~ تيسيب ~ ~ خارج قصر البارون ~ كان تيسيب واقفا قرب المنصة المؤقتة خارج بوابات قصر البارون مستمعا إلى السيد كيفاموس وهو يلقي خطبة عن شجاعة الحراس في الدفاع عن القرية. وكان الجو باردا جدا هنا، رغم أن المواقد المشتعلة حول الحشد وتجمع هذا العدد الهائل من الناس جعلا المكان أقل برودة مما سيكون عليه لولا ذلك. ومع ذلك، زاد ذلك البرد من حدة الألم في ساقه حيث شقّه ذلك اللعين الضخم نوكوزال بسيف.
لكن الجلم لم يكن عميقا جدا على الأقل، لذا سيكون بخير خلال بأسابيع قليلة. ومع ذلك، شعى أن اليوم لم يكن يوما جيدا له حقا، إذ إنه بعد ركضه طويلا للعثور على اللصوص وقتلهم بالأمس حيث بالكاد نجا من تلك المعركة، وجب عليه اليوم الوقوف هنا طويلا في البرد، وهو ما جعل ساقه تؤلمه أكثر. اللعنة على اللصوص! وعلى ذلك اللعين سيجكيل الذي لا يزال حيا. كان يجب إعدامه! بماذا كان يفكر البارون أصلا؟
حسنا، لم يكن بيديه حيلة. الأوامر أوامر، وكان عليه تنفيذ أوامره، حتى وإن لم تعجبه. وحين باغته وخز مفاجئ من الألم في ساقه، تساءل إلى متى سيتعين عليه تحمل هذا الألم. نأمل أن تلتئم إصابته قريبا. عودة إلى الحاضر، لقد اكتشف مؤخرا أن البارون سيعطي أوسمة لبعض الحراس بعد هذا. تساءل تيسيب من سيكون هؤلاء الحراس المحظوظون. في الماضي، سمع من أبيه أنه حضر مرة احتفالا كان فيه كونت سينران يمنح مكافأة لفارس أنقذ حياة أحدهم - وقيل إنها كانت مصنوعة من الفضة الخالصة!
- لذا عرف تيسيب ما يعنيه نيل وسسام - حتى وإن لم يره بعد. في الوقت الراهن، كان يراقب الحشد الذي كبر ليضاهي حجم حشد وليمة بالأمس. انتشرت أخبار حفل التكريم، فتجمع جمع غفير من القرويين هنا فضولا. وكان ما يقرب من جميع الحراس، فضلا عن الخدم والجواري من القصر، يقفون بالقرب من المنصة لمشاهدة المراسم، وهنا كان تيسيب واقفا أيضا. حتى إنه رأى والديه يقفان في مؤخرة الحشد، يستمعان إلى البارون.
ابتسم لثقة أبيه الجديدة بعد أن بدأ العمل رئيسا للعمال، ثم نظر إلى السيد كيفاموس أيضا. استمع بينما كان البارون يثني على عمل الحراس الجاد - وهي تجربة جديدة لهم بلا شك، إذ سمع أن البارون السابق لم يعامل الحراس قط بهذه الجودة. وبعد ذلك، وعد البارون منح الحاصلين على الأوسمة قطعا نقدية صلبة وباردة جزءا من المكافأة! بطبيعة الحال، أخبرهم السيد كيفاموس بأن مدير منزله سيسجل فقط مبلغ مكافأتهم المعلق في دفتر حسابات في الوقت الحالي، وسيتلقون تلك النقود بمجرد أن يبدؤوا في بيع الفحم مرة أخرى بعد الشتاء.
لقد كان الأمر سيّان، إذ لم يساور تيسيب أدنى شك في أن البارون سيوفي بوعوده. قبل طويق، حان وقت تسليم الأوسمة، ونطق البارون اسم الحرس الأول الذي سينال وسام التضحية للبارون - لإصابته أثناء تأدية واجبه. بدا الحارس الذي نُطق اسمه مندهشا تماما كأنه لا يصدق ما يحصل، ولكن عندما بدأ الحراس الآخرون الواقفون بالقرب يهنئونه ويطبتون على ظهره، رسم ابتسامة عريضة. ثم سار الحارس بثقة نحو المنصة وراقب تيسيب البارون وهو يعلق وساما حول رقبته.
فورا، بدأ الحشد يهتف للحارس، لكن الهتافات الأعلى كانت من تيسيب والحراس الآخرين. إنه واحد منهم في النهاية! عما قليل، عاد الحارس الذي نال الوسام وهو يبتسام من أذن إلى أذن، وفورا تجمهر حوله الحراس الآخرون ليهنئوه مرة أخرى وليروا الوسام بأنفسهم. ورغم أن الوسام كان مصنوعا من الحديد فحسب، ولم يكلف الكثير بمفرده، إلا أنه كان يعني مع ذلك أن الرجل فعل شيئا مميزا، وقد شوهد واُعترف به أمام الجميع في القرية.
سيضمن له ذلك الوسام بسهولة قدح جعة مجانيا في حانة القرية - افتراض أنهم سُسمح لهم أصلا بزيارتها في أي وقت قريب. ومع تفكير تيسيب في المدة التي مضت منذ شرب بعض الجعة، تساءل كيف سيكون شعوره لو حصل على وسام هو الآخر. سرعان ما نطق البارون اسم حارس آخر سيحصل على الوسام نفسه، وتكرر الأمر ذاته مجددا مع هتاف الجميع له بصوت عال. حتى الحارستان الجديدتان - إيسومي وساكومي - كانتا تهتفان بصوت عال للحارس.
وبالنظر إلى جسديهما النحيلين مقارنة بالحراس الذكور، لا يزال تيسيب يشعر بعدم اليقين حيال كيفية قتال هاتين المرأتين ضد لصوص، لكنه يثق في البارون الآن، ويعرف أنه لا بد أن لديه خطة في ذهنه. وقبل طويل، حان وقت وسام الشجاعة للبارون - الذي وصفه السيد كيفاموس للحشد بأنه ثاني أفضل وسام يمكن منحه، لكنه يظل أعلى من النوع الأول من الأوسمة. تساءل تيسيب أيّ الأوسمة هو الأعلى نوعا، رغم أن البارون أخبرهم مسبقا أن ذلك الوسام لن يمنح اليوم.
عما قريب، نطق البارون اسم كالوبو - الحارس الذي ظُنّ أنه قُلِ من قِبل اللصوص في الماضي، لكنه عاد بشكل مفاجئ من الموت وساعدهم كثيرا بطرق شتى. بدا كالوبو كأنه لا يصدق أن اسمه قد نُطق، لذا اضطر حارس آخر لمنحه دفعة خفيفة على ظهره باتجاه المنصة. وبعد ذلك ذهب كالوبو وأخذ ذلك الوسام أيضا، وعاد مبتسما كضبع رصد ظبيا منعزلا. ثم حدق البارون في الحشد، وقال إن هذا سيكون الوسام الأخير الليلة.
حاول تيسيب تخمين من سيكون صاحب الحظ السعيد بنيل هذا الوسام، وكان تخمينه الأفضل هو هودان، نظرا لأنه كان الشخص الذي أخاف نوكوزال. وحينئذ وقعت عيناك البارون على عينيه ونطق اسم تيسيب بوصفه الشخص الذي سينال الوسام الأخير، فغدا عقله فارغا تماما. ماذا يحدث؟ هل نطق البارون اسمه حقا؟ لا، لا يمكن هذا! بالكاد فعل شيئا في المعركة! وكانت ثقته المفرطة هي ما كاد يؤدي إلى اختطاف أطفال التاجر من قبل اللصوص.
كيف يمكنه الحصول على وسام؟ ربما بدأ يأخذ غفوة وهو واقف، وهو يحلم يقظة الآن. نعم، لا بد أن هذا هو السبب! ثم بدأ الحراس الواقفون إلى جواره يهنئونه ويطبتون على ظهره مرارا. لكنه لم يكد يصدق ذلك. هل سيحصل على وسام حقا الليلة؟ إلى جانب المكافأة النقدية أيضا؟ أيمكن أن يحدث هذا حقا لشخص مثله؟ لقد تسمر في مكانه منذ برهة، لذا دفعته يوفيم التي كانت واقفة بجانبه دفعة خفيفة باتجاه المنصة، ثم فعل شخص آخر الشيء نفسه، وقبل أن يمر وقتا طويل كان تيسيب يصعد السلالم ويسير باتجاه السيد كيفاموس الذي لا يزال يبتسم له.
وحين حاول عقله استيعاب ما يدور، هنأه البارون، وعلق وسام الشجاعة للبارون حول رقبته. استطاع تيسيب سماع هتاف عال في مؤخرة عقله من الحشد ومن الحراس أيضا، لكنه لا يزال يكافح لاستيعاب هذا. ثم نظر إلى الحشد ووجد وجهي والديه يبتسمان له. رمش تيسيب. لا، لم يكن هذا حلما. لقد كان حقيقيا. قبل بضع أشهر فقط، لم يكن ليخيل إليه أبدا أن يوما كهذا سيأتي ليهتف فيه القرويون له. وأكثر من القرويين، كان حراس القصر المهيبون هم من يهتفون له!
ولكن الآن، أصبح هو الآخر حارسا للقصر، أليس كذلك؟ ابتسم وبعد أن استدار نحو الحشد، رفع يديه عاليا، وأطلق هتافا مدويا من الفرح، ليرد الحشد بهتاف أعلى! طبت البارون على ظهره، وعاد ماشيا باتجاه يوفيم والحراس الآخرين المنتظرين، والذين أحاطوا به وبدؤوا يطلبون رؤية الوسام بأنفسهم. وعندما حدق حوله، لاحظ أن إيسومي وساكومي كانتا تصفقان له أيضا! في الحقيقة، كان يعرف الأختين منذ سنوات من وقت عملهما خارج مناجم الفحم لنقل الفحم في سلال صغيرة من أكوام الفحم إلى العربات، لكنه بالكاد تحدث إليهما، نظرا لوجوده في عمق المناجم طوال الوقت تقريبا.
لكنهما الآن زميلتان - إنهما رفيقتان، ولسماعه الشابتين الجميلتين تصفقان له، بالكاد استطاع منع احمرار الخجل من الزحف إلى وجهه. فورا نظر إلى الآخرين ليشتت ذهنه، وبدأ يشكرهم على تهنئتهم. وعندها انتهى حفل التكريم، وبدأ الحشد في التفرق. وبغض النظر عن هؤلاء القرويين الذين بقوا من أجل وجبتهم المجانية، بدأ آخرون بالعودة إلى منازلهم، بعد يوم نادر من الترفيه لهم. وحين حدق في وسامه مليا، رأى أنه عبارة عن قطعة حديدية دائرية الشكل متصلة بقضيبين معدنيين نحيلين، مع وجود مساحة بينهما لشريط - والذي لم يكن سوى خيط أسمك في حالته - ليمر عبره.
على أحد الجانبين كتبت بضع كلمات باللغة المشتركة - رغم أنه لم يستطيع قراءة أي منها - وعلى الجانب الآخر نقرش رمزان. كان أحدها سيفا، لكنه لم يكن متأكدا من الشيء الآخر، الذي بدا أشبه بعصا طويلة أعرض بقليل في أحد طرفيها. لقد كان فضوليا بشأنه بالتأكيد، لكنه هز كتفيه الآن. سيسأل أحدا عنه لاحقا. التفت عائدا نحو بوابات القصر وفكر أنه ورغم عدم حصوله على المكافأة النقدية الآن، إلا أنه لا يمكنه الانتظار لذلك اليوم!
أجرة ثلاثة أشهر مكافأة؟ والآن بعد أن تقاضى أبوه أجرا جيدا أيضا بعد أن أصبح رئيس عمال، لم يعد بحاجة لإعالة والديه بعد الآن. ماذا سيصنع بكل هذه النقود أصلا؟ أجر ثلاثة أشهر سيكون... أكثر من عشر قطع ذهبية! لقد كان هذا... مالا كثيرا! ثم فكر في أخته الوحيدة التي تعيش في سينران. نعم، عليه شراء شيء جيد لإيسوها في المرة القادمة التي يزورها فيها. لقد ذكرت المرة الماضية أن وضع الطعام يتفاقم سوءا هناك، لذا ربما، كنوع من التغيير، يستطيع اصطحَابها إلى أحد المطاعم الفاخرة في البلدة حيث يقدمون مختلف أطباق اللحوم والفطائر حلوة المذاق كل يوم!
ربما مكانا يأكل فيه التجار الأثرياء وحتى بعض النبلاء الصغار. لن يكون رخيصا بالتأكيد، لكنه يستطيع البذخ من أجل وجبة واحدة، أليس كذلك؟ أطلق شخير خفيف. ها هو يغرق في أحلام اليقظة مجددا. وحتى مع الوضع المحسن كثيرا للقرية، لم تكن عائلته في وضع يسمح لها بتبديد المال هكذا، إذ سُرق كل ادخارهم من قبل اللصوص في الغارة السابقة. لذا لم يستطيع إبدار مال المكافأة هكذا. أومأ لنفسه برأسه، بينما كان يشكر حارسا آخر يهنئه.
بصرف النظر عن الاحتفاظ بجزء صغير من المكافأة لدفع الحساب عندما يطلب منه الحراس في النهاية الدفع مقابل جعتهم احتفالا - أيا كان وقت حدوثه - فسيمنح باقي ذلك المال لإيسوها حين يزور سينران، لكي يكون مفيدا لها على الأقل لشراء الطعام في حال تعذر على صاحب المتجر دفع أي أجور لها لفترة من الوقت. فكر في كمية الذهب التي سيحصل عليها مستقبلا. لقد كانت أجر ثلاثة أشهر لحارس قصر - والتي كانت أعلى حتى من أجر العامل العادي - لذا حتى مع الأسعار الأعلى لكل شيء في البلدات والمدن الأكبر، ينبغي أن تستطيع مع ذلك تحمل تكاليف المعيشة لشهر على الأقل في سينران بذلك المال، وربما لشهرين أيضا.
نعم، كانت تلك فكرة أفضل بكثير من تناول وجبة نبيل ليوم واحد، ثم العجز عن تحمل تكاليف الطعام لاحقا. لم يرد حتى تخيل ما كان يتعين على الكثير من الناس، ولا سيما النساء، فعله لكسب حتى وجبة واحدة في البلدات الكبيرة مثل سينران هذه الأيام. لذا كان ممتنا للغاية للإلهة لأن إيسوها وجدت عملا شريفا هناك على الأقل. نعم، عزز ذلك تصميمه على منحها مال المكافأة، لكي لا تضطر حتى للتفكير في أمور كهذه لشراء الطعام إن ساءت الأمور هناك.
لكنه لا يزال يتمنى لو أنها تأتي ببساطة إلى تيرانات كي لا يضطر للقلق بشأنها باستمرار. ورغم أن هذا كان خارج سيطرته، إلا أنه سيحاول إقناعها بذلك مجددا حين يلقاها في المرة القادمة. ومع ذلك، كان كل ذلك لما بعد الشتاء، إذ لن يحصل على تلك النقود إلا بعد انقضاء الشتاء وبدئهم في بيع الفحم مجددا، ولم يستطيع السفر إلى سينران قبل ذلك على أي حال. أما الآن، فكان سيستمتع بهذه المناسبة النادرة.
وربما، إن سمح قائد الحراس، سيشتري الليلة قدح جعة للآخرين احتفالا! فجأة، أدرك أنه في خضم صخب حفل التكريم، نسي أمر الألم في ساقه. ها! لم يظن أنه سيستطيع التخلص من ذلك الألم لأسابيع، لكنه حدث مع ذلك - حتى وإن كان لوقت قصير - وقد حصل على وسام أيضا. وسيحصل على أجور إضافية مكافأة كذلك! لذا وكما تبين، كان اليوم يوما جيدا، بعد كل شيء!