من لندن إلى اللورد الفصل 132 — العب "صويينت" بلا أوراق قط؟

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 132 — العب "صويينت" بلا أوراق قط؟ باللغة العربية على مانجا تايم.

حمل كيغير طفليْه الأصغرين بين ذراعيه اللذينِ شرعا في البكاء آنذاك، وتجاهل الألم في ركبته العليلة، وطفِق يهرول نحو بيته بأسرع ما يستطيع، وتتبعه زوجته عن كثب. التفت وراءه وتحقق من أن ابنه الأكبر قد أدرك الموقف هو الآخر، وما إن أمسك ليف بأيدي الفتاتين حتى انطلق جارياً بدوره، ليتجاوز الثلاثةُ الأبَ بسرعة. مع أن قلبه كان يخفق بعنف حتى خشي أن يثب خارج صدره، إلا أن كيغير ظل مسروراً لأنه اكتشف هذا الهجوم مبكراً أكثر من معظم الناس، وآملَ أن يتمكن من بلوغ بيته عما قريب وحماية أسرته.

وحرصاً على ألا يشعر بالبرد رغم أن الجو كان قريباً من التجمد، فإنه لم يحس بالقرّ قط على نحو ما. وسمع عند نقطة ما دوي أبواق تُنفخ من مكانٍ ما — ربما تحذيراً لبقية القرية من غارة اللصوص. وحين عطف في الزقاق الجانبي المفضي إلى بيته، لاحظ أن نور المِجْمَر — الذي كان ساطعاً على خصلات ليف وأيلسي الصفراء — انطفأ فجأة. أراد أن يلتفت إلى ساحة السوق ليرى ما حدث، لكنه أدرك أنه لا يملك متسعاً من الوقت للتوقف عن الجري.

ولم يلبث طويلاً حتى أبصر بيته على بعد بضع عشرات من الياردات، على ضوء القمر الذي كان لا يزال مختبئاً خلف السحب الملبدة أبداً. وهمَّ بأن يشكر السماوية لأنهما نجوا من اللصوص، حين خرج رجلان ضخمان يرتديان معاطف من الفرو من زقاق جانبي أمامهما مباشرة — فحالَا دون بلوغهما بيته. لم يتطلب الأمر أكثر من لحظة ليدرك كيغير أنهما لصوص — وبأيديهما سيوف مسلولة مرفوعة عالياً. وبينما كان الطفلان الأصغران يصدران نحيباً عالياً بين ذراعيه، إلى جانب شجيّ بكاء الفتاتين المختبئتين خلف زوجته وليف، ارتعش رعباً على حياتهما.

ليحمِ السماويةُ أسرته الآن، إذ لم تكن لديه البتة وسيلة لمقاتلة أولئك اللصوص.

* * *

~ تيسيب ~ ~ مكان ما قرب تيرانات ~ كانوا جميعا يهرولون نحو القرية بأسرع ما أمكنهم، آملين بلوغها قبل أن يقتل اللصوص أحداً. على أن أحدهم أصيب بسهم في ذراعه عند مغادرة الحراس الآخرين قرب رامِي سهام اللصوص، لكن الجرح لم يكن في ساق الحرس لحسن الحظ، فبعد أن وُضعت قطعة قماش لربط ذراعه ووقف النزف، قيل للحارس أن يتوجه رأساً إلى القصر، إذ لن يكون ذا نائدة في القتال لبعض الوقت.

وقريباً بلغوا أطراف القرية — حيث تُشيد البيوت الطويلة — وأشار هودان للجميع بالتوقف لحظة. ومع أنه لم تكن هناك ريح على أي حال، فإن ذلك الجري كله قد دفّأ جسده بسهولة، وجعل طقس التجمد القريب يبدو نافلاً.

استهل قائد الحراس حديثه قائلاً: "اصغوا إلي جيداً الآن. تركنا أربعة حراس هناك بالخارج وأصيب أحدنا بالفعل واضطر للمغادرة — وهذا يعني أن تسعة منا فقط هنا الآن. لكن أحد اللصوص قد هلك بالفعل ولصقَ على الأقل أحد رُماتهم هناك أيضا، مما يعني وجود ثمانية لصوص كحد أقصى في القرية الآن. لذا، ومع أنه لن يكون أمراً يسيرًا بالنسبة لنا بعد الآن، لا زلتم قادرين على طرحهم أرضاً!"

أومأ الحراس الآخرون برؤوسهم بثقة رداً على ذلك، غير أن تيسيب لم يكن يشعر بثقة قط. فبقية الرجال كانوا حراسًا مخضرمين، وفعلوا هذا لأعوام حتى الآن، لكنه لم يكن سوى عامل منجم فحم قبل شهرين فحسب! وبينما أدرك الآن من تدريباته المنتظمة مع بقية الحراس أنه يجيد السيف، فهل سيقدر حقاً على مواجهة لص حقيقي؟ هل سيقدر حقاً على سلب حياة إنسان؟ كما استبد به القلق على والديه القاطنين عند الطرف الغربي للقرية.

ماذا لو هاجم اللصوص ذلك الجزء من تيرانات؟ بيد أن كلمات هودان اللاحقة أعادت عقله إلى الحاضر. كان قائد الحراس ناظراً مباشرة إلى تيسيب.

"لا تقلق يا بني، أعرف ما تطويه أضلعك. افعل فحسب ما كنت تؤديه في التدريبات وستتكفل السماوية بالباقي".

أومأ تيسيب بتردد: "سأبذل قصارى جهدي".

وأضاف هودان: "هذا ما أود سماعه! والآن، نحن لا ندري أين يتوزع اللصوص جميعاً، لكنهم يرغبون في نهب أقدر ما يمكن، لذا سينتشرون قطعاً. وذاك ما سنفعله. سننقسم إلى أربع مجموعات — تضم كل منها رجلين — بينما أمضي وحدي".

وأشار إلى أربعة حراس قبل أن يتكلم: "ستطوف المجموعة الأولى بالقرية من يسارنا — أعني الشرق — وتدور المجموعة الثانية من يميننا — أي باتجاه الغرب. غايتكم ترقب أي لصوص يحاولون نهب البيوت على أطراف القرية — فهناك يُرجح وجودهم أكثر، ليسهل عليهم الفرار نهايتها. لهذا أمنح كلا بوقينا لهاتين المجموعتين، فيمكنكم نفخ البوق لطلب النجدة من الحراس الآخرين إن ألفيتم أكثر من رجلين يواجهونكم".

وحين أومأ الحراس الأربعة المختارون، أشار هودان إلى أربعة حراس آخرين ضموا تيسيب.

"المجموعتان الأخيرتان المكونتان من رجلين، فضلاً عني، ستقتحمان القرية مباشرة. وحيث يُستبعد توغل اللصوص في قلب القرية بأعداد أكبر، فمهمتكم ترصد أي لص منفرِد سريعاً — والمضي فوراً بعد الإجهاز عليه. وبالطبع، إن نُفخ بوق من أطراف القرية، فستهرع المجموعة الأقرب لنجدتهم بينما نواصل نحن بقيةً دحر هذه الآفات".

سأل قائد الحراس: "أتدركون جميعاً ما عليكم فعله الآن؟"

وما إن أومأ بقية الحراس، حتى ارتسمت على محياه ابتسامة سبعيّة.

"إذن فلننطلق ونبعث بهؤلاء الأوغاد إلى السماوية لتجرئهم على مهاجمة ديارنا!"

هتف أحد الحراس صيحة تحفيز: "من أجل اللورد كيفاموس!"

باغتت الهتافة تيسيب والآخرين للحظة، لكنهم تطلعوا إثرها إلى وجوه بعضهم وابتسموا. إنه البارون الجديد الذي غرس الإيمان في صدور القرويين بقدرتهم على النجاة شتاءً — حتى بعد خحوههم من كل أمل في الشهور الأخيرة. كان اللورد كيفاموس هو من يعامل العامة كبشر — لا كروث نودور العالق بحذائه — على النقيض تماماً مما يفعله النبلاء الآخرون. لقد كان هو من ذلل كل صعب ووهبهم الأمل بمستقبل مشرق.

ومن ثم، كانوا يقاتلون لحمايته وحماية مثُله. كانوا يقاتلون من أجله!

هتف هو والآخرون بصيحة حربهم الجديدة بدورهم: "من أجل اللورد كيفاموس!"

وبهذا انقسموا إلى خمس مجموعات، وهرع كل منهم نحو نطاقه المخصص لإبادة اللصوص. فيما اقتحم تيسيب القرية برفقة حارس آخر وطفق يجري بين البيوت، تمنى لو كان هو المكلّف بالتوجه نحو الطرف الغربي للقرية، ليتسنى له قصد بيته وحماية والديه من اللصوص. أفيمكنه فعل ذلك الآن أيضاً؟ فلن يكتشف هودان الأمر حقاً، طالما اختلق للحارس الآخر سبباً وهمياً، أليس كذلك؟ لكنّه طرد تلك الفكرة من ذهنه بعنف.

ومثلما كان هودان يثق به ليؤدي واجبه، وجب عليه هو الآخر الوثوق ببقية الحراس ليضطلعوا بمهامهم على أكمل وجه — بمن فيهم المتجهون إلى الجانب الغربي من القرية. ألقى نظرة خاطفة على الحارس الجاري بجانبه، فأومأ لنفسه. إنه يثق بالحراس الآخرين. إنهم إخوته الآن. وسيغدو والداه بأمان. سيتكفلون بذلك. واستمر بعدها يعدو بين البيوت، مترقباً اختبار مهاراته حديثة العهد في فنون السيف عما قريب.

* * *

~ كالوبو ~ ~ مكان ما في الغابات المحيطة بتيرانات ~ مضى كالوبو ببطء وصمت نحو يسار الموضع الذي يُفترض اختباء الرامي فيه — واثقاً من زحف الحارس الآخر نحوه من اليمين. وكان قد أُمر الحرسان الباقيان قرب جثة البدين بالتنقل وإحداث جلبة هائلة هناك، آملين إبقاء ظن الرامي مستمراً بأن جميع الحراس لا يزالون هناك. قبل مغادرته، راوده لبرهة ظن بوجود أكثر من رامي سهام هنا، إذ أحس بأن بعض السهام أتت من اتجاه مغاير.

لكنه بعد تفكير أدرك أنها غالباً رامٍ وحيد يبدل تمركزه مراراً وتكراراً، ليوهِمهم بوجود لصوص هنا أكثر من الواقع. وبدا ذلك منطقياً أيضاً، إذ أراد اللصوص حتمًا اصطحاب معظم رجالهم إلى القرية لنهب مزيد من الحبوب. مما يعني قدرتهم على الإجهاز على الرامي المنفرد أبكر مما حسبوا. والحق أنه لم يدرِ أهو من سيعثر على الرامي أم الحارس الآخر. لكنه تضرع إلى السماوية ليكون هو، ليظفر بفرصة الثأر من هؤلاء الأوغاد لتجويعهم إياه والآخرين في المحجر حتى أضنوهم هزيلاً.

وحين اقترب من الموضع الذي رأى آخر السهام تنطلق منه — إن كان مقترباً حقاً، لصعوبة التيقن في الليل — لمح شجرة فيداروس عريضة. فانحنى أكثر، وتحرك ببطء شديد خلف الشجرة، محاولاً عدم إحداث أي صوت. وقد تمنى ألا يكون الرامي قد رآه في طريقه، لكنه عجز عن جزم أي شيء الآن. وبعد أن منح نفسه لحظة لالتقاط أنفاسه، حنَى عنقه رويداً حول الشجرة ليستطلع الرامي من هناك، غير أنه لم يجد شيئاً أمامه — سوى مزيد من الأشجار وبضعة شجيرات صغيرة بعيدة.

أيعني هذا تبديل الرامي لموقعه مجدداً؟ اللعنة! كيف سيظفر به مجدداً من هنا؟ أخذ يفكر في مغادرة موضعه الحالي والدوران مرة أخرى من الشمال، ولكي يروي غليله فحسب، عزم على مد عنقه حول شجرة الفداروس مجدداً. وفي تلك اللحظة بالذات، ارتد إلى الوراء فزعاً إذ انقضّ سهم مصفراً شديد القرب من أذنه، مما ألقاه أرضاً دهشة. لكنه نهض سريعاً على أربع، واجتهد ليواري جسده بالكامل خلف وقاء الشجرة مجدداً.

لا زال الرامي هنا! ومع محاولته التنفس بعمق مراراً ليهدئ خفقان قلبه الهائج، استغرق الأمر وقتاً ليستعيد وعيه المعتاد. وأدرك أن سيفه قد هوى من يديه في تلك اللحظة المرعبة، لكن قبضته ظلت محظوظة بوقوعها خلف ستر شجرة الفداروس العريضة، فجذب سيفه برشاقة وألصقه بجسده، كأنه الشيء الوحيد القائم بينه وبين أديزي هائج. عنى هذا أنه لم يخطئ في تقدير موضع اللص قط. ولكن ما إن رآه الرامي يقيناً، حتى غدا البقاء في ذات الموضع حماقة.

نهض مجدداً والسيف بيده، وما إن حدد شجرة مجاورة ذات ستر منيع، حتى وثب قدماً وتدحرج مستقراً خلف تلك الشجرة. وعلى الفور، عبر سهم في الموضع الذي كان فيه قبل لحظة. اللعنة! كم سهماً لدى الرامي يا ترى؟ أطلق زفرة أخرى، وما إن استعد، حتى كرّر الصنيع ذاته وواري خلف شجرة أخرى. تشكراتنا للسماوية من أجل الغابات! فما درى كيف كان ليقترب من الرامي لو وُجدت أرض جرداء بينهما. ثم واصل فعل الكرّة مراراً وتكراراً، مقترباً تدريجياً من الرامي، بينما يمر سهم قريباً منه في كل مرة تقريباً.

لقد كانت مخاطرة مرعبة، لكن ما من سبيل آخر للاقتراب من الرامي. وطالما بقيت مسافة فاصلة بينهما، فسيغدو الأمر كأن الرامي يمسك بجميع ورق سويين بيديه. ولا أحد يرغب بلعب سويين بلا أوراق، أليس كذلك؟ هذه المرة، توارى خلف شجرة ضيقة نسبياً، لذا وبعد تفكير برهة، ألصق سيفه بالجانب الأيسر للشجرة، ومد عنقه بحذر ليرى من الجانب الآخر. وكما توقع، أطلق الرامي سهماً نحو الجانب الذي استقر فيه سيفه، مخطئاً إياه بيسير، بينما بقي رأسه آمناً.

وفي تلك اللحظة الفردية، لمح حراكاً خلف تلك الشجيرات التي رآها آنفاً. لقد عثر على الرامي!