من لندن إلى اللورد الفصل 138 — التداعيات - الجزء الثاني

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 138 — التداعيات - الجزء الثاني باللغة العربية على مانجا تايم.

ما إن نهض حتّى انفتح الباب الخارجيّ ودخل فيروي. لم يبدُ على المرتزق السَّابق أيّ أثر للإرهاق، بخلاف قائد الحرس الذي خاض معركةً حقيقيّةً وبدَت على جسمه وملابسه بضع خدوش، وربّما يعود ذلك لاقتصار مهمّته على انتظار الدفاع عن القصر من أيّ هجوم. تسرّب لوسيم أيضاً إلى قاعة القصر ليستمع إليهم، ربّما لملله من انتظار وجبة خفيفة متأخّرة في المطبخ.

قال هودان وهو يعود إلى مقعده ناظراً إلى المرتزق السَّابق: "اذكر الفيسوريون..."

وأردف: "فيحضُر."

سخَر فيروي وهو يجلس في مقعد وثير فارغ: "أنا بالكاد بحجم الفيسوريون، أتعلم؟"

سأل كيفاموس بتبلبل: "مهلاً... بالكاد بحجم ماذا؟"

أجاب دوڤاس: "آه... يقصد الفيسوريون. ربّما لم تسمع به شمال أولريجا، لكنّه كائن خطير يعيش في الأراضي القاحلة جنوب سلسلة جبال نيسادور."

وأوضح قائلًا: "إنّه ضخم — بقامة إنسان كامل النموّ تقريباً — وربّما يعرض ذلك مرّتين، ناهيك عن مخالبه الضخمة."

وأضاف دوڤاس: "لا صحّة تذكر لهذه المقولات غالباً، لكنّ الأساطير تقول إنّك إن ذكرت الفيسوريون أثناء سفرك في تلك المنطقة، فسيزورك قريباً ليقتلك ويأكل جثّتك."

بدا الرّعب على لوسيم إثر سماع ذلك، فركض فـوراً باتجاه المطبخ.

لوّح الوكيل بيده مبدداً نظرة كيفاموس القلقة، وأردف بابتسامة ماكرة: "أنا واثق من عدم صحّة الأمر برمّته يا سيّدي. عجوزمثلي يذكر الكثير من الخرافات والأساطير لا أكثر."

إذن كان الأمر أشبه بسلطعون بحجم سيّارة يفترس المسافرين في تلك الأرض القاحلة، هكذا فكّر كيفاموس. كم عدد الوحوش الخطيرة التي يزخر بها هذا العالم يا ترى؟ هزّ رأسه بحنق. لم يُفترض به أن يُنقل إلى العصر الجوراسيّ لهذا الكوكب، أليس كذلك؟

تمتم كيفاموس: "نعم، دعنا لا نناقش... ذلك الفيسوريون، أفقنا؟"

ثم رمق المرتزق السَّابق بنظرة.

وأردف: "وأين كنت أنت؟"

أجاب فيروي بوجه جادّ: "أنا هنا في الواقع حاملاً خبراً مهمّاً يا سيّدي"، مع أنّ وجهه بدا كمن ضحك مطوّلاً قبل قليل.

وأضاف فيروي: "كنت أتحدث إلى بقية الحرس لأرتّب لهم جدول مناوبة جديداً لهذه الليلة، لضمان عدم عودة أولئك اللصوص الهاربين في جنح الليل، أتعلم؟ ثم جاء حارس كان يطوف في القرية جادّاً ليخبرني بأنّ أحد اللصوص الذين ظننّاهم فرّوا لا يزال هنا، وحيّاً يرزق."

سخَر قبل أن يتابع: "حسنٌ... حيّ إلى حدّ ما."

سأل كيفاموس بتبلبل: "ماذا تقصد بحقّ الجحيم؟"

أجاب فيروي بسخرية: "حسنٌ، لا أزال أنتظر الحرس ليحضورا ذلك اللّصوص إلى هنا حتّى أستجوبه، لكنني أعتقد أن الأمر لن يكون بالغ الصّعوبة الآن، سيّما بعد ما قاساه ذلك اللصّ."

وأضاف: "تساءلت قبل قليل عن سبب بقاء اللصّ حيّاً وعدم محاولته الفرار، لكنّ القصة التي رواها لي الحارس طريفة بقدر ما هي مثيرة للاهتمام."

تذمّر هودان: "هيا! اقصصها علينا وفحسب!"

أطلق فيروي ضحكة سريعة، ثم شرع في الشرح.

"كان يجدر بك سماع تلك القصّة مباشرة من الحارس الذي نقلها إليّ، فقد عجزت عن التوقف عن الضحك مطوّلاً بعدها!"

وتابع: "سارت الأمور هكذا. أثناء الإغارة قَبْلُ، وحين تفرّق اللّصوص في القرية لنهب الحبوب والنقود، صادف أن عثر أحدهم على دكان حدّاد القرية."

سخّر فيروي مكملاً: "لابدّ أنه ظنّ أنّه ظفر بخزينة الدوق بعد رؤيته لكلّ تلك الأسلحة والأدوات الحديديّة جاهزة للأخذ، أتعلم؟ إذ لم يَرَ سوى فتاة شابة هزيلة في الدكان لتدافع عنه."

واسترسل فيروي في سرد القصّة: "لذا لم يستغرق اللصّ وقتاً طويلًا لجمع كلّ الأدوات والأسلحة الجاهزة للاستخدام في كيس، وحين انتهى، ألقى نظرة أخرى على الشابّة — التي وُصفت لي بأنّها أجمل من معظم النساء — وحدثته نفسه لم لا يصحبها معه أيضاً، فنوكوزال — زعيم اللّصوص — أراد حقّاً جلب بعض العبيد الجدد من تيرانات. لذا شرع في جرّها بعيداً عن الدّكان، لكنّ المرأة لم تستسلم بهدوء بالطبع."

وحينئذٍ اتجه بصر فيروي نحو إبريق الماء المنتظر على الطاولة، فتناوله مسرعاً وشرع يشرب منه.

سأل كيفاموس مندمجاً في القصة الآن: "وماذا حدث بعد ذلك؟"

أطلق فيروي تنهيدة رضا وأعاد الإبريق الخشبيّ الفارغ إلى الطاولة.

وابتسم وهو يضيف: "الحدّاد مالك ذلك الدّكان، سيدورون — ذلك الرجل الذي بُني بجسد أديز ملعون بصفة ملك — سمع صرخات استغاثتها، فعاد راكضاً فـوراً من حيث ذهب لمساعدة بقية القرويين القريبين. وحين عاين مشهد اللّص وهو يجرّ الفتاة الشابة — استشاط غضباً لدرجة أنّه رغم إمساك اللّص بسيف مجرّد، التقط الحدّاد عصا خشبيّة من الأرض وشرع في إشباع اللّص ضرباً — بوحشيّة."

عقد جورسازو حاجبيه وسأل: "ألم يكن اللّص حاملاً لسيف بعد؟"

أصدار فيرو صخباً.

قال: "فعل بالتأكيد، وإن لم ينفعه ذلك شيئاً يسيراً".

وتابع بعد ضحكة سريعة: "لا أستطيع أن أنكر أنه لا يوجد سوى هودان من ينافس الحداد في بنيته، ولكن مع ذلك، كان اللص يملك سيفاً! كيف له أن يخسر بهذه السهولة!".

ضحك المرتزقة السابق وصفق على فخذه بصوت مرتفع وأضاف: "يعني... أعني... كان الحداد يمسك بعصا فحسب، بينما حمل اللص سيفاً! لكن يا رجل، الطريقة التي أشبعه بها سيدورن ضرباً بعصا وحدها..."

وفوراً، استغرق فيرو في القهقهة على قصته. ولم يستطع البقِيّة إلا أن يضحكوا هم أيضاً بعد سماع القصة.

ضحك هودان بخفة وقال: "يا له من لص مسكين... أراهن أنه لن يستطيع النظر في وجه أحد لفترة".

وبعد حين، عندما هدأ فيرو من نوبات ضحكه المتكررة، استطرد: "لقد جاء بعض القرويين الآخرين إلى هناك أيضاً بعد سماع صرخات المرأة طلباً للمساعدة، ولكن كما يمكنك أن تتوقع، لم يحتاجوا حقاً لمساعدة الحداد البتّة".

وأضاف مصدراً صخباً: "وانتهت المعركة عندما رأى الرجل يغلي غضباً، فتخلى اللص عن سيفه وألقى به جانباً، لكن ذلك لم يردع سيدورن إطلاقاً! كلا، يا سيدي. لقد بلغ به الغضَب من تهديد أحدهم لتلك الفتاة مداه حتى ظل ينهال بالضرب على اللص بتلك العصا حتى انكسرت نصفين! ثم قيّد ذلك اللص، وكان على وشك البدء بلكمه بغضب — ولكمات ذلك الرجل تحمل قوة هائلة، أؤكد لك ذلك — غير أن بقية القرويين منعوه بطريقة ما، وأقنعوه بتسليمه إلينا".

أطلق هودان ضحكة أخرى.

"الآن أدرك لمَ بدوتَ مستمتعاً إلى هذا الحد حين دخلت. أقصد... إشباع لص يحمل سيفاً ضرباً بعصا خشبية وحدها!".

بدأ قائد الحراس بالضحك مجدداً، ولم يملك الجميع إلا أن يشاركوهم الضحك مرة أخرى. وبينما مسح كيفاموس عينيه اللتين اغرورقتا بالدموع من كثرة الضحك، أدرك أن شعور الضحك كان رائعاً حقاً، إذ إنه لم يعد يتذكر متى كانت المرة الأخيرة التي فعل فيها ذلك في هذا العالم. وكان أمراً جيداً أيضاً لصرف أذهان الجميع عن غارة اللصوص لدقائق معدودة على الأقل. وفجأة، تذكر من تكون تلك الشابة.

"ألم تكن ليا هي اسم تلك الشابة — التي تعمل إحدى خادماتنا أيضاً؟".

أومأ فيرو.

"أظن ذلك، لكني دهشت جداً لقصة المعركة حين كان ذلك الحارس يصفها لي لدرجة أني نسيت السؤال عن الأمر".

وبعد لحظة، أضاف: "هناك أخبار جيدة أيضاً. لقد حصلنا على ثلاثة خيول إضافية. ربطها اللصوص بالقرب من مكان اختبائهم ليتمكنوا من الهرب عليها بعد الغارة. لذا عاد كالوبو وعدد من الحراس الآخرين إليها فوجدوا تلك الخيول بالقرب وجلبوها لنا".

هتف دوفاس: "oh، هذا رائع! سيساعدنا كثيراً عندما نبدأ الزراعة بعد الشتاء".

أومأ كيفاموس بدوره. ورغم أن تلك الخيول لن تكون مفيدة كالمحراث الحديث للزراعة بالطبع، فإن كل نزر يسير سيساعدهم في ضمان توفير ما يكفي طعام القرية في العام القادم. وأخيراً، نهض فيرو من مقعده.

"لا بد أن الحراس قد أتوا بهذا اللص الآن. ينبغي أن أذهب لاستجوابه".

قال كيفاموس: "حسناً. لكن لا تنسَ أن السيدة هولغا تحضر لنا طعاماً لنأكله".

أجاب فيرو بصخب: "ليست لدي شهية حقيقية الآن بعد كل هذا الضحك، ربما لاحقاً. على أي حال، سأعود قريباً بكل ما يعرفه اللص. سيساعد ذلك أيضاً في تأكيد ما أخبرنا به كالوبو".

ثم أومأ برأسه وغادر القاعة.

* * *

بعد فترة، عندما أنهى كيفاموس يخنة هولغا التي أعدتها لهم، إلى جانب بعض الخبز المتبقي من الوليمة السابقة، أراد معرفة الوقت. كان يعلم أنه تجاوز منتصف الليل قطعاً، لكن لم تكن هناك وسيلة لمعرفة الوقت بدقة أكبر هنا، ليس في الليل على أي حال.

الأب إدريك وأتباعه... أم أُطلق عليهم لقب المبتدئين؟ لم يكن متأكداً، لكن على أي حال، كان معبد الملكة المحلي يدق أجراس الساعات في النهار بانتظام بحيث يمكن سماعها بوضوح في أنحاء القرية كافة، وقد نجح ذلك تماماً لمعرفة الوقت نهاراً. لكن سيكون من المفيد حقاً أن تتوفر وسيلة لمعرفة الوقت بدقة — أو قريباً من الدقة — حتى في الليل. أيمكنه فعل شيء حيال ذلك؟ أو ربما كانت هناك وسيلة بالفعل لمعرفة الوقت ليلاً داخل المعبد، غير أن الكاهن العجوز لم يكن يدق الأجراس ليلاً لكيلا يزعج نوم القرويين؟

كان عليه زيارة المعبد قريباً لمعرفة ذلك. وبينما كان يفكر في حساب الزمن في العصور الوسطى، فتح باب القاعة الخارجي للقصر وعاد فيرو للداخل.

نظر المرتزقة السابق إلى أطباق أولئك الذين ما زالوا يلوكون الطعام وبادر بالقول فوراً: "السيدة هولغا، أود بعضاً من تلك اليخنة الآن إن كان قد بقي منها شيء".

ضحكت هولغا وقالت: "بالطبع بقي منها. امنحني لحظة واحدة فقط وسأقوم بتسخينها لك".

أومأ فيرو امتناناً وجلس هو الآخر.

سأل كيفاموس: "إذن ماذا اكتشفت؟".