~ تسيب ~ ~ مكان ما في قرية تيرانات ~
كان تيسيب يركض منذ فترة، لكنه لم يشعر بأي تعب. بل على العكس، لم يشعر قط بمثل هذه الحيوية في حياته. كانت هذه المرة الأولى التي يُتاح له فيها استخدام مهاراته الجديدة في المبارزة بالسيف، وقد استمتع بكل لحظة فيها! ابتسم بخبث وهو يفكر في يوفيم الذي لا بد أنه يتذمر لبقائه محبوساً داخل القصر، وعجزه عن قتال أي قطاع طرق. حسناً، هذا جزاء من يختار أن يصبح رامياً بدل أن يكون سيافاً عظيماً مثله!
بعد الانفصال عن البقية، تمكن هو والحارس الآخر من قتل أحد قطاع الطرق بالفعل. ورغم أن الحارس الآخر هو من وجه الضربة القاضية، إلا أن تيسيب أسهم بأكثر من نصيبه العادل في المعركة. والحق يققال، كانت تلك المعركة سهلة. وربما، سهلة أكثر مما ينبغي. لكن الصحيح أيضاً أن قطاع الطرق كان وحيداً، فحظيا بمفضلية العدد، وحتى في تلك الحالة، استطاعا مباغتة القاطع الذي كان يحتجز امرأة رهينة بينما يحضر زوجها كل غلّته ونقوده إليه.
وقد أدى ذلك إلى تمكن الحارس الآخر من جرح ذراع قطاع الطرق جرحاً بليغاً في ضربته الأولى — ذراعه المبارزة — ولم يستغرق الأمر طويلاً للإجهاز عليه بعد ذلك. والآن، كانا يركضان مجدداً لمعرفة إن كان هناك قاطع طريق آخر في الجوار. ولم يعد تيسيب يطيق الانتظار! لم يتخيل قط أنه سيقول شيئاً كالتالي قبل أن يصبح حارساً، لكن، وكما تبين، كان يعشق القتال! قبل تجنيده، كل ما فعله ومما يمكن عده قتالاً هو فض بعض الشجار بين عمال الفحم الآخرين في حانة الحانة.
ظل طوال عمره أضخم من أغلب عمال المناجم، وساعده ذلك كثيراً في حياته. لكن تبيّن أيضاً أن لديه موهبة في القتال بالسيف، بل إنه هزم بعض الحراس في مبارزاتهم الوهمية! وبرهن ذلك على أنه بارع جداً في استخدام السيف بالفعل! فجأة، سمعا صوت صراخ امرأة بذعر من مكان قريب. نظر إليه الحارس الآخر، فأومأ برأسه موافقاً بسرعة، قبل أن يغيرا اتجاههما ويبدآ الركض بأقصى سرعة نحو الصوت. مع علمه بأن هذا الوقت غير مناسب البداية لأهل القرية — كصاحبة الصوت الذي سمعه — إلا أن تيسيب لم يطيق صبراً لخوض القتال مجدداً!
لم يستطع منع ابتسامته، إذ أدرك أن القتال القادم لن يكون صعباً للغاية على أي حال، فهو سياف خبير الآن. وقد أثبت النصر السابق على ذلك القاطع هذا الأمر! بعد قليل، انعطفا عند زاوية ولم يستغرق الأمر سوى ومضة ليتبين تيسيب ما يجرى. كان هناك قاطعا طرق هنا — أحدهما ضخم الجثة بحق — يهددان عائلة كبيرة، وقد وصل في اللحظة التي كان فيها ذلك القاطع على وشك توجيه ضربة نازلة لشاب — ربما لا يزال صبياً، إذ بدا في نحو السادسة عشرة من عمره أو ما شابه — بينما كان يحاول بشجاعة حماية طفلتين تختبئان خلفه.
أثار هذا المشهد غضبه الشديد، فانطلق بصيحة نحو قطاع الطرق، محاولاً طعنه بسيفه. تفاجأ القاطع لأهله برهة، لكنه استعاد توازنه بسهولة، وحرف سيفه عن محاولة قتل ذلك الصبي ليدفع عن نفسه، فاصطدم سيفاهما بجلجلة مدوية. استغل تيسيب مباغتته للرجل الضخم، وهوى بسيفه نحوه مجدداً بسرعة. ومرة أخرى، اضطر القاطع إلى التخبط دفاعاً عن نفسه، متراجعاً خطوة للخلف أثناء ذلك. ابتسم من جديد.
سيبدو الأمر سهلاً كما ظن تماماً! أخذ ومضة ليتلفت حوله سريعاً، فرأى أن الحارس الآخر قد اشتبك بالفعل مع القاطع الثاني — الذي أسقط كيسًا كان يحمله — وكانا يتبادلان الضربات السريعة أيضاً، ويرن صوت سيوفهما بقوة في جو الليل. أما بقية الناس فقد تجمعوا في جانب واحد، بجانب كوخ أحد القرويين — حيث سقط رجل طاعن في السن على الأرض. لعله لم يموت، لكنه لم يستطع الجزم بيقين. بخلاف الصبي الذي كان يحمي الفتيات، كان هناك صبيان آخران أصغر سناً بكثير يبكيان بمرارة من الخوف، بينما كانت امرأة مسنة — ربما أمهما — تضمهما إليها بقوة.
راوده شعور لوهلة بأنه ينبغي له معرفة الرجل الساقط على الأرض، لكنه رمش بعينيه واتجه بنظره نحو القاطع المرتفع. والآن، الأهم على الإطلاق هو قتل هذا اللقيط. بثقة متزايدة، سحب سيفه إلى الوراء وطعن باتجاه الرجل الضخم مجدداً، لكن القاطع كان هذه المرة مستعداً له كل الاستعداد، فأزاح سيفه بسهولة ورد الضربة إليه بلمح البصر. كاد تيسيب يعجز عن منع ذلك السيف من الإطاحة برأسه لولا أنه اعترض طريقه بسيفه، لكن تلك الضربة هزت ذراعيه بقوة جعلت سيفه يكاد يسقط من كفّه — هكذا كانت شدة القوة الكامنة خلف ضربة القاطع.
التقط نفساً سريعاً، فأعاد سيفه أمامه مرة أخرى، وبدأ يدور ببطء حول القاطع الذي كان مستعداً بسيفه هو الآخر، لكنه بدا أكثر ثقة بكثير الآن. جعله ذلك يعبس. لمَ يبدو القاطع واثقاً إلى هذا الحد الآن؟ ألم يستطع تبين مهارة تيسيب في المبارزة من تلك الضربات القليلة؟ لابد أنه يعلم أنه لن ينجو طويلاً، أليس كذلك؟ أم أن القاطع كان مقاتلاً أبرع منه؟ لا، لم يكن ذلك ممكناً. سخّر تيسيب من الفكرة.
هذا قاطع طرق — يعيش في الغابة كالحيوانات! ليس الأمر كأن القاطع تلقى تدريباً كفارس كونت! إنه يقلق بلا داعٍ. هز رأسه سريعاً لطرد تلك الأفكار الغريبة، فركّز انتباهه مجدداً على الرجل الضخم أمامه. وفي اللحظة ذاتها التي خطا فيها كلاهما الخطوة التالية أثناء الدوران حول بعضهما، اندفع تيسيب إلى الأمام بسرعة مسدداً سيفه نحو رقبة القاطع، آملاً وضع حد لحياته سريعاً. لكن القاطع سخر، وأزاح سيفه إلى الجانب بنصله بسهولة، ثم هوى طاعناً نحو صدره.
انحنى تيسيب إلى الخلف فوراً ليحمي نفسه — فكأن سيفه كشط درعه الجلدي المستعمل بالكاد — لكنه فقد توازنه وسقط على الأرض مستلقياً. في التو واللحظة، ابتسم القاطع بخبث وخطا خطوة سريعة تجاهه، مسدداً سيفه مباشرة نحو صدر تيسيب. لفترة قصيرة، بُهت تيسيب لحقيقة وقوعه في موقف الدفاع الآن لدرجة أنه لم يدرِ ما يفعل. لكن التدريب الأخير مع هودان والحارس الآخر أتى أكله، فتدحرج جسده جانباً قبيل وصول السيف إليه.
قفز واقفاً بسرعة ووجد لمحمده أن سيفه لا يزال في يده. لكن لم يحدث هذا؟ ولم اضطر حتى للدفاع؟ كان مفترضاً بالقاطع أن يكون ميتاً الآن! كيف تبدو مهاراته عديمة الفائدة أمام هذا اللقيط الضخم؟ أطلق زفرة واحدة، وحاول التركيز في اللحظة. ومرة أخرى، بدأ كلاهما يدوران حول بعضهما، وبدا القاطع واثقاً للغاية الآن، بينما تقطب وجه تيسيب استياءً مما يحدث. بادر بالهجوم مرة أخرى، وبخطوة سريعة إلى اليمين للتمويه بضربة من تلك الناحية، استدار بسرعة لليسار وطعن أمامه بسيفه.
لكن القاطع أزاح ضربته جانباً بسهولة بسيفه مرة ثانية، وركله مباشرة في صدره بحذائه الضخم، مما أدى إلى سقوطه مجدداً وضياع سيفه منه في غمرة ذلك. اعتراه ذعر تام ولم يعد يعرف ما يفعله.
خطا القاطع خطوة للأمام، وبدل أن ينهي حياته فوراً، تشفى قائلاً: "أهذه أقصى غايتك إذن؟ لقد خاب ظني. ظننت لوهلة أنني سأنال قتالاً حقيقياً بعد سنين! لكنك لست إلا عالة كبقية الناس!"
متمنياً لو أن سيفه ما زال بين يديه، نظر تيسيب إلى يمينه حيث سقط على بعد ياردة واحدة بالكاد منه. زحف بيده ببطء نحو سيفه، راجياً أن يتمكن من الإمساك به مجدداً بينما كان القاطع يتكلم. وأبعد قليلاً في ذلك الاتجاه، سكت الأطفال، ربما إرهاقاً من كثرة البكاء، لكنهم ظلوا يتابعون المعقرة بأعين واسعة. وكانت بقية العائلة تنظر في جهتهم برعب، مدركة ما سيحل بهم إن لقي حتفه هنا.
لم يعلم تيسيب كيف تسير المعركة الأخرى، لكن من ابتسامة القاطع، لم يكن الأمر مبشراً للقرية. تباهى القاطع مجدداً بدلاً من توجيه الضربة القاضية.
"لكن تعلم، لا عار في الهزيمة أمامي. لقد أبليت بلاء حسناً. وقبل أن أبعث بك إلى الملكة، عليك أن تسعد علماً بأنك هزمت على يد اللورد العظيم نوكوزال."
وعندها أمسك ذلك القاطع الضخم بالسيف عمودياً بكلتا يديه، مستعداً لاختراق صدره بضربة واحدة. تراءت حياة تيسيب بأسرها أمام عينيه في تلك اللحظة. سيفقد والداه وحيدهما الليلة. ولن يفلح قط في إظهار عمله كحارس بالقصر لإسوها. ولن يستطيع أبداً إثبات براعته في المهارات للبارون الجديد. وبأنه أهل للثقة في الصمود بمعركة... أهذه هي النهاية إذن؟ أهذه نهاية سيرته كحارس للقصر؟ لكن لماذا؟
ظن أنه ماهر حقاً في المبارزة بالسيف! بل إنه استطاع تجريد حراس آخرين من أسلحتهم أثناء القتال بسيف خشبي! أم أن نشوة ذلك النصر المبكر على قاطع الطرق قليل العدد قد شوهت منظوره ببساطة؟ أم أنه أصبح واثقاً بزيادة في مهاراته، رغم افتقاره لأي خبرة تدعمها؟ أطلق زفرة استسلام. حسناً، لم يعد الأمر يهم، إذ لم يرى سبيلاً لنجاته. كل ما تمناه هو أن يعفو قطاع الطرق عن والديه، وأن يرعاهما الببارون كما وعد عند تجنيده كحارس.
وتمنى أيضاً أن ينهي هذا اللقيط المدعو نوكوزال حياته بضربة واحدة بدلاً من إطالة عذابه. ولكن بينما عاين نهاية حياته ماثلة أمامه، أدرك أن لديه حسرات باقية. ليت أتيحت له فرصة أخرى لإثبات نفسه... ليته تمرن أكثر بسيفه قبل المجيء إلى هنا الليلة... ليته لم يغتر بمهاراته في المبارزة التي لم تُختبر أبداً... وعندها انقضت لحظة التأمل، فرأى سيف نوكوزال يهوي نحوه، ولم يتبقَ سوى لحظات قبل أن يغادر هذا العالم محملاً بهذا الكم من الحسرات.