ارتفعت شمس الصباح في كبد السماء مع أن الغيوم عادت تحجبها. بقيت البرودة على حالها كأنها الليلة الماضية لكن الوجبة المشبعة المبكرة والجلوس أمام نار متأججة لساعة كاملة صنعا فارقاً كبيراً. استغرق الأمر وقتاً حتى استوعب العبيد الموقف لكن أحداً منهم لم يقرر التخلف لحسن الحظ. أدركت هيولا أن مرافقة هؤلاء الغرباء مغامرة لكن أي شيء يبدو أفضل من الموت جوعاً هنا والتعرض للضرب على يدي نوكوزال.
ما إن أبلغ العبيد الحراس بقرارهم حتى أمر هؤلاء بإحضار العربات والبدء بربطها بالخيول. ولم تمض طويلاً حتى ربط الحراس حبالاً حول أعقاب النودور ليقود الحراس الأربعة الذين يمتطون خيولهم الحيوانات إلى جانبهم. رُبطت حصانان بكل عربة بعد تحميل محور العربة المتضررة على كل منها. وما إن جهز كل شيء حتى سارع العبيد إلى اعتلاء منصات العربات يتطلعون إلى مستقبل أفضل من واقعهم حتى الآن.
جلست هيولا أيضاً في إحدى العربتين رفقة عشرة من قطاع الحجارة وبدت وجوه الجميع شاحبة بقلق بينما صعد الحراس مقاعدهم لقيادة العربات. لكن قبل أن تتحرك المركبات ركض كالوبو نحو النار التي خبت معظم جمراتها والتقط غصناً لا يزال يشتعل فتوجه به صوب الأكواخ البديلة وأشعل النار فيها واحداً تلو الآخر.
لم يبد بعض العبيد سرورهم بهذا الفعل لكن كالوبو هرول نحوهم سريعاً وقال بابتسامة خبيثة: "أوامر القائد. أخبرنا بأنه لا داعي لمنح نوكوزال وبقية اللصوص كوخاً جاهزاً في الشتاء. ولا خطر من امتداد الحريق إلى الغابات من داخل محجر الحجر الجيري على أي حال خصوصاً مع انعدام الرياح اليوم لذا أردنا ترك هدية أخيره لذلك الوغد الضخم جزاء تطاوله على مهاجمتنا. ليتجمد هنا حتى الموت!"
أرسم ذلك المشهد ابتسامة فورية على وجوه الجميع بينما حاولت هيولا تخيل وجه نوكوزال محتقناً غضباً حين يرى أتباعه هلكى وقد فر عبيده ونودوره على متن عرباته ولم يترك له مأوى. ابتسامة عريضة علت محياها. ربما كانت تلك نهاية مناسبة لرحيلهم عن هذا الجزء من حياتهم. لتحترق كل ذكرياتهم السيئة من هذا المكان في تلك النار. شكرت الملكة مجدداً لرعايتها إياهم دون انقطاع. لتصدق على الأقل بعض تلك الوعود الكبيرة التي قطعها ذلك البارون.
ما إن لوح الحراس بالسياط لتحريك الخيول حتى انطلقت المجموعة الصغيرة المؤلفة من عربتين والفرسان الأربعة نحو مستقبل مجهول لكنه واعد. وفي ضوء شمس الصباح الباكر وبينما كانت هيولا تتابع المحجر وهو يبتعد تدريجياً فور خروج العربات من حفرة المحجر لم تدرِ ما يخبئه المستقبل لهم لكنه لا بد حتماً أفضل من تلك الحقبة التي أُبرمت على قضائها هنا. ومع تلاشي المحجر في الأفق حاولت تخيل كيف سيكون شكل العيش كامرأة حرة.
أيتجسد ذلك الحلم الذي راودها بشراء شرائح اللحم من بسط في ساحة السوق رفقة كالوبو حقيقة أخيراً؟ أستتمكن حقاً من جني أجر لقاء عملها؟ وإن حدث هل تستطيع شراء شرائح اللحم لكالوبو بمالها الخاص بدلاً من الاعتماد عليه لإطعامها؟ ابتسمت هيولا لمجرد تفكيرها في ذلك اليوم. لم تستطع انتظار الوصول إلى تيرانات!
* * *
~ كيفاموس ~ ~ قصر البارون ~ جلس كيفاموس داخل قاعة القصر إلى مائدة الطعام الطويلة بانتظار الإفطار وبجواره غورسازو. كان الطقس قارص البرودة في الخارج وكعادته يقضي جل وقته داخل المبنى مرسوماً مخططاً لهذا الشيء أو ذاك. ينوي اليوم إنهاء تصميم بزارات البذور. انفتح الباب الخارجي وولج دوفاس مرتعشاً قليلاً.
اقترب من المدفأة ليدفئ جسده وقال: "بدأ القرويون الانتقال إلى مجمع البيوت الطويلة الآن. وتأكدت من إعطاء الأولوية لمن هم أشد حاجة لذلك أولاً".
أثنى كيفاموس: "حسن حسن. وكيف ينقلون أمتعتهم إلى هناك؟"
هز دوفاس كتفيه مجيباً: "لا يملكون في الواقع الكثير لنقله خصوصاً أولئك الذين بلا مأوى. أما البقية فيحملون على ظهورهم ما امتلكوه فحسب".
تمتم كيفاموس: "ممم... لكن وجود نودور واحد على الأقل للمساعدة في نقل أغراضهم لكان نفعهم كثيراً".
عقب دوفاس: "حسبما أعلم النودور الوحيد في القرية مع الطحان لكننا نحتاج إلى عمله طوال اليوم لطحن الحبوب وتحويلها إلى دقيق لذا تعذر أخذه منه".
تذكر كيفاموس تفكيره سابقاً في كيفية طحن الحبوب بالقرية دون طاحونة هوائية أو مصدر طاقة آخر ليتضح له الجواب الآن. بدت طاقة الحيوانات المصدر الوحيد للطاقة هنا. لكن نأمل ألا يطول ذلك طويلاً.
نظر إلى كبير الخدم: "ألدى القرويون ما يستعملونه كمراتب على تلك الأسرة الخشبية؟"
حدق دوفاس به لبرهة قبل أن يرمق غورسازو الذي هز كتفيه معقباً: "ماذا؟ أنت تعلم سلفاً أنه كان يقضي كل وقته في المكتبة".
هز كبير الخدم رأسه والتفت مجدداً إلى كيفاموس: "حسنناً، ألفة النوم على الأرض الباردة الصلبة هي ديدن أغلب القرويين. لست أدري ما ساد في قصر أولريغا لكن تيرانات قرية فقيرة حقاً كما بات واضحاً لك. وحتى الحصول على سرير خشبي للنوم داخله في مبنى دافئ يفوق ما تجرأ أحدهم على حلمه منذ أشهر قليلة مضت".
وأردف: "رغم أني بالكاد تحققت من الأمر فعلى ما أعلم لا يمتلك مثل تلك المراتب سوى بضع تجار خارج القصر".
أخذ كيفاموس نفساً عميقاً. بالطبع. كيف له أن ينسى فقر هذه القرية والمنطقة. إنه العصر الوسيط وامتلاك مرسلة جيدة ربما حلم يراود معظم الناس. تلك مسألة أخرى تحتاج تحسيناً مستقبلاً إذن. وعلى الأقل غطى غورسازو موقفه هنا لعلمه بأنه لم يعتد حياة هذا العالم.
قال متسائلاً مع ذلك: "ألا يمكن فعل شيء حيال ذلك؟ سيتوفر بالتأكيد بعض القش حول القرية لاستخدامه حشواً".
رد دوفاس: "ليست تلك هي المشكلة يا سيّدي. أولئك الذين ما زالوا يمتلكون منزلاً أو حتى كوخاً للعيش فيه يفرشون بالتأكيد بعض القش الجاف على أرضياتهم الترابية لعزل البرودة الأرضية. لكن صنع مرسلة منه كتلك التي بحوزة قاعة الخدم يتطلب أقمشة كثيرة لحشو القش بداخلها. والقطن أو حتى الكتان سلع باهظة الثمن في مملكتنا ولا سبيل لغالبية القرويين لحلم شرائها وهم بالكاد يملكون ما يسدون به رمقهم".
وتابع: "لا أذكر عدد السنين منذ أن اشترينا قماشاً للاستخدام في القصر سوى ما اقتناه البارون السابق لحاجته الشخصية. وعادة ما تخيط ليا ثقوب مراتب القش الخاصة بنا متى دعت الحاجة أو نكتفي بما لدينا".
تجهم وجه كيفاموس ملمّساً بعمق حجم باستدانة هذه القرية الآن.
أضاف كبير الخدم مستدركاً: "مع ذلك، أبلغت القرويين مسبقاً بجواز جلب ما يحلو لهم لاستخدامه بطانة لأسرتهم. يقترض الكثيرون بعضاً منها حيثما أقاموا حتى الآن أو من جيران يعرفونهم في القرية. ذهب بعضهم للغابة لجمع بعض المؤن هناك بعد أن طمأنتهم مراراً بأن البارون لن يعاقبهم".
هز كتفَيْه متمماً: "أدرك أن الأمر ليس مثالياً بتاتاً لكن تلك هي حياة العامة المعتادة. الطعام يسبق الراحة المادية دائماً".
ثم تساءل دوفاس: "مع ذلك، وكما رأينا آنفاً تضررت منازل قرويين آخرين أو شابت جدرانهم ثقوب ورغب كثير منهم الانتقال لمجمع البيوت الطويلة أيضاً. حتى أني عاينت وقوع شجار بين بعض القرويين أحقية أسبقية الانتقال رغم إعلاني مسبقاً لمن يسمح له. ما رغبتك في التعامل مع الأمر؟"
لاحظ غورسازو: "نحن نبني مجمع بيوت طويلة ثانياً لهم لكن صحيح أن ذلك سيتطلب أسابيع عديدة على الأقل".
أومأ دوفاس: "أجل وأعلمتهم بوجود متسع في المجمع الثاني بالتأكيد. لكنهم أرادوا السماح لهم بالانتقال إلى هذا حتى لو اضطروا للنوم على الأرضيات لأنها أدفأ بكثير من أماكن سكناهم الحالية".
فكر كيفاموس في الأمر هنيئةً وأومأ: "افعلها. لهذا بنينا أرضية خشبية داخل المجمع أصلاً. امنح الأولوية لأصحاب الأطفال أو المسنين في عائلاتهم لكن تأكد من عدم تكدس المكان أكثر من اللازم. سيفوق عدد النزلاء الطاقة الاستيعابية للمجمع بكل تأكيد إثر ذلك، ومع ذلك أبقِ حداً لعدد الأشخاص داخله تفادياً لجعله غير صالح للعيش".
أومأ دوفاس: "سألقي نظرة أخرى بالداخل لأتبين عدد الأشخاص الذين يمكننا استيعابهم على الأرضيات بيسر. مع ذلك سأترك قسماً من المجمع خالياً بالكامل ليتسنى لقطاع الحجارة البقاء معاً في البداية. وإلا فقد يؤدي ذلك إلى جدال أو نزاعات بلا داعٍ".
"أجل، فصلهم مؤقتاً فكرة صائبة".
وأضاف كيفاموس: "واحرص على تعيين المشرفين اليوم. سيلزمهم طوك طعام يكفي لأكثر من مائة شخص لمرات عديدة يومياً لذا لابد من مسؤول عن إعداد الطعام للجميع في المجمع. ربما إحدى النساء المسنات اللاتي لا يذهبن للعمل كعاملات قادرة على تولي الأمر. وينبغي وجود شخص آخر يتولى مسؤولية تنظيف المجمعات. وحال ذوبان الثلوج يتسنى لك تكليف أحدهم بتنظيم وبذر بقع خضروات هناك لكن يمكننا إرجاء ذلك إلى ما بعد الشتاء".
أومأ دوفاس بالإيجاب.
تأمل كيفاموس مطولاً قبل أن يستطرد: "بغض النظر عما سبق، تحدثنا مسبقاً بشأن تعيين شخص مسؤول عن المستودع. وبما أنه لابد أن يكون فرداً موثوقاً تأمن جانبه ولا يسرق منه، فيمكنك جعله الإداري العام للمجمع أيضاً. إن واجه أي ساكن في مجمع البيوت الطويلة مشكلة ما فعليه اللجوء إليه أولاً فإن عجز عن تسويتها أمكنه التوجه إليك مباشرة لطلب المساعدة".
قال دوفاس مقطباً حاجبيه: "أحاجة ماسة لذلك حقاً؟ رغم اقتصار إشرافي على القصر حتى الآن ألا يكون أفضل حال توجه من لديه مشكلة إليّ مباشرة؟"