من لندن إلى اللورد الفصل 159 — أوهام واهية

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 159 — أوهام واهية باللغة العربية على مانجا تايم.

— ميزي — — منزل السيد كيجير — كان الوقت يقترب من الصباح الباكر، وكانت ميزي صاحبة السنوات العشر نائمة.

أو هكذا كان المفترض بها. لكنها، لسبب ما، لم تستطع أن تغمض عينها حتى لو للحظة واحدة حتى الآن. في مساء أمس، كانت تلعب خارج منزل السيد كيجير مع صديقتها المفضلة الجديدة إيلسي عندما سمعت قروياً يجري في الشارع صارخاً بأن كتلة البيت الطويل الأول قد اكتملت. لم تكن تدري ما يعنيه ذلك آنذاك، وقد نسيت الأمر برمته حتى وقت العشاء. حينها أخبرهم السيد كيجير جميعاً أنه المبنى الجديد الذي يبنيه بارون القرية في الطرف الشمالي منها.

وكل من بلا مأوى سيضطر للعيش هناك الآن. وهي وتيمي من ضمنهم. لقد فاجأها الخبر لدرجة أنها نسيت كيف تتنفس للحظة. نظرت إلى إيلسي التي كانت تبادلها النظرات بعينين مغرورقتين بالدموع. أسيحتم عليها حقاً أن تفارق صديقتها الأولى والوحيدة الآن؟ جذبها تيمي من كمّها ليتاكد من صحة الأمر، فأومأت له على كره منها، مما جعله يجهش بالبكاء هو الآخر. أطلقت تنهيدة عميقة لا مكان لها في حياة طفلة في العاشرة.

لكنها كانت تعلم مسبقاً أن الأوقات الجميلة لا تدوم لأمثالها. على الأقل، صنعت ذكريات جميلة مع صديقتها الجديدة. ولعلها تستطيع زيارتها في المستقبل لتلعب معها... ثم اضطرت لرمش عينها مراراً لتمنع الدموع من التساقط من عينيها هي الأخرى. حينها شرعت إيلسي في الصياح في وجه والديها متسائلة عن سبب عدم قدرتهما على الاستمرار في العيش بمنزلهما بعد الآن. لكن السيد كيجير أوضح لهم أن تلك أوامر البارون.

وعندما التمست ميزي طرفة عين نحو وجهه، بدا وكأنه لا يريد منهم الرحيل أيضاً. لكن لماذا قد يكون الأمر كذلك؟ هي وتيمي ليسوا طفليه، وقد ساعدهما بالكثير بالفعل بمنحهما سقماً يؤويهما. ألا يريد أن يعيش مع عائلته الخاصة من الآن فصاعداً؟ ألا يريد أن يطرد الأيتام من منزله، ما دام غير مضطر لإبقائهم هناك بعد الآن؟ ثم نظرت بخاطفة نحو والدة إيلسي، وبدت عيناها مغرورقتين بالدموع هما الأخريان.

لكن كيف يكون ذلك؟ ولماذا قد تحزن هي؟ لم تكن ميزي تفهم شيئاً من هذا قط. وفي وقت لاتحق، حين خلدت للنوم في الغرفة الصغيرة بالطابق العلوي بصحبة شقيقها الصغير تيمي، ظنت أنها ستستغرق في النوم بسهولة، تماماً مثل كل يوم، نظراً لمدى تعبها من اللعب، وبطنها الممتلئ بالطعام، ومكانها الدافئ للنوم. لكن الأمر لم ينجُح قط. ومنذ ذلك الحين وهي تفكر بلا توقف في تلك الأيام التي عاشت فيها هي وتيمي في الشوارع، بحثاً عن الطعام في أكوام القاذورات.

وكيف تغيرت حياتهما منذ أن بدءا العيش في منزل خشبي حقيقي. وحتى كوخ خالتها، الذي سكناه بعد وفاة والديهما، لم يكن سوى أكوام من الطين والعصي، ولم يكن يقترب حتى من دفء منزل السيد كيجير أو راحته. وعندما هاجم اللصوص المخيفون القرية قبل بضعة أيام، بذل السيد كيجير وعائلته قصارى جهدهم لحماية جميع الأطفال، بما في ذلك تيمي وهي. لقد كانت مرعوبة حقاً في ذلك الوقت، ظانة أن اللصوص سيأخذونها نهائياً من منزلها، لكن هذه العائلة هي التي سعت لحمايتهم، قبل أن يصل ذلك الحارس الضخم ويطرد اللصوص بعيداً.

ألا يمكنها هي وتيمي مواصلة العيش هنا...؟ لكن الأوقات الجميلة لا تدوم لأمثالهم من الأيتام، أليس كذلك؟ ومنذ ذلك الحين، وهي تتقلب يمنة ويسرة محاولة النوم، لكن النوم لم يأتِ إليها الليلة. قط. ولتشغل تفكيرها، حاولت حتى أن تتخيل شعور التحليق على وحيد القرن الذي تزعم إيلسي الآن أنه يعيش في عليّة المنزل، لكن ذلك لم يجدي نفعاً أيضاً. ليس وكأنها رأت ذلك الوحيد القرن حتى الآن، رغم يقين إيلسي بأنه يعيش هناك.

كما كان تيمي يعاني من نوم متقطع. ظل يستيقظ مراراً وتكراراً، سائلأً عما إذا كان عليهما حقاً مغادرة هذا المنزل. حاولت ميزي مواساته، لكنها لم تكن دراية حقاً بكيفية فعل ذلك. وفي كل مرة كان شقيقها ذو الثوامن أعوام يخلد فيها للنوم، كان يعتصم بها خوفاً، مرجحاً أنه يحلم بتلك الأوقات التي اضطروا فيها للاختباء من اللصوص على أمل ألا يخطفوهما. أو ربما كان يفكر في ذلك الوقت الذي اضطروا فيه للشجار مع كلب على نفس قطعة الخبز شبه المتعفنة التي عثروا عليها جميعاً في القاذورات في الوقت ذاته.

لكنها كانت ترجو أن يتمكن من النوم قليلاً، حتى وإن عجزت هي عن ذلك. فهو عائلها الوحيد في هذا العالم، ولم تكن تطيق رؤيته باكياً حين يضطران للرحيل. لقد كان الشخص الوحيد الذي يعنيه أمر في هذا العالم. ولكن لا، لم يكن ذلك صحيحاً بعد الآن، أليس كذلك؟ منذ أن جاءت للعيش مع هذه العائلة، بدأت تستمتع بقضاء الوقت في لعب الألعاب مع إيلسي، أو إخبار تيمي - أو حتى شقيق إيلسي الأصغر - بكلمة جديدة تعلمتها.

بل واستمتعت بالأوقات التي كان يكرمها فيها ابن السيد كيجير الأكبر ليف - وهو أكبر بكثير منها ومن إيلسي - بحديثه عن عمله كعامل في الشمال والنباتات أو الحشرات الجديدة التي وجدها هناك. حدقت في النافذة جهة الشرق. لن يمضي وقت طويل حتى تبدأ السماء في الإفصاح عن نورها. وهذا يعني أنه لم يتبق سوى بضع ساعات أخر قبل أن يضطروا لمغادرة أصدقائهم الوحيدين فضلاً عن العائلة الجديدة التي اعتنقتهم ورعتهم طوال الشهر الماضي.

عادت فضمّت تيمي بحرارة إلى صدرها، متمنية ألا يأتي الصباح أبداً.

* * *

— هيولا — — داخل كوخ نحاتي الحجارة في مقجرة الحجر الجيري — كانت هيولا تجلس أمام منصة طعام في ساحة السوق بسينران، بينما كان كالوبو يقف بجانبها ويتحدث مع البائع ليشتري لهما زوجاً من أعواد اللحم المشوي المنقوشة.

كانت تنظر إليه بدهشة. كيف لها أن تقابل شخصاً حنوناً مثله قط؟ وما إن دفع كالوبو ثمن اللحم حتى التفت إليها مبتسماً، وناولها أحد العيدان. بادلتهم الابتسام، وبعد أن أخذت العود منه، أكلت أول قطعة مكعبة من اللحم المغطى بنوع من الصلصة التي أعدها البائع — وكانت طرية ولذيذة للغاية! لم تكن تتذكر حتى متى كان آخر مرة أكلت فيها شيئاً بمثل هذه الطذة اللذيذة. وأحببت تناوله، وتمنت لو أن لديه المزيد منه!

لكنها ببساطة لم تملك المال لشرائه. لم تكن تعتقد أنها، كأمة، تقاضت أجراً نظير عملها قط سوى المأوى والطعام. ربما كان لدى كالوبو المزيد من المال لشراء بضع عيدان لحم أخرى. ولكن انتظر. من أين له المال؟ لقد كان هو الآخر عبداً مثلها في المقجرة الآن. فكيف إذن وصلا إلى هنا في سينران؟ فجأة سمعت صوت شخص يصرخ من الدهشة. ما هذا؟ التفتت حوله فلم تر سوى حشد من البشر بوجوه باهتة. من الذي يصرخ؟

وكيف جاءت إلى سينران؟ كان المفترض أن تكون جائعة وباردة في المقجرة. حقاً، المقجرة! صرخ أحدهم مجدداً في ذعر، وعقب ذلك مباشرة، سمعت صوت اصطدام الفولاذ بالفولاذ، مع صراخ شخص آخر بألم. ما الذي كان يحدث؟ بدأت تشعر بالخوف الآن. لماذا كان الناس يتشاجرون في السوق؟ ولماذا لم تستطع رؤيتهم؟ كانت تزداد توتراً لحظة بعد لحظة، لكن عينيها انفتحتا فجأة. وجدت نفسها تحدق في الأغصان الخشبية والألواح من عربتهم المتضررة، والتي بالكاد كانت تتماسك ببعض الحبال — داخل أحد أكواخ نحاتي الحجارة في المقجرة.

حقاً. لقد كان ذلك حلماً. حلماً رائعاً بلا شك، لكنه مجرد حلم. لم يكن كالوبو في المقجرة منذ أكثر من أسبوع الآن. ولم تكن تدري حتى إن كان لا يزال على قيد الحياة أم أن أولئك الأذناب قد قتلوه. ثم سمعت صوت اصطدام الفولاذ بشيء ما يليه صوت صراخ شخص بألم مجدداً، وأدركت أن ثمة خطباً جسيماً يحدث. نظرت حولها فرأت بحلول ذلك الوقت أن نحاتي الحجارة الآخرين داخل الكوخ قد بدأوا في الاستيقاظ هم الآخرون.

نظروا جميعاً بعضهم إلى بعض، ولم يُمضوا وقتاً طويلاً حتى أدركوا أن هناك عراكاً يدور خارج كوخهم. على الفور، نهضت، وأخرجت برأسها خارج اللوح المفكك الذي كان بمثابة باب الكوخ. ورأت أنه بالقرب من النار المشتعلة في الخارج، كان هناك عدد أكبر بكثير من اللصوص الذين يرتدون معاطف فرو ثقيلة الآن، لكنهم لسبب ما بدا وكأنهم يقاتلون بعضهم بعضاً. وسرعان ما دفعتها برفق امرأة أخرى كانت تقيم في ذلك الكوخ معها، وخرجت من الباب لترى ما يحدث، تلتها هيولا من خلفها.

كان الجو لا يزال مظلماً في الخارج، لكنها كانت تعلم أن شروق الشمس ليس ببعيد الآن. ولكن في ضوء القمر الخافت إلى جانب النار، رأت أن هناك ما يقرب من اثني عشر لصوصاً في المقجرة الآن. أكان ذلك يعني أن نوكوزال قد عاد؟ أكان كالوبو قد عاد هو الآخر؟ لكن لماذا كانوا يقاتلون بعضهم بعضاً؟ حاولت التطلع في وجوه اللصوص، لترى إن كانت تتعرف على أي منهم، لكن الأمر كان صعباً للغاية مع كثرة تحركاتها.

رغم أنها رأت لصاً واحداً كان ضخماً للغاية. لابد أن يكون ذلك هو نوكوزال. أطلقت تنهيدة عميقة. إذن لقد عادوا بعد كل شيء، ولم تستجب الملكة لدعواتها بأن تدع باكوراً يأكل ذلك الذنب كوجبة خفيفة مسائية. ولكن لماذا كانوا يحاولون قتل بعضهم بعضاً؟ لم يكن ذلك منطقياً البتة! ولسبب ما كانوا يتقاتلون فيما بينهم فقط، متجاهلين نحاتي الحجارة الذين تجمهروا للمشاهدة من مسافة آمنة. والآن بعد أن اعتادت الموقف قليلاً، لاحظت أن أحد اللصوص كان ميتاً بالفعل بالقرب من النار.

بدا وك أنه قُتل أثناء نومه! فمن إذن هؤلاء اللصوص الجدد؟ أكانوا يريدون فقط اتخاذ جميع نحاتي الحجارة عبيداً لهم الآن؟ أم سيتحولون لقتلهم جميعاً أيضاً، بعد أن يفرغوا من أمر اللصوص؟ حاولت التدقيق لتبين ما يدور، فرأت أن ثلاثة من اللصوص — المرجح أنهم كانوا في المقجرة بالفعل — كانوا يقفون بجانب بعضهم مباشرة، بينما كان اللصوص الستة الآخرون، بما في ذلك الرجل الضخم — الذي لا بد أنه من الوافدين الجدد — يتحركون ببطء حولهم، ربما ليحاصروهم.

ولكن أكان ذلك نوكوزال حقاً؟ كان من الصعب الجزم في ضوء النار المتراقص، لكن الرجل الضخم لم يكن يشبه ذلك الذنب لسبب ما. وفي تلك اللحظة بالذات، رأت أحد اللصوص الأصليين للمقجرة يلتفت نحو نحاتي الحجارة. وقبل أن تدرك ما يجري، جرى نحوها مباشرة، ووضع سيفاً على عنقها، وتحرك خلفها. صرخت بصوت عالي رعباً، ظانة أنها على وشك الموت في التو واللحظة، لكن بدا وكأن اللص لم يكن مهتماً بقتلها، على الأقل في الوقت الحالي.

صرخ اللص الذي وُضع السيف على عنقها في وجه الوافدين الجدد من خلفها: "تراجعوا!"، "تراجعوا، وإلا أرسلتها إلى الملكة الآن!"

ما الذي كان يحدث؟ لماذا حدث هذا لها معها؟ كانت هيولا مرعوبة لدرجة فقدان صوابها بحلول ذلك الوقت، وشرعت تبكي خوفاً. لم تكن تعلم ما تفعله أو حتى ما تفكر فيه. لماذا لم تتمكن من البقاء في سينران رفقة كالوبو؟ لماذا كانت حياتها هكذا دائماً...؟ لم تستطع منع نفسها من مواصلة البكا، بينما كانت تتوسل الملكة لتنقذ حياتها.