ابتسم كيفاموس.
"بالطبع، لقد استحققت أكثر من معروف بإمدادنا بالمعلومات عن الغارة في الوقت المناسب ومساعدتنا على قتل قطاع الطرق. قل لي، ماذا تريد؟ أهي قطاع نقدية؟ أم ربما طعام جيد؟ سأحاول تلبية طلبك طالما كان معقولاً".
رد كالوبو متممتاً: "الأمر... ليس هذا. لا أوريد قطعاً نقدية أو أي مكافأة لنفسي. لكن..."
أخذ نفساً عميقاً مجدداً.
"نحارو الحجارة، العبيد الآخرون الذين عملوا في تلك المحجرة معي، ليسوا في حال جيدة بالكاد قدم لنا قطاع الطرق أي طعام، إذ قال نوكوزال إنه لا يستطيع تحمل تكلفة شراء المزيد من القمح في ظل الأسعار المرتفعة الآن، والطرائد القليلة النادرة التي اصطادوها هناك ذهبت غالبيتها لقطاع الطرق، ولم ينل نحارو الحجارة سوى الفتات".
أومأ كيفاموس تفهماً. في الساعات المحمومة بعد الغارة البارحة، كان قد نسي تلك المحجرة وأولئك البشر الذين ما زالوا يعيشون هناك. ومع حلول الشتاء بالفعل، ومع بالكاد أي شيء للأكل... هز رأسه ببطء. كان يعلم مسبقاً أن هذا العالم مكان قاس، ومن الصعوبة بمكان أن ينجو العوام هنا، ناهيك عن أولئك المستعبدين. لكن ما عليه فعله حيال الأمر حتى؟
تابع كالوبو: "تسببت عاصفة رعدية قبل شهرين في حدوث فيضان بالمحجرة، ومنذ ذلك الحين صار الجميع يعيشون في أكواخ مؤقتة هناك، وهي أبعد ما تكون عن كفايتهم لحمايتهم حتى من الطقس المعتدل لأواخر الخريف".
بدت في عينيه نظرة شاردة، وقد شرعتا تدمعان قليلاً.
"وعندما يبدأ تساقط الثلوج هناك، لن ينجو معظمهم من الشتاء...".
نظر كالوبو مباشرة إلى كيفاموس، وانحنى بعمق.
"يا سيّدي، أرجوك أن تنقذ هؤلاء البشر بمنحهم بعض الطعام. لدي أصدقاء هناك، بشر اهتموا بي حين ضربني قطاع الطرق مراراً وتكراراً. إن لم يحصلوا على شيء يأكلونه قريباً، فلن أتمكن أبداً من رؤيتهم مرة أخرى".
وأضاف بصوت يغمره التأثر: "أرجوك لا تدعهم يموتون...".
أخذ كيفاموس نفساً عميقاً وهو يفكر في الأمر.
"كالوبو، لقد كنت بعيداً عن القرية لفترة، لكنك تعلم بالفعل الوضع الحالي للقرية. بالكاد تملك تيرانات طعاماً مخزناً يكفينا لننجو من الشتاء. لست متأكداً مما إذا كان بمقدورنا تحمل تكلفة إطعام المزيد من البشر".
انحنى كالوبو انحناءة أعمق، وتحدث والدموع تتساقط من عينيه.
"لكنهم بشر أيضاً، يا سيّدي! إنهم لا يستحقون الموت جوعاً وبرداً في تلك المحجرة المقفرة. اسمح لي فحسب بأن أخذ كيسين من القمح إلى المحجرة. لا، بل إن كيس قمح واحداً سيكون كافياً! أعلم أن تيرانات بالكاد تحتمل الأمر، لكني رأيت القوافل المليئة بالحبوب قادمة من سينران".
وقف مستقيماً وعيناه ما زالتا دامعتين، وتابع: "أرجوك يا سيّدي. امنحني كيسًا واحدًا فقط، وسأبقى مدينًا لك بحياتي. وسأقوم... سأقوم بالدفع ثمنًا له حتى. ساقترض المال من الحراس الآخرين وبعض الأصدقاء في القرية، وسأسدد لك ثمن كيس القمح ذاك. لذا أرجوك امنحني هذه المنحة!"
تحدث بصوت عال، والدموع تنساب بغزارة الآن: "أرجوك يا سيّدي! أرجوك..."
ومن ثم انخرط علانية في نحيج وانحنى مجددًا. كان كيفاموس يشعر بالفعل بالضيق بعد معرفة ما يجر بحال البشر في تلك المحجرة، لكن رؤية المشهد أمامه مع كالوبو وهو يتوسل إليه لإنقاذ حياتهم... كان يمزق نياط قلبه. وهذا الحرس الذي عانى الكثير بالفعل، مستعد للاقتراض من أجل إطعام هذا العدد من البشر، رغم أنه لا يستطيع تحمل التكلفة، أسيظل كيفاموس مكتوف الأيدي يراقب فقط؟ ولم يكن الحارس يطلب شيئًا لنفسه قط.
بل أراد منه فقط إنقاذ حياة الآخرين. رغم أن... ألا يحتمل أن يكون كالوبو يكذب في كل شيء ويريد فقط الفرار بذلك الكيس من القمح لنفسه، ألا يمكن ذلك؟ حين نظر في عيني الحارس السابق، أدرك أنه لا، لم يكن الأمر هكذا. لم تحمل عينا كالوبو سوى الحقيقة. أخذ كيفاموس نفساً عميقاً، مفكراً في المحجرة. أكان عاجزاً حقاً عن فعل شيء تجاه نحاري الحجارة، وهو يعلم ما ستؤول إليه مصائرهم في أيام الشتاء القاسية؟
أسيقوى على النظر في وجه نفسه لو مات أولئك النحارون جوعاً، إن علم أنه كان بإمكانه إنقاذ أولئك البشر؟ زفر ونظر إلى الحارس السابق.
"يمكنك النهوض الآن، يا كالوبو. علي مناقشة الأمر مع الآخرين. سأعلمك بقراري عما قريب. في الوقت الحالي، عليك الذهاب وتناول شيء من مطبخ قاعة الخدم. أنت بحاجة إلى ذلك الطعام".
وقف كالوبو بشكل أقيم ومسح عينيه بكميه المتسخين والمتمزقين. نظر في عيني كيفاموس.
"كيف لي أن أتذوق طعاماً، يا سيّدي، وأنا أعلم أن هيولا والآخرين يتضورون جوعاً هناك؟"
أثبت هذا الأمر صحة كلامه. لم يعد لدى كيفاموس أي شكوك الآن حيال كالوبو أو أي جزء من قصته. لم يكن هذا شخصاً يحاول استغلال القرية أو أي شخص آخر.
سأل كيفاموس: "لا يمكنك إنقاذهم إلا إن امتلكت الطاقة الكافية لإنقاذ نفسك، أليس كذلك؟ حتى لو منحتك كيس حبوب، ماذا لو أغمي عليك من الجوع في الطريق لأنك لم تأكل شيئاً؟ لذا امضِ وخذ طعاماً تأكله أولاً".
نظر إلى المرتزق السابق.
"فروي، خذه إلى قاعة الخدم واحرص على أن يأكل شيئاً".
أومأ فروي تفهماً، وأمسك كالوبو بأحد ذراعيه وبدأ يمشي ببطء نحوه باتجاه الباب الخارجي.
* * *
قال دوفاس بانفعال: "لا يمكنك إنقاذ الجميع، يا سيّدي! ببساطة لا يمكنك! هذه المملكة أكبر من ذلك بكثير، وأنت لست سوى بارون، مع كامل الاحترام. وخزانتك فارغة بالفعل، حتى من دون إطعام المزيد من البشر!"
رد كيفاموس: "أعلم أن المال مهم، لكن حياة البشر أهم بكثير! وعلى أي حال، أنا لا أحاول إنقاذ الجميع. إنهم مجرد عشرات قليلة من العبيد الذين لا يملك من يرعاهم".
أطلق دوفاس سخريته: "أجل، إنهم عبيد، لكنهم ليسوا عبيدك. أياً كان من اشتراهم فهو المسؤول الوحيد عنهم".
سخر كيفاموس: "حقاً. إذن ينبغي علينا انتظار سيدهم العبد نوكوزال ليصل إلى المحجرة إذن. بعد أن فشلت غارته، لا بد أنه اشترى بضعة أكياس حبوب من سينران ليقيم وليمة لنحاري الحجارة، أليس كذلك؟"
رفع دوفاس كلتا يديه باحباط.
"لا، لكن أولئك ليسوا حتى من رعاياك! إنهم يعيشون على أرض البارون زوريكوس! أعلم أن نوكوزال لن يُطعمهم، ولكن حتى مع ذلك تقع المسؤولية على عاتق البارون زوريكوس، لا أنت! بالكاد نتحمل تكلفة إطعام القرية، وتريد جلب أفواه إضافية لتُطعمها؟"
عارضه كيفاموس: "أجل، العبيد يعيشون بالفعل على أرض ذلك الزوريكوس، لكن قل لي، كم منهم يعيش هناك طوعاً؟ لا أحد! لقد اقتادهم قطاع الطرق الذين يطعمونهم الفتات وينوون استخدامهم كحيوانات عمل حتى يموتوا، وبعدها يشترون عبيداً آخرين بسرخص ثمن".
وتابع: "وما إطعام قطاع الطرق لهم بالفتات ليكون هو الحال إلا لو نجحوا في الإغارة على قريتنا واصطحبوا بعض الحبوب معهم، لكن الغارة لم تسر بالطبع بالطريقة التي أرادها نوكوزال، أليس كذلك؟ فماذا تعتقد إذن سيحل بالعبيد في الشتاء مع تكاد يكون انعدام الطعام؟ هذا إن نجوا من برد الشتاء أصلاً، وهو أمر بعيد المنال".
قبل أن يرد دوفاس بأي شيء، أبدى جورسازو رأيه كذلك.
"أخبرني فروي مسبقاً بأن من المعتاد أن يسرق قطاع الطرق والمرتزقة العبيد من الآخرين. ونحن نعلم أن جماعة نوكوزال ليست كبيرة بما يكفي الآن لمنع سرقة عبيدهم من قبل جماعة أخرى".
سأل كيفاموس كبير الخدم: "أسمعت ذلك؟ وإذا قامت عصابة قطاع طرق أكبر مثل جماعة تورهان بأخذ أولئك العبيد، فقد لا يرون النور أبداً. سيموت الكثير منهم في تلك الرحلة نفسها، بينما لن يصمد آخرون طوال الشتاء".
فروي، الذي عاد بعد أن أخذ كالوبو إلى قاعة الخدم، كان جالسًا بصمت طوال نقاشهم حتى الآن، لكنه تكلم هو الآخر.
"من المحتمل أيضاً أنه حين يرى نوكوزال أنه لا يستطيع الاحتفاظ بعبيده لنفسه، فسيعمد إلى قتلهم فحسب بدلاً من أن يدع شخصاً آخر يأخذهم منه".
أسكت ذلك الجميع فوراً، بما في ذلك دوفاس الذي كان على وشك قول شيء آخر. بعد أن أخذ لحظة لاستيعاب تلك الأنباء، سأل كيفاموس المرتزق السابق.
"هذا... أمر غير إنساني. أحدث هذا حقاً؟ أيعمد نوكوزال حقاً إلى قتل أولئك العبيد بدم بارد لمجرد أنه لا يستطيع الاحتفاظ بهم لنفسه؟"
أومأ فروي.
"لقد رأيت ذلك يحدث بنفسي حتى. في الماضي، حين كنت مع جماعة من المرتزقة، ذهبوا للإغارة على مخبأ جماعة أخرى، وحين رأى زعيم تلك الجماعة أنه لن ينتصر، أقدم فوراً على قتل العبدين اللذين كان يملكهما، بما في ذلك امرأة، لئلا يمتلك أولئك العبيد أحد سواه".
وأضاف المرتزق: "بالطبع، أنا لا أعرف نوكوزال شخصياً، ولكن مما سمعته عنه من كالوبو وسيجكيل، لن يتخلف زعيم قطاع الطرق عن فعل شيء كهذا ولا للحظة واحدة".
عم الصمت الجميع لفترة بعد ذلك. بعد برهة، نظر كيفاموس في وجوه الجميع، وشرع يتحدث.
"لقد اتخذت قراري، وهو نهائي".
في تلك اللحظة ذاتها، انفتح الباب الخارجي لقاعة القصر ودخل هودان وخلفه كالوبو.
أشار قائد الحراس بإبهامه نحو الحارس السابق: "وجدته ينتظر خارج الباب. أخبرني بأنه أكل ما يكفي لذا فهو يريد سماع قرارك الآن".
سأل هودان بفضول: "عن ماذا يتحدث الأمر؟"
أشار كيفاموس لهما بأن يجلسوا هم أيضاً.
"من الجيد وجودكم جميعا هنا الآن. كنت سأستدعي كلاكما على أي حال".