ما أن بلغا سطح القصر، ورأى ثلاثة رماه يقفون على ثلاث جهات من السطح وقد أهبوا قسيهم، حتى سار نحو الرجل المقابل للبوابات الغربية للقصر حيث يقام الولائم. وحين كان الظلام دامساً في أغلب الأرجاء، بقيت المنطقة خارج البوابات مضاءة بعدة مجامر مشتعلة. وكان الجو قارص البرودة، بيد أنه خلا من الرياح تماًما في تلك اللحظة. واقترب من الرجل ليتبيّن أنه يوفيم؛ أحد الحراس الجدد ذوي الدقة المتناهية في التصويب، والذي ربط شعره الأشقر الطويل بعقدة خلف رأسه.
همس للوسيم: "أتري ذلك الرجل؟"
أومأ لوسيم برأسه، بينما التفت يوفيم ليطالعهما بنظرة بعد أن سمع صوتيهما.
قال كيفاموس بصوت خفيض للوسيم: "إنه أحد أبرز رُماتنا، بل ويستطيع إصابة غراب طائر بدقة من مسافة مئتي ياردة!"
سأل لوسيم وعيناه تتوسّعان: حقاً؟
أيمكنه فعل ذلك؟"
شرع يوفيم في الرد، غير أن كيفاموس أشار إليه بألا يتكلم غامزاً بعينه.
"نعم، يستطيع حقاً!"
تكلّم لوسيم بصوت يفيض بالتمني: "ليتني أستطيع فعل ذلك أيضاً!"
أجابه كيفاموس: "يمكنك ذلك أنت أيضاً، لكن بشرط أن تتدرب كثيراً."
بدا لوسيم مغتبطاً لسماعه ذلك، وأشرقت عيناه ناظرتين إلى مكان بعيد في الأفق — لعله كان يحلم بيوم يستطيع فيه فعل المثل. وابتسم كيفاموس حين رأى ذلك. فعلى الأقل، لم يعد الطفل يبدو مرعوباً إلى هذا الحد. وقاد لوسيم برفق نحو أحد الدرابزينات القريبة عند حافة السطح، متحدثاً بصوت هامس كمن يبوح بسرّ.
"يمكنك بدء التدرب على ذلك الآن. راقب الخارج في هذا الاتجاه فحسب، وإن رأيت أي لصوص، فأعلم أحد الحراس هنا فوراً. أتستطيع فعل ذلك؟"
أومأ لوسيم بحماسة: "دَعْ الأمر لي! لن يستطيع أحد الإفلات من ناظري!"
"ممتاز!"
ربت كيفاموس على ظهره بابتسامة، وعاد أدراجه نحو يوفيم حيث كان غورسازو في انتظاره أيضاً.
وقبل أن يلفظ بشيء، احتج يوفيم: "لم أدّع قط قدرتي على إصابة غراب من تلك المسافة، يا سيّدي! لا أحد يستطيع ذلك!"
قال كيفاموس ضاحكاً: "أعلم. لكنني احتجت لمنح لوسيم غاية تُلهيه عن هواجس اللصوص القادمين لقتل عائلته."
أومأ يوفيم برصانة عند ذكر اللصوص.
سأل كيفاموس الرامي الشّاب: "كيف تبدو الأمور؟"
أجاب يوفيم ناظراً باتجاه بوابات القصر حيث لا يزال نفر من الناس يراقبون الأطفال: "لا أستطيع الجزم من هنا، يا سيّدي. لقد أمرنا فيروي للتو بالاستعداد لردع أي لصوص إن أبصرناهم بالقرب."
ثم التفت مجدداً نحو كيفاموس: "لكن ألا يفترض بك أن تكون في الداخل الآن، يا سيّدي؟"
تنفّس كيفاموس الصعداء.
"ما رغبت في البقاء محبوساً في الداخل بينما تبذلون قصارى جهدكم لدحر اللصوص."
بدا الاستغراب على وجه يوفيم لسماعه ذلك، لكنه أومأ بابتسامة وعاود مراقبة الخارج. ولبرهة، لم يدر كيفاموس ما يفعل، إذ كره إطالة الحديث مع الرامي وإلهاءه عن واجبه. لكنه أبداً ما أراد العودة إلى قاعة القصر بهذه السرعة. لذا وبعد أن أطلع غورسازو على الأمر، سار إلى جانب خالٍ من السطح واتخذ موقعاً هناك لترقّب أي لصوص يندفعون نحو القصر. كان ذلك أقل ما يفعله لمساندة الحراس.
ومضى وقت طويل منذ إطلاق البوق، ممّا يعني أن هودان قد علم مسبقاً بالهجوم على القرية. وأمل الآن فحسب أن يعود قائد الحراس رفقة بقية الحراس عاجلاً للتعامل مع اللصوص قبل أن يلحقوا دماراً فادحاً.
* * *
~ كيغير ~ ~ خارج بوابات قصر البارون ~ ~ قُبيل النفخ في البوق ~ شارفت الولاية على الانتهاء، وابتهاج كيغير بتناوله تلك الأصناف الفاخرة الكثيرة. وبالمجان أيضاً! كانت تلك هي الغاية الأسمى لتاجر مثله. ورمق الأطفال الذين استمروا في الأكل، مرجحاً أنهم يتناولون وجبتهم الثالثة أو الرابعة — إذ سمح لهم البارون بالتهام ما طاب لهم. راودته فكرة اصطحاب عائلته إلى المنزل فور التهام الصغار لوجبتهم الثالثة اتقاءً لتلبّك معائدهم، بيد أن توسّلات الأطفال — لا سيما الصغيرين منهم — بوجوههم الطافحة بالسرور للبقاء وجبة أخرى، حالت بينه وبين منعهم.
ونخر متبرماً. لم يكن يدفع شيئاً من جيبه، وإن أراد البارون إطعام الصغار كل هذا القدر، فمن يكون هو ليصدّه؟ وانتظر البقية فراغ الأطفال من الأكل، وبدا أنهم أوشكوا على الانتهاء. وهمّ بإخبارهم بضرورة المغادرة الآن، فإذا ببوابات القصر تنفتح ليخرج حارس ذو لحية قصيرة وملامح جادة. وأمعن كيغير النظر في الحارس بفضول، فرآه يقترب من إحدى الخادمات ويهمس بكلمات في أذنها. وبدت على الخادمة الصدمة لبرهة، قبل أن تتمالك ملامحها وتُرصّع وجهها بابتسامة مجدداً للأطفال المصطفين بانتظار الطعام.
غير أن كيغير استشف بسهولة زيف تلك الابتسامة. وسرعان ما أبصر الحارس ذاته يتمتم بكلمات في آذان الخادمات والخدم الآخرين، لترتسم ذات ملامح الصدمة على وجوههم. أم أكانت ملامح هلع؟ فما إن استمعوا إلى ما يخبرهم به الحارس حتى توتروا جميعا برهة، قبل أن يرخوا وجوههم قسراً. وعجز كيغير عن إدراك كنه ما يثير ذلك، ليلمح الخادمات اللواتي ائتمنّ على تقديم الطعام يشرعن في غطاء الدلاء الخشبية، ويُفشين شيئاً للأطفال المصطفين.
ورغم مخاطبة الخادمات للأطفال بوجوه باسمة، أدرك ببساطة خلوّ تلك الابتسامات من أي بهجة. لم تعد كذلك البتة. ولم يلبث طويلاً حتى رأى إيلسي وميزي والولدين يعودون نحوه بملامح محبطة. وساورته فكرة سؤالهم عمّا ألَمّ بهم، فبدرت إيلسي بالحديث نيابة عن الجميع.
وقالت بصوت منسحق: "لم يعد هناك طعام يا أبي..."
وأردفت ميزي: "أخبرتنا الخادمات بأننا أتينا على الطعام بأكمله — لذا توجب عليهن استرجاع الدلاء الآن. لكن..."
وترددت في كلامها: "لكنني واثقة من أنني رأيت شيئاً من الحساء باقياً."
عقد كيغير حاجبيه لسماعه ذلك. لأي غرض تقدم الخادمات على إغلاق الأكشاك فجأة، لا سيما مع وجود طعام متبقٍ؟ لم يكن مرجحاً أن يقرر البارون فجأة التحوّل إلى بخيل بعد أن أنفق الغالي والنفيس لإطعام القرية بأسرها بالمجان. ثمة خطب ما هنا.
وسأل ابنه الأكبر ليف الأطفال ضاحكاً: "ألم تأكلوا كفايتكم بالفعل؟ من الجيد أنهم أوقفوروكم، وإلا لتذمرتم جميعاً من أوجاع البطون لاحقاً."
وتدخلت زوجته: "لكنني أردت المزيد..."
تذمرت إيلسي.
"ما زلت جائعة..."
"إن كان لدى الخادمات شيء من الحساء المتبقي، أفأسألهن إن كان بوسعنا حمل بعضه إلى منزلنا؟ وإلا فسيلقي مصير الضياع على الأرجح."
أمعن كيغير التفكير للحظة، ثم توجه للجميع في عائلته، بما في ذلك ميزي وتيمي.
فأجاب: "لا، دعكم من الطعام. شيء ما يثير الريبة. فلنعد إلى منزلنا الآن."
"لكن يا أبي..."
تذمرت إيلسي مجدداً، بينما قطّب ليف حاجبيه صامتاً.
خاطب ابنته: "لا يا إيلسي. لقد أكلت ما يكفيك لهذه الليلة. فلننصرف الآن،"
قالها موجهاً كلامه لأفراد عائلته كافة. وعلى أثر ذلك، شرعوا جميعاً في جرّ خطاهم عائدين إلى منزلهم، بعضهم ببهجة لاختبارهم مأدبة لأول مرة في حياتهم، وبعضهم بتباطؤ لعدم تمكنهم من التهام المزيد. وقبيل مغادرتهم لمنطقة الولائم المهجورة غالباً، لاحظ أن الخدم والحراس قد بدأوا بنقل الدلاء والطاولات داخل بوابات القصر، في حين شرع جُلّ البقية في اقتياد أطفالهم عودة لمنازلهم.
وضاعف ذلك من قلقه، إذ لم يكن وحده من ينتابه شعور سيء حيال الأمر. وواصلوا السير في الطرقات المعتمة بخطى حثيثة، حتى بلغوا ساحة السوق في القرية — حيث بقيت جمرة مشتعلة وحيدة تضفي ضوءاً خافتاً على البيوت الخشبية المحيطة بالساحة. وتوقف بعض المتخلفين هناك لتدفئة أيديهم قبل العودة لمنازلهم، وما عدا ذلك، بدت ساحة السوق شبه خالية في هذه الساعة. وقبع منزل كيغير في زقاق قريب، غير أنه وبينما كانت عائلته تعبر ساحة السوق، سمع جلبة في الجهة المقابلة منها.
وملأه الفزع لرؤية رجلين يرتديان معاطف فرو يقتحمان الساحة قادمين من زقاق جانبي هناك حين التفت نحوهما. وظن للوهلة الأولى أنهما حراس القصر في دورتهم الليلية — وهي ميزة جديدة لكنها مرحب به كثيراً لدى القرويين — قبل أن يستدرك أن الحراس لا يرتدون معاطف فرو، إلا إن كان البارون قد ظفر بمال يكفي لشراء معاطف فرو كهذه لكافة حرّاسه؟ وفيما كان عقله منشغالً بالتحليل، أبصر أولئك الرجال يرفعون سيوفهم المجرّدة في الهواء، وبزئير مدوٍ، انطلقوا عارين نحو الواقفين قرب المجامر.
وفجأة، أدرك بارتجافة أن أولئك لم يكونوا حُراساً على الإطلاق. بل كانوا لصوصاً! تتعرض القرية لغارة من اللصوص مجدداً! اتسعت عيناه ذعراً بينما تراءت في ذهنه الصور المروعة لآخر غارة. البيوت المحترقة، والأطفال النادبون، وخوف مميت على حياته...
وصاح في عائلته فوراً: "اهربوا! اركضوا عائدين إلى منزلنا!"