو رأسه مرجحاً عدم سماعه بها قط كونه عاميّاً، لكنّ غورسازو سأل: "أتعني ذلك الشيء باهظ الثمن الذي يستعمله البحّارة للاهتداء إلى الاتجاهات في رحلاتهم البحريّة؟ سمعت أنهم يعلّقون قطعة صخرية صغيرة مميزة على خيط ممّا يعينهم في تبين الجهات. أظنها تباع في أسواق أولريغا لكونها ميناءً رئيسيّاً، غير أنّي لا أعلم أكثر من ذلك".
أومأ كيفاموس: "نعم تلك بوصلة وحسب، رغم بدائيتها الشديدة إن كانوا يعلّقون حجر مغناطيس مباشرة على خيط. كنت أفكر في أنّه إن توافر حجر مغناطيس مماثل هنا، وتمكّنت من توفير بوصلة بسيطة لمجموعات صيدنا، فسيغدو إيجاد دربهم أيسر بكثير بغضّ النظر عن تغطية الثلوج للمكان أو خلوّه منها".
قال دوفاس هازّاً كتفيه: "حسناً لا حيلة لنا إذن. ليس وكأنّ بمقدورنا شراء حجر مغناطيس من أولريغا الآن، هذا إن ملكنا أصلاً ثمنه، ونحن حتماً لا نملكه".
أومأ كيفاموس بتردّد. ليس وكأنّه قادر على خلق أحجار المغناطيس سحراً.
غيّر دوفاس الموضوع بالقول: "أردت إخبارك أيضاً بإنهاء تلميذ تانيوك أول عربة يد خشبية اليوم. جربها بعض الخدم وفاعليتها مرضية تماماً".
أثنى كيفاموس قائلاً: "هذا رائع حقّاً. أخبره بمواصلة صنع المزيد منها فكلّما كثرت عربات اليد لدينا تسارعت وتيرة بناء كلّ شي".
أومأ دوفاس: "سأعلمه. فضلاً عن ذلك تلقينا اليوم ستة دروع جلدية مُصلحة من لياه من بين التالفة التي أنقذناها من قطاع الطرق. واضطرت لاستهلاك اثنين منها لترقيع الدرّوع الستّة الباقية. لذا فهي خسارة لنا حتماً".
قاطع فيرو بالقول: "ربّما، لكن حتى الحصول على تلك الدروع الستّة الإضافية سيُرجح كفايته لتجهيز حُرّاسنا البالغ عددهم نحو عشرين. وما كان لنا سوى شكر نوكوزال على ذلك".
ضحك الجميع من هذا قبل أن يستطرد فيرو: "تلقينا في وقت مبكر من المساء ثلاث نسوة أخريات رغبن بالعمل حُرّاساً للمانور. لذا وعقب تحقّق السيد دوفاس من جدارتهن بالثقة وظّفناهنّ أيضاً".
استهل دوفاس حديثه ناظراً إلى كيفاموس: "تبدو فكرتك في استخدام نساء المانور لإلقاء خطبة في ساحة السوق مثمرة، وبات لدينا الآن خمس حارسات إجمالاً، رغم استمرار ريبتي من جدواهّن في قتال حقيقيّ. وعلى أية حال أعتقد احتمال تلقينا مزيداً من الطلبات مستقبلاً لإبداء أخريات اهتمامهن حين ألقيت الخطبة سابقاً".
أومأ كيفاموس برضى: "قد يكون لهجوم قطاع الطرق يد أيضاً في رغبتهنّ بالانضمام إلينا كحُرّاس، فمع غياب أسوار القرية حول تيرانات عجزنا عن منع قطاع الطرق من بلوغ جوف القرية وساور الخوف الجميع تلك الليلة. وأيضاً بحكم كون غالبية النسوة المنضمّات إلينا عشن بمفردهنّ على الأرجح فستحفزهنّ سلامة العيش داخل المانور على الانضمام كحُرّاس".
وأكمل: "مع ذلك يبقى صنع الأقواس المركبة أمراً أود الشروع فيه بأسرع وقت، وأنهيت اليوم تصميماً مبدئيّاً لها، لكننا بحاجة لتفرّغ أكبر من تانيوك قبل تكليفه بذلك، إذ أشك في قدرة تلميذه على حياكة القطع المعقدة بمفرده. رغم ظنّي إمكانية مباشرتنا إصدار الأوامر لصنع القطع المعدنية للأقواس المركبة إلى سيدورون".
فكّر لحظةً ناظراً إلى كبير الخدم: "غداً صباحاً، ابعث خادماً إليه واطلب قدومه للقائي كي أناقشه في الأمر".
أومأ دوفاس: "سأبلغه".
ثم قطب جبينه مستدركاً: "لكن كيف تتيقن من نجاح تصميمك يقيناً؟".