قال غورساز مواصلاً: "لقد كان يستعمل ضميري نحن ونا عندما يشير إلى القرويين والحراس، عوضاً عن هم وعليهم. لذا أعتقد أنه ما لم يكن الأمر كله تمثيلية بالغة التعقيد من كالوبو — وهو أمر غير مرجح كثيراً — فهذا يعني أن كالوبو ما زال يعد نفسه جزءاً من القرية، وربما يظن نفسه حارساً للقصر أيضاً".
وأضاف وهو يهز كتفيه: "ليس هذا دليلاً قاطعاً بالتأكيد، لكني أنا أيضاً أرى أنه جدير بالثقة".
فكر كيفاموس في الأمر لبرهة، وأومأ برأسه لنفسه.
قال: "حسن إذن. هناك خطر حقيقي بترك القرية بلا حماية تقريباً إن خرج حراسنا لمهاجمة أولئك اللصوص في الغابة، ولكن مثلما قال هودان قبل قليل، لا يمكننا تحمل مخاطرة إقدام اللصوص على إحراق منازل القرويين أو حتى مبنى التجمع الجديد".
وأكمل قائلاً: "ومعظمنا يميل بالفعل إلى ظن أن كالوبو لا يكذب، فلنثق به الآن إذن. هذا يعني أن علينا إرسال الحراس للتخلص من أولئك اللصوص. لا يمكننا السماح لهم سرقة مخازن حبوبنا الثمينة قبيل الشتاء مباشرة".
أومأ هودان بثقة.
قال: "أؤيد هذا القرار يا سيّدي. سأجمع الحراس فوراً".
قاطعه كيفاموس: "لا، انتظر. بما أننا قررنا الوثوق بكالوبو الآن، فأحضره إلى الداخل مجدداً".
وأوضح قائلاً: "بما أنك ستضطر لاصطحابه معك على أي حال، فينبغي أن نسأله أكثر عن اللصوص قبل أن ننطلق لمهاجمتهم. سيكون هذا أفضل بكثير من التقدم أعمى دون معرفة ما ننتظره".
قال هودان: "هذه فكرة صديدة يا سيّدي"، وخرج من القاعة عبر الباب الخارجي.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى عاد بصحبة كالوبو مجدداً.
نظر فيروي إلى الحارس السابق وقال: "لقد قررنا الوثوق بك الآن، ولكن إن وجدنا ولو كذبة واحدة في روايتك، فكن واثقاً من أنك لن تعيش لترى يوماً آخر".
وبّخه كيفاموس: "حسبك يا فيروي".
هزّ فيروي كتفيه.
قال: "أنا أقول الحقيقة فحسب يا سيّدي".
قال كيفاموس مشيراً إلى هودان: "يمكنك فكّ قيديه الآن".
صحيح أنه كان هناك خطر طفيف في فكّ قيود الحارس السابق، لكنهم سيضطرون لفعل ذلك على أي حال لاحقاً، فضلاً عن إعطائه سيفاً حين يصحبونه لمهاجمة اللصوص. لذا كانت هذه فرصة مناسبة له لسبر أغوار كالوبو، وإن لم تكن نواياه خالصة، فلن يتوانى هودان وفيرووي لحظة واحدة عن الإجهاز عليه، لا سيما أن الحارس السابق ما زال أعزل. أومأ قائد الحراس، وشرع في حلّ الحبال. التفت كيفاموس إلى كالوبو مجددا.
قال: "لقد قررت إرسال حراسنا لمهاجمة اللصوص، لكننا بحاجة إلى مزيد من المعلومات منك. ماذا يمكن أن تخبرنا عنهم؟"
ما إن حلّ هودان الحبال حتى فرك كالوبو معصميه اللذين بدا عليهما الاحمرار لبرهة، قبل أن يبدأ الكلام.
قال: "مثلما أخبرتك يا سيّدي، كان هناك عشرة لصوص قدموا إلى هنا، لكن واحداً منهم قد مات الآن".
وأضاف: "بينما كان اثنان منهم راميين، بدا البقية بارعين بالسيوف. في هذه المرحلة، أظن أنهم اكتشفوا هربي ومقتل أحدهم، لذا لا بد أنهم في أقصى درجات اليقظة الآن. هذا يعني أننا لن ننال عنصر المفاجأة عند مهاجمتهم".
بإيماءة من كيفاموس، تابع كالوبو حديثه مشيراً إلى قائد الحراس: "قائدهم، نوكوزال، رجل ضخم بنفس حجمه. قبل مجيئه إلى هنا، كانت خطته نصب كمين للقافلة في رحلة عودتها من سينران، لكنه كان يتوقع نصف عدد الحراس الذين تمتلكهم القافلة فقط".
وقطّب جبينه لبرهة.
"لست متأكداً إن كان يجدر بي قول هذا علانية، لكني متأكد تماماً من أنني رأيت بضعة عمال مناجم فحم يتنكرون في هيئة سيافة في تلك القافلة...".
ذهل كيفاموس لبرهة، قبل أن يدرك أن كالوبو قد عمل حارساً هنا لسنوات عديدة، لذا فمن البديع أنه رأى عمال مناجم الفحم مرات كافية ليتعرف عليهم بسهولة. نظر إلى غورساز الذي بادله ابتسامة عارفة. وتبرم كيفاموس بضحكة خفيفة أيضاً.
وقال لمعلمه السابق: "إذن كنت على حق بعد كل شيء".
مستعيداً نظره إلى الحارس السابق المرتبك، أوضح له قائلاً: "بما أنك اكتشفت مسبقاً أن القافلة التي تبدو محصنة جيداً لم تكن سوى خدعة لمنع نصب كمين لها، فهذا يعني أنك امتلكت فرصة سانحة لإخبار اللصوص بحقيقة دفاعات القافلة، لو أنك قررت خيانتنا وغيرت ولاءك لهم".
هتف كالوبو: "ما كنت لأخون القرية أبداً! هذا بيتي!".
ابتسم كيفاموس.
"نجل، لكننا لم نكن متأكدين من هذا مسبقاً. ومع ذلك، عادت القافلة بسلام، مما يعني أنك أطبقت فكّك حفاظاً على سلامة القرية. وهذا يمنحنا سبباً آخر لنثق بك الآن".
تنهد كالوبو الصعداء.
قال: "شكراً لك يا سيّدي".
"حسناً، تابع إذن".
أومأ كالوبو.
"حين رأى نوكوزال أنه لا يستطيع مهاجمة القافلة بنجاح — دون خسارة معظم رجاله على أي حال — ظل يردد أنه لن يغادر خالي الوفاض. ولهذا قرر الإغارة على القرية في الليل. وهذا الهجوم قد يبدأ في أي لحظة!".
قال هودان بإلحاح: "يجب ألا نضيع مزيداً من الوقت يا سيّدي. علينا مهاجمة أولئك اللصوص قبل أن يغاروا على القرية".
وافق كيفاموس: "هذا صحيح. اذهب واختر أفضل رجالك لهذه المهمة، وأبلغني بالنتيجة في أقرب وقت تستطيع".
أومأ هودان وخرج من الأبواب الخارجية لقاعة القصر.
سأل كيفاموس الحارس السابق: "لقد ذكرت الغارة السابقة على القرية. أهؤلاء هم نفس اللصوص الذين هاجموا القرية في ذلك الحين؟"
هزّ كالوبو رأسه رافضاً.
"لا. لقد سمعت أن هناك الكثير من اللصوص والخارجين عن القانون المختبئين في تلك الغابات بمعزل عن جماعة نوكوزال، مع أن معظمهم ليسوا سوى أناس عاديين يصطادون ويجمعون الثمار في الغابة للبقاء على قيد الحياة بعد أن عجزوا عن إيجاد عمل في أي مكان، أو أولئك الفارّين من ديونهم. ومع ذلك، توجد على الأقل جماعة لصوص أخرى معتبرة أعرفها، ويقال إنها منظمة بشكل جيد للغاية".
وتابع قائلاً: "كل ما سمقته هو الإشارة إليهم باعتبارهم جماعة تورهان، وقال نوكوزال إنهم هم من أغاروا على القرية في السابق. وحسب ما أعرفه، تلك جماعة أكبر بكثير وأفضل تسليحاً، مقارنة ببضع عشرات من رجال نوكوزال بالكاد. وحسب ما سمعته، قد يضم ذلك الجمع بسهولة عشرين أو ثلاثين لصوصاً، إن لم يكن أكثر. غير أنهم ينشطون عادة بعيداً جداً عن هذه المنطقة، لذا لا داعي لأن نقلق سوى بشأن جماعة نوكوزال في الوقت الحالي".
تمتم غورساز وهو يعقد حاجبيه: "ما زال الأمر مقلقاً لسماع أنهم قد يضمون ثلاث عشرات من اللصوص... إنني أعلم أن كونت سينران لا يعير هذه الأراضي اهتماماً يذكر، ولكن مع ذلك، كيف تنمو جماعة لصوص لتصل إلى هذا الحجم الضخم دون أن يكتشف أحد أمرهم".
تردد كالوبو لبرهة، قبل أن يقول: "في الواقع... لا أعتقد أنه من الصحيح القول إن أحداً لا يعرف أمرهم".
سأله كيفاموس: "ماذا تقصد بذلك؟"
أجاب كالوبو: "مثلما قلت قبل قليل، فهم ينشطون بعيداً جداً عن هنا، قرب الساحل الغربي لسلاريا، في مكان ما شمال قرية كيرنوس. وحسب ما سمعته، فإنهم يديرون منجماً للطين هناك باستخدام العبيد...".
تمتم كيفاموس: "صحيح... ولا بد أنهم يبيعون ذلك الطين في مكان ما. والمكان البديع الوحيد يبدو كيرنوس، مما يعني أن بارون كيرنوس لابد أنه يعرف أمرهم يقيناً، بافتراض أنه لا يدعمهم صراحة".
أومأ غورساز.
"ربما كان على علم مسبق بالغارة على تيرانات من قبل جماعة اللصوص تلك. وربما... ربما لا يجدر بي قول هذا، لكن مع أن كيرنوس يتمتع بوصول طوال العام إلى الصيد بحكم وقوعه على الساحل، إلا أن الطعام هذه الأيام شحيح في كل مكان... هذا يعني أنه ربما دعم أو ساعد في الغارة على تيرانات نظير حصة من الغنائم".
هزّ كيفاموس رأسه ببطء في ضيق. كانت السياسة القروسطية لهذا العالم قذرة ودموية كما توقع لها تماماً. كان أحد البارونات في سينران يدعم جماعة لصوص نوكوزال للحصول على الحجر الجيري بأسعار زهيدة للغاية باستخدام عمل العبيد، وعلى الأرجح، فإن بارون كيرنوس كان يدعم هو الآخر جماعة لصوص للحصول على الطين بثمن بخس — وبالطبع، كان يستخدم عمالة العبيد في ذلك أيضاً، وإن بصورة غير مباشرة.
كان يعلم أن الأرباح تعلو فوق كل شيء في كل مكان تقريباً، لكن هذا جاء فوق أن نبيلاً ما كان يحاول اغتياله بالفعل. أطلق زفيراً قوياً. المؤكد أن النجاة في هذا العالم لن تكون بالأمر السهل. ولعل الحالف حليفه حين قدم إلى هذا العالم — بغض النظر عن كيفية حدوث ذلك — قبيل الشتاء بفترة قصيرة. وبما أن الشتاء سيُبطئ التنقل في كل مكان، فسينال هدنة قصيرة من السياسة القروسطية القاسية، ولكن ما إن يحل الربيع وتذوب الثلوج عن الطرق...
فلم يكن يرغب حتى في التفكير في الأمر. مهلاً، مهلاً، إنه منجم طين! وكان نوكوزال يدير محجراً للحجر الجيري! وإلى جانب الفحم المتوفر بغزارة هنا، فقد امتلك معظم المواد اللازمة لصناعة الأسمنت! كيف لم يربط بين الخيوط قبل ذلك؟