من لندن إلى اللورد الفصل 128 — الاستعدادات الأخيرة

اقرأ من لندن إلى اللورد الفصل 128 — الاستعدادات الأخيرة باللغة العربية على مانجا تايم.

بدأ كيفاموس يتحمّس لمجرد التفكير في الأمر. ثم تذكّر وضعهم الحالي. والحق أنه لا يملك سبيلاً إلى أيّ من ذلك سوى الفحم. أليس كذلك؟ حتى لو لم تكن هناك عصابات تعيث فساداً في ذلك المقالع، فإن تلك الأرض ما زالت مملوكة لبارون آخر. ولن يحصل على شيء من ذلك الحجر الجيري إلا إذا اشترى الأرض من إيرل سينران. هذا إن كان مسموحاً بمثل هذا في هذه المملكة أصلاً. والأمر سيّان بالنسبة لمنجم الطين.

تلك الأرض مملوكة غالباً لبارون كيرنوس. وهو ما يعني أنه لن يحصل على إمدادات ثابتة من الطين إلا إذا اشترى الأرض من البارون. كانت هناك بالطبع فكرة شراء الحجر الجيري والطين مباشرة من أولئك اللصوص. لكنه لم يدْرِ إن كان قادراً على فعل ذلك. ولا سيما مع علمه بأنهم يعتمدون على السخرة. وهناك المشكلة الأساسية المتمثلة في نقل هذه المواد الخام الضخمة عبر هذه التضاريس الوعرة من دون أي وسائل نقل حديثة.

ناهيك عن أن أولئك البارونات يعيشون في بحبوحة بفضل استخدام السخرة للحصول على تلك المواد بأبخس الأثمان ثم بيعها في المدن الكبرى بأرباح طائلة. لذا لم يكن مرجحاً البتة أن يوافقوا على بيع تلك الأرض. ليس بثمن معقول على الأقل. وفي هذه اللحظة، لا يستطيع تحمل حتى ثمن معقول لتلك الأرض. حسناً، تبقى دائماً طريقة العصور الوسطى... محاولة غزو تلك الأرض. هذا إن غفر الإيرل المناوشات الضئيلة بين البارونات التابعين له.

لكن تلك الفكرة مدعاة للسخرية في أفضل الأحوال. بالكاد يملك من الرجال ما يكفي للدفاع عن قريته ضد مجموعة صغيرة من اللصوص الآن. وهو يفكر في غزو الأراضي المجاورة من أجل الموارد. تنهّد. بقدر ما كان يمقُت أولئك البارونات الذين يستغلون السخرة واللصوص، سيظل عليه التفكير في طريقة ما للحصول على تلك المواد الخام إن أراد صنع الخرسانة هنا يوماً. لكن هذه المشكلة تخص المستقبل. عليه الآن التركيز على مخاوفهم المباشرة.

ويشمل ذلك الحفاظ على سلامة القرويين وإطعامهم في الشتاء القادم. سؤال فيروي أعاده إلى الحاضر.

سأل الجندي السابق: "لا أعرف شيئاً البتة عن قواعد النبلاء. لكن إن كنا نعلم أن بارون كيرنوس تورط أيضاً في الغارة السابقة، أفلا يمكننا فعل شيء ما... كأن نتقدم بشكوى ضده؟ ربما إلى إيرل سينران لنطلب تعويضاً عن الغارة؟ أليست بارونية كيرنوس تابعة له؟"

نظر كيفاموس إلى غورزازو. فهو الأرجح خبرةً في التعامل مع النبلاء. هزّ غورزازو رأسه.

"لن ينفع ذلك. فالأمر برمّته مجرد تكهن في أفضل الأحوال. لا دليل قاطع لدينا يربط بارون كيرنوس بالغارة السابقة. لذا ستكون كلمة اللورد كيفاموس في مواجهة كلمته. ولا سبب لدى الإيرل ليُرجّح كفتنا على بارون كيرنوس".

أومأ كيفاموس.

لكن فيروي تحدث متمئناً: "ولكن ماذا لو جعلنا ذلك المدعو تورهان يدعم ادعاءنا؟"

رفع كيفاموس حاجبيه مندهشاً.

"ماذا تقصد بذلك؟ ولم قد يفعل شيئاً كهذا؟"

أطلق فيروي سخريته: "حسناً... لن يفعلها طائعاً بالطبع..."

هتف كيفاموس: "أتعني..."

أومأ فيروي.

"يمكنني محاولة الانضمام إلى منجم الطين الخاص به كعبد. سيستغرق الأمر بعض الوقت لأقترب منه، أتعلم؟ لكن ما أن تلوح لي فرصة مناسبة، أستطيع انتزاعه من هناك. وإن كان هناك رجل موثوق بجعبة حصان جاهز بالقرب، فيمكننا جلبه إلى هنا ثم أخذه إلى سينران لنعرضه على الإيرل".

بينما عبس دوفاس سماعاً لتلك الطريقة الملتوية، لم يدر كيفاموس بما يجیب لوهلة. أكان الجندي السابق يفكر حقاً في خطف شخص جهاراً نهاراً؟ ثم تذكّر أيّ نوع من الرجال لابد أن يكون تورهان إن كان يدير منجماً بالعمل القسري. وبعدما سمع نزراً اليسير عن أساليب نوكوزال وكيفية تعامله مع عبيده، فالمرجح أن ذلك المدعو تورهان ليس أفضل حالاً. ناهيك عن أنه أغار على تيرانات في الماضي وترك القرية لتجمد وتجوع حتى الموت بعد إحراق منازلهم.

أفيعنيه حقاً أن فيروي مستعد لخطف شخص كهذا؟ لكنه ظل مندهشاً لسماع أن الجندي السابق سيخاطر بحياته من أجل هذا. فحياة فيروي لن تكون آمنة البتة إن انکشف أمره. ومع براعته في الاندماج في أي مكان ووفرة خبرته في التعامل مع جميع أنواع الحثالة، قد ينجح فيروي في تنفيذها فعلاً. لكن أيمكنه حقاً منح الموافقة على مهمة كهذه؟ وقبل أن يتسنى له التفكير في رد، تحدث غورزازو مجدداً.

"لن ينجح ذلك غالباً. حتى لو غضضنا الطرف عن الخطر المحدق بحياتك إن فعلت ذلك - ونحن نعاني بالأصل من نقص حاد في الحراس المدربين لنرسلك لأسابيع إن لم يكن لأشهر - فلا سبيل لدينا لضمان أن يتحدث تورهان ضد بارون كيرنوس في بلاط الإيرل".

شرع فيروي في قول شيء معارضاً، لكن غورزازو قاطعه: "أعلم ما أنت قائل. لكن لا يمكنك حقاً استخدام أساليبك لضمان دعم تورهان لنا أمام الإيرل مباشرة، أيمكِنُك؟ وعلى أي حال، التعامل مع النبلاء يختلف تماماً يا فيروي".

وأضاف: "سيظل على الإيرل سماع رأي بارون كيرنوس الذي سينكر ذلك بالتأكيد. ولن يرجح لص اللصوص رأي النبلاء في بلاط الإيرل سينران. هذا إن سمح الإيرل أصلاً بأن نعرض لصاً في بلاطه لنعرض جانبنا من القصة. ناهيك عن أن المدافع الوحيد عنا ليس سوى لص، وهذا لن يساعدنا كثيراً على أي حال".

فكر كيفاموس في الأمر مطولاً، ثم قال: "دعنا من هذا الآن يا فيروي. سياسة النبلاء تعمل بطريقة مختلف كلياً عما اعتدته. وفي حين لا شك عندي في قدراتك، فمن المستبعد جداً أن تنجح في مهمتك أو حتى تعود حياً من منجم تورهان".

أومأ فيروي على كره.

"لا يمكنني إنكار ذلك يا سيّدي. لكنني اردت مساعدة القرية فقط، أتعلم؟"

قال كيفاموس: "أدرك ذلك يا فيروي. لكنك تساعدنا بالفعل بوصفك واحداً من حراسنا القلائل المدربين".

في تلك اللحظة، انفتح الباب الخارجي لقاعة القصر ودخل هودان.

أبلغ قائد الحراس: "كل حراسنا في حالة تأهب وجاهزون الآن".

وألقى نظرة عابرة على كالوبو الذي التزم الصمت لفترة، قبل أن يستطرد: "بما أننا نعلم على وجه اليقين أنه لا يوجد سوى تسعة لصوص هناك، فأنا أعلم أن بوسعنا القضاء عليهم بأعدادنا. ولن يكون الأمر سهلاً مع ذلك، إذ سيجب عليّ ترك ما لا يقل عن نصف حراسنا هنا... تحسباً لكون اللصوص قد غادروا مخبأهم في الغابات بالفعل. لكن أغلب حراسنا المدربين سيكونون معي، لذا لا نزال قادرين على الإضاءة عليهم".

تابع هودان: "مما أخبرنا به كالوبو، يعتقد نوكوزال أن معظم حبوبنا تُحفظ خارج جدران القصر مع التجار، وهذا غير صحيح. عدا عن ذلك، نحن لا نمنح القرويين سوى حصص أسبوعية، وقد مرّت ستة أيام بالفعل منذ الحصة الأخيرة، وهو ما يعني أن القرويين بالكاد يملكون أي حبوب في منازلهم الآن. لذا وفي حال تأخرنا في بلوغ مخبأهم ولم نتمكن من القضاء عليهم هناك مباشرة، فهذا يعني أن نوكوزال سيعاود محاولة مهاجمة جدران القصر ما إن يرى أن القرويين لا يملكون حبوباً ليسرقوها، إذ لا يرغب في العودة خاوي اليدين".

سأل دوفاس: "إذن لمَ لا تبقي جميع حراسنا هنا للدفاع عن القصر، بما أنك لا تعلم على وجه اليقين أنك ستجدهم في مخبأهم؟"

وأضاف: "سيتيح لك ذلك مواصلة القتال بكامل طاقتك ضد أولئك اللصوص، لا سيما إن كانوا سيهاجمون هنا على أي حال".

هزّ هودان رأسه.

"سيقضي ذلك بأنهم قد يكونون قد قتلوا بعض القرويين بحلول ذلك الوقت قبل أن يتوجهوا إلى القصر".

واستطرد: "من المحتمل بالتأكيد أن يكون اللصوص قد غادروا مخبأهم بحلول وصولنا. لكن إن وُجد ولو احتمال ضئيل لوجودهم هناك، فيجب علينا اغتنامه، فخيارنا الأفضل للقضاء عليهم بأقل خسائر هو قتالهم داخل الغابات، بلا قرويين قريباً ولا منازل ليشعل اللصوص النار فيها".

قال دوفاس: "يبدو ذلك منطقياً".

تابع هودان: "علاوة على إنقاذ حياة القرويين، مهمتنا الأهم هي الدفاع عن مخازن حبوبنا، لذا يجب أن نبذل قصارى جهدنا لحماية القصر".

والتفت إلى فيروي: "لذا ستبقى هنا لتقود حراسنا إن هاجم اللصوص القصر بينما ما زلنا بالخارج".

وأضاف قائد الحراس: "بصرف النظر عن بعض حراسنا المدربين، سأترك كل رماة السهام هنا أيضاً، إذ سيكونون عديمي الفائدة تماماً معنا في ظلمة الغابات. وفي حين لن يكونوا ذات فائدة تُذكر في الليل هنا أيضاً، فعلى الأقل تظل لديهم فرصة إصابة اللصوص على ضوء المشاعل المشتعلة بالخارج، وهو ما يستحيل في الغابات".

أومأ فيروي.

"سأضع الرماة فوق قاعة الخدم وقصر النعيم، وسأعطيهم بوقاً. ومن ذلك الارتفاع يمكنهم مراقبة محيطنا أيضاً وتحذيرنا إن رأوا أي لصوص. ويوفيم رامٍ ماهر بما يكفي ليتمكن من إسقاط بضع لصوص بمفرده حتى في الليل".

قال كيفاموس: "هذا البوق فكرة سيدة".

ونظر إلى هودان: "إن نفخ الرماة في البوق هنا، فهذا يعني أنهم وصلوا بالفعل وعليك العودة لمساعدتنا فوراً".

قال هودان: "بالطبع يا سيّدي".

تابع كيفاموس: "هذا ويجب أن تأخذ معك بوقين أيضاً، تحسباً لاضطرارك إلى تقسيم الحراس إلى مجموعات مختلفة واحتياج إحداها للمساعدة".

ومع إيماءة هودان، سأل: "لكن أيمكن لحراسنا الجدد القتال بشكل جيد بحدان الآن؟"