هز كيفاموس رأسه.
"لا، لابد من وجود سلسلة قيادة هنا، وإلا ستغرق في تلك الطلبات طوال اليوم ولن يتبقى لك وقت لأي شيء آخر، خصوصاً عندما ننتهي من تشييد المزيد من مجمّعات البيوت الطويلة".
وأوضح قائلاً: "السبب البسيط هو أن غالبية الشكاوى من هؤلاء الناس ستكون تافهة على الأرجح، كأن يودّ شخص تغيير سريره من الطابق العلوي إلى السفلي لسبب ما، بينما يفضل آخر السرير العلوي وحده، وهذه الأمور تقود بسهولة إلى شجارات بينهم. وبهذه الطريقة، يمكن للمشرف أو مسؤول المجمّع حلّ معظم المشكلات بنفسه، ولن تضطر للقلق بشأن هذه المسائل. وإن ظهر أمر يستحق اهتمامك حقاً، فسيمتثل المسؤول للقائك مرة كل يوم".
وتابع كيفاموس: "كلما أدارت هذه المجمّعات نفسها بنفسها، أصبح الأمر أيسر علينا، ومع اتباع سلسلة قيادة سليمة، يمكن توسيع نظام البيوت الطويلة هذا بسهولة بالغة. هكذا، وحتى إن امتلكنا العشرات من هذه المجمّعات في المستقبل، فستظل قادراً على حلّ شكاواها في غضون ساعة، إذ سيتعين عليك مقابلة مسؤوليها فقط، لا مئات الأشخاص الراغبين في إيصال شكاواهم".
وأردف: "إذن، باختصار، ستكون مهمة هؤلاء المشرفين الأربعة هي تسيير أعمال المجمّعات بسلاسة بأنفسهم. لكن أخبرهم أن هذه المهام تطوعية وتُؤدى فقط لجعل المجمّعات تنظم نفسها بشكل أفضل".
ونخر بسخرية: "وإن اشتكى أحدهم من غياب الأجور، فأخبره أن أجرهم نظير ذلك العمل هو العيش مجاناً في هذا المجمّع".
ضحك دوفاس وأومأ برأسه.
"أظنني استوعبت أسبابك، لذا سأجد أشخاصاً لكل تلك المهام بحلول المساء. هؤلاء ثلاثة مسؤولين في الوقت الحالي بما فيهم المشرف العام، وربما شخص آخر في المستقبل عندما يبدؤون في زراعة رقع الخضار. ومع ذلك، لم قد نبني العشرات من مجمّعات البيوت الطويلة؟ حتى لو أردنا نقل كل سكان القرية إلى تلك المجمّعات لسبب ما، فربما يمكن حشدهم جميعا في ثلاثة أو أربعة مجمّعات فحسب. فلماذا نحتاج إلى المزيد منها إذن؟"
تضحك كيفاموس بصوت خافت، مستغرقاً في حلم باليوم الذي تعمل فيه سلسلة من المصانع في تيرانات، ليمنحه ذلك فرصة لمساعدة شعبه بتوفير وظائف حقيقية لهم فلا يضطروا لرؤية أطفالهم يتضورون جوعاً، ولن يعودوا بحاجة إلى الاعتماد على إحسان أحد. وفي الوقت ذاته، أراد جنْي أرباح كافية من ورائها لضمان أمن قريته وسلامته الشخصية ضد القائمة المتنامية ممن أرادوا رؤيته ميتاً. لقد حالفهم الحظ بالنجاة دون أدنى خسارة من غارة قطاع الطرق الأخيرة لأن معلومات كالوبو وصلت في الموانب المناسب، لكنه عرف جيداً أنها لن تكون الغارة الأخيرة.
وهؤلاء لم يكونوا سوى صعاليك هذه الغابات. فما بالك لو قرر أحد النبلاء القريبين، أو ذلك اللقيط زوريكوس -الذي يملك من الموارد ما يكفي لشراء جيش كامل من المرتزقة على الأرجح- أنهم اكتفوا من إرسال القتلة سراً أو تحريض عصابات اللقطاء لمهاجمة قريته، فجاؤوا بحراسهم أو بما يُسمى جيشاً لنهب قريته؟ لم تكن لديه أي نية لمنحهم الفرصة لفعل ذلك. ولمنع هذا، وربما للإتيان بأي شيء في هذا العالم، كان بحاجة إلى المال.
الكثير من المال. ولتحقيق ذلك، احتاج إلى جيش حقيقي من العمال ليججنوا له تلك الأرباح بينما يصنعون السلع لتستهلكها وتصدرها تيرانات. لم يكن لينزل منزل البارونات اللصوص كأمثال أولئك في ماضي الأرض، وكانت لديه نية راسخة لتوفير ظروف عمل ملائمة وأجور جيدة لكل من يعمل لديه. لكنه لم يستطيع أيضاً الجلوس مكتوف الأيدي بينما يسرق أولئك النبلاء الجشعون النزر اليسير الذي يملكه هو وقرويوه هنا.
عبس للحظة. كان يفكر كمدير تنفيذي توسعي هذه الأيام لا كمهندس ميكانيكي متوسط الحال اعتاد أن يكونه. لكنه عاد فضحك في سرّه. بدا وكأنه جادّ في جنْي ثمار تلك الترقية أخيراً -تلك التي نالها بالكاد على الأرض حين انتُزع من حياته كستيفن ليصير كيفاموس. لكنه عوضاً عن نيل ترقية وحيدة، كان الأمر أشبه بقذفه صعوداً حتى القمة تماماً، حيث بات مسؤولاً عن رعاية كل من هم تحته. الفارق الوحيد هو أنه بدل امتلاك شركة على الأرض، صار يملك بارونية في مملكة ريسلينور.
ألقى نظرة عابرة على غورسازو وابْتسم -فقد لابد أنه أدرك مجيء فكرة أخرى من أفكار الأرض إلى ذهنه- قبل أن يعيد نظره إلى كبير الخدم.
"لا تقل مستحيل أبداً يا دوفاس. من يدري، قد نحتاج قريباً لإيواء عدد أكبر بكثير من الناس..."
أومأ دوفاس ببطء.
"كما تشاء يا سيّدي. ربما أدرك تلك الأسباب في المستقبل. بغض النظر عن ذلك، أردت إخبارك بأن تانيوك قد شرع بالفعل في العمل على غرفة السجن التي أردنا بناءها هنا".
أومأ كيفاموس.
"لنر كم سيستغرق من الوقت. لدينا الكثير من الأشياء التي نريد منه إنجازها".
حدّق نحو الأفق وتمتم: "أتمنى حقاً لو أن لدينا المزيد من النجارين المدربين هنا".
عقّب دوفاس: "لا يمكننا فعل حيال ذلك شيء في الوقت الراهن. على أي حال، ينبغي أن أتوجه إلى مجمّع البيوت الطويلة الآن لأتأكد من سير كل الأمور بالشكل السليم. وعليّ أيضاً تعيين المسؤول وبقية المشرفين هناك".
أومأ كيفاموس، وغادر كبير الخدم قاعة القصر. أخذ نفساً عميقاً، وحدّق نحو طاولة الطعام الطويلة حيث لُفّت بعض الرقاقات مع رسومات غير مكتملة. لقد حان وقت العمل.
* * *
~ ميسي ~ ~ منزل السيد كيغير ~ كان الوقت عصراً، وحان وقت رحيلهما أخيراً. في وقت سابق، أخبرت والدة إيلسي السيد كيغير صراحة بأنها لن تسمح لهما بمغادرة المنزل في برد الصباح. وذاك يعني أنها وتيمي ظظفروا ببضع ساعات إضافية للعب مع صديقيهما الوحيدين في هذا العالم -إيلسي وشقيقها الأصغر- فضلاً عن وجبة شهية تناولاها كغداء مبكر. لكن كان عليها أن ترمش باستمرار أثناء الأكل لكيلا تشرع دموعها في السقوط.
لكن توجب عليهما الرحيل حقاً الآن. حتى إن السيد كيغير أغلق متجره -الذي نادراً ما يأتيه زبائن هذه الأيام، حسب ما رأته- ليصحبها هي وتيمي بنفسه إلى مجمّع البيوت الطويلة، برفقة أسرته. كان ليف قد ذهب للعمل كعامل في الصباح الباكر، لذا فقد ودّعهما مسبقاً. لم يكن لديها ما تحزمته على أي حال، سوى ثياب جديدة أهدتها إياها والدة إيلسي هي وتيمي، حين رأت أن ملابسهما القديمة قد بليت تماماً.
كما مُنحا اليوم بطانية مرقعة من أم إيلسي، والتي كانت في الواقع إحدى أفضل ما تملكه العائلة. إذ خطت خارجاً، أمسكت بيد تيمي، محاولةً التظاهر بالشجاعة، رغم أنها رغبت بشدة في الاختباء والبكاء في زاوية ما. كانت إيلسي قد اجهشت بالبكاء في وقت سابق أيضاً، لكنها بدت هادئة الآن، مغايرة تماماً لطبيعتها المرحة المعتادة. كان الجو بارداً حقاً في الخارج، لكنها اعتادت معظم البرد من أيام عيشها في الشوارع.
ورغم ذلك، افتقدت بالفعل دفء المنزل الذي تفارقه الآن. لقد تراكم بعض الثلج على الأرض، وفي الصباح، حاولت صنع بعض كرات الثلج لترميها على الآخرين، لكن قلبها لم يكن مهيئاً لذلك، فتخلت عن الفكرة عندما اكتفت إيلسي بالنظر إليها بعيون دامعة بدلاً من مبادلتها رمي كرة الثلج. حين شرعا في السقوط عبر الشوارع الضيقة، حاولت الالتفات حولها لتشغل تفكيرها، فرأت عديداً من القرويين الآخرين يتحركون في الاتجاه نفسه.
كان كثير منهم يحملون أكياساً مرقعة وأوعية خشبية، وبعضهم وضع ملابس متفرقة على أكتافهم، بينما حمل آخرون حزمة كبيرة فوق رؤوسهم، تبرز منها بضع قطع من القش الجاف من الثقوب. أكان ذلك فراشاً من القش كتلكم التي في منزل السيد كيغير؟ ظلت تتلفت حولها بينما يسيرون، وقبل أن يمر وقت طويل، كانوا يعبرون فوق لوح خشبي موضوع فوق خندق طويل، ومجمّع البيوت الطويلة الضخم يلوح أمامهم.
توقف لبرهة لتأمله. كم بلغ حجم ذلك المبنى يا ترى؟ بوسعه على الأرجح استيعاب عشرات المنازل كتلك التي تتركها خلفها! بلغوا البوابات ف توقفوا لحظة ليدعوا حشداً صغيراً من القرويين يعبرون البوابات أولاً. وفوراً، عاودت فكرة ترك صديقتها الوحيدة ومعها العائلة التي اعتنت بها وبشقيقها التسلل إلى عقلها، مما دفنها على رمش دموعها. استدارت لتجد إيلسي تحدق مباشرة فيها بينما تسقط الدموع من عيني صديقتها المفضلة.
أستستطيع حتى محادثة إيلسي مجدداً؟ وما مصير أحلامهما بأن تصبحا خادمتين في قصر البارون معاً عندما تكبران؟ أيقدر شقيقاهما الصغيران أبداً على خوض معازك السيوف الوهمية بالعصي بعد الآن؟ أطرقت ميسي برأسها، رافضة التفكير في الأمر أكثر. فقد كان الألم أشدّ من أن يُحتمل.
لكن فجأة، ركضت إيلسي نحو أبيها ووضعت يديها على خصريها، متسائلة بغضب: "لمَ لا يمكنهما البقاء هنا؟ لمَ تطردهما!"
رمق السيد كيغير ميسي وشقيقها بنظرة قصيرة، قبل أن يجيب بصوت نال منه التعب: "لقد أخبرتكِ يا إيلسي، لا أود رؤيتهما يرحلان أنا أيضاً، لكنني ببساطة لن أستطيع إطعام الجميع إن بقينا جميعاً هنا".
عقّبت إيلسي باحتجاج: "لكن البارون يوفّر وجبات مجانية لكل الأطفال كل يوم!"
هزّ السيد كيغير رأسه ببطء.
"ليس بعد الآن يا إيلسي. ما دام مجمّع البيوت الطويلة قد شُيّد، سيتوقف عن توفير تلك الوجبات المجانية. من اليوم، سيُطبخ الطعام داخل البيت الطويل لمن يسكنون هناك. وهذا يعني عدم وجود وجبات مجانية أخرى لكِ أو لميسي، ولا حتى لإخوتك".
حدّقت إيلسي فيه بالمقابل، لكن ميسي طأطأت رأسها مجدداً، غير دُرية بما تقول. عادت صديقتها المفضلة لتلتفت نحو أبيها برمته وتحدّق فيه بحدة.
"إذن يمكنها تناول نصف طعامي!"
وتوسلت مجدداً: "أرجوك لا تدعهما يرحلان يا أبي..."
نظر إليهما السيد كيغير بيأس وتكلم بصوت خافت: "لن يجدي ذلك نفعاً طويلاً يا إيلسي، لا سيما ومتجرنا بالكاد يظفر بزبائن هذه الأيام. صدقيني، لقد فكرت مسبقاً في الاكتفاء بنصف وجباتي من أجل ذلك، لكن أمراً كهذا لا يمكن استمراره لعائلتنا الكبيرة أصلاً..."
رمقته ميسي بذهول. لمَ يقول ذلك؟ لمَ قد يتخلى عن وجباته الخاصة لأجل يتامى أمثالهما؟ التفتت ميسي بنظرتها نحو تيمي الذي كان يبكي بصمت، فآلمها ذلك أكثر من أي شيء آخر. وإذ لم ترغب في إطالة معاناتهما أكثر، أخذت نفساً عميقاً. لقد حان الوقت. أمسكت بيدي شقيقها الأصغر، وبدأت تسير نحو بوابة مجمّع البيوت الطويلة. ومهما رغبت في ذلك، لم تلتفت للخلف، وإلا لتمكن الجميع من رؤية كم كانت طفلة بكّاءة.
كانت إيلسي تنادي باسمها من الخلف، وكل ما أرادته هو الاستدارة والركض نحوها. لكنها لم تستطع. تنهدت ميسي وهي تكفكف دموعها. لقد استمتعت حقاً بقضاء الوقت مع صديقتها المفضلة وعائلتها، لكنها علمت أن ذلك لن يدوم. فالأشياء الجميل لا تدوم أبداً لأمثالها، بعد كل شيء... إذ بلغت البوابات العالية، مسحت عينيها بكمّيها مجدداً، وعبرت إلى المكان الذي سيغدو منزلهما الجديد. أو على الأقل، ملجأهما الجديد، إذ لم يكن هناك سوى منزل واحد عرفته بعد رحيل والديها، وكان سكان ذلك المنزل يقفون الآن في الخارج، ومن المرجح أن يستمتعوا بحياتهم دون أن يزعجهم يتيمان عاجزان.
وستتمكن إيلسي أيضاً من العثور على صديقة مفضلة جديدة قريباً بما تملكه من شخصية مبهجة وستنساهما بسهولة... رمشت بعينيها الدامعتين، وهي تدرك في قرارة قلبها أن ذلك لم يكن صحيحاً وإلا لما كانت تلك العائلة قد آوتهما في منزلها في المقام الأول. لقد عرفت أنها مجرد كذبة سخيفة تحاول اختلاقها لنفسها... لكنها اضطرت لجعل قلبها يصدقها، وإلا غدا الألم أقسى من أن يُحتمل. أجبرت نفسها على مواصلة السير بينما تمسك بيد تيمي الصغيرة، بدل الالتفات والركض عودة إلى العائلة الوحيدة التي عرفتاها في حياتهما القصيرة.
وظلت الدموع تسقط من عينيها مع كل خطوة. فلن يمر وقت طويل قبل أن ينسى الجميع أمرها وتيمي على أي حال، أليس كذلك؟ أليس كذلك...؟