أطرق غورساسو ناظراً نحو الأفق وأومأ برأسه.
قال بعد هنيهة: "ثمّة سبب وجيه حقاً وراء ذلك، غير أنّه ليس ممّا يعلمه معظم الناس، ولا سيّما في هذه الأيام".
وتابع: "يتعلق هذا الأمر بتأسيس مملكة ريسلينور".
بات كيفاموس متطسّعاً للغاية الآن، فأشار إليه ليتابع حديثه.
أوضح غورساسو: "وضعت هذه التقسيمات المقداريّة من قِبل مَلِك سابق - أول ملوك مملكة ريسلينور، كريسلينوس فورلاركن، والأكثر شهرة بلقب 'كريسلينوس المجنون'. فهو من غزا تلك المناطق من سيلاريا التي نعرفها حالياً بمملكة ريسلينور، وذلك قبل أكثر من مائة عام. وممّا يُستدلّ عليه بسهولة أنّ اسم المملكة مشتقّ من اسمه أيضاً. ومنذ ذلك الحين، أسرة فورلاركن تحكم المملكة باطراد لأكثر من قرن حتى الآن. إن مَلِكَ ريسلينور الحاليّ، بغضّ النظر عن طعنه في السنّ، هو سليل مباشر من النسل ذاته".
ثم أضاف: "في الواقع، وعلى الرغم من أنك قد لا تتذكر هذا الآن، فإنّ اسمك مشتقّ أيضاً من اسم المَلِك الأول للمملكة. لقد كنت ضعيف البنية للغاية عند ولادتك، وكان الناس يقولون إنّ طفلاً واهنًا كهذا قد لا ينجو لأكثر من أيام معدودات. غير أنّ والدتك أرادت لك أن تصبح بقوة مؤسّس المملكة، فمنحتك اسم كيفاموس، وبطريقة ما نجوت على الرغم من كلّ الشواهد التي رجّحت عكس ذلك".
استغرق كيفاموس في التفكير بوالدة كيفاموس الأصليّ، فلم يخطر بباله عنها سوى ذكريات غائمة للغاية، إذ كانت قد توفيت حين بلغ عامه الثاني فقط أثناء وضعها لشقيقته أستيلا. ولم يكن واثقاً ممّا إذا كان عليه أن يشعر بالارتياح لأنّ اسمه مقتبس ممّن سُمّي كريسلينوس المجنون، لكنّه استطاع يقيناً تفهّم مشاعر أمّ أيقنت أنّ وليدها لن ينجو أسبوعاً في هذا العالم.
استأنف غورساسو كلامه: "لم أبلغ الخمسين من عمري بعد، لذا فمن الجليّ أنّ ذلك حدث قبل عهدي بزمان طويل، بيد أنّ هناك سجلات لبطولات كريسلينوس المجنون تروي الكثير عن تفاصيل حياته. لقد طالعت عنه قدراً ليس بهين في الماضي، ولهذا أستحضر الكثير من أخباره، بالرغم من أنّ جلّ الناس لا يعرفون سوى اسم مؤسّس المملكة".
رفع كيفاموس حاجبيه مستغرباً وسأل: "ولكن لماذا لُقب بذلك اللقب أصلاً؟ أكان مجنوناً حقاً؟"
ضحك غورساسو وقال: "قطعاَ لا. لم يكن قريباً حتى من الجنون، لكنّه اتسم بقسوة بالغة حقاً عند غزو أعدائه. لذا خلَع عليه أعداؤه ذلك اللقب، نظراً لعدم إبقائه على حياة أيّ من خصومه الذين تقاعسوا عن الاستسلام منذ الإنذار الأول حين خرج من مدينة دوراستيز لفتح الممالك الأخرى".
وأوضح قائلاً: "قبل ذلك، طالما انقسم الجزء الغربيّ من سيلاريا إلى إمارات عديدة أصغر حجماً، وبينما سعى العديد من الحكام الشماليين السابقين لغزو الجنوب والعكس صحيح أيضاً، كان كريسلينوس المجنون هو الأول الذي حاصر واجتاح الشمال والجنوب بأسرهما - بما في ذلك عاصمة مملكة أولريغا الجنوبية السابقة - والتي كانت تُعدّ إحدى أفضل القلاع تحصيناً في ذلك الوقت".
وتابع: "إذن عندما خرج المَلِك كريسلينوس لغزو المنطقة التي ستغدو لاحقاً مملكة ريسلينور، أصدر أوامره لجيوشه بألّا يُبقوا أحداً على قيد الحياة في مُدن أعدائه وبلداتهم إن هم لم يستسلموا عند الإنذار الأول. بالطبع، تعذر عليه ذبح كل فرد في المُدن الضخمة مثل بلومرون وأولريغا وإلا لما بقي في المملكة أحد يحكمه، ومع ذلك تكرر الأمر بما فيه الكفاية حتى التَصق به ذلك الاسم بمرور الزمن، وراح في نهاية المطاف يُطلق ذلك اللقب على نفسه أيضاً".
في غمرة تفكير كيفاموس بالأمر، بدت أفعال المَلِك الأول شبیهة بأفعال جنكيز خان، على الرغم من أنّ المغول قد فتحوا رقعة أوسع بكثير من الأراضي. وواصل الإصغاء بينما مضى مرشده في الشرح.
قال غورساسو: "والآن بالعودة إلى موضوع نقاشنا، قبل حقبة كريسلينوس المجنون، استعمل الناس مقياساً مختلفاً، ومع ذلك ظلت المملكة ممزقة الأوصال لسنوات بعد أن فتح معظم الجزء الغربيّ من سيلاريا، وكثيراً ما نشبت مناوشات بين شتى مناطق المملكة".
وأردف غورساسو: "لذا، بغية تغيير ذلك وتوحيد أهل المملكة، عزم المَلِك كريسلينوس على تغيير ركيزة أساسية يتعامل معها الناس يومياً، لكي يظل اسمُه محفوراً في ذاكرتهم مرّات عديدة في اليوم الواحد - بما في ذلك قسوته - حتى لا يفكروا قط في محاولة التمرد على حكمه. ولهذا قرر استحداث مقاييس جديدة للأوزان والأطوال، كعدد البوصات في القدم والياردة، مستنداً في ذلك إلى تاريخ ميلاده، الشهر الحادي عشر واليوم التاسع والعشرين منه".
وأضاف غورساسو: "ومنذ ذلك الحين، تحوي الياردة الواحدة تسعاً وعشرين بوصة، وتحوي القدم الواحدة إحدى عشرة بوصة. وبمعنى آخر، أضحت الياردة الواحدة تعادل طول قدمين وسبع بوصات إثر ذلك. والأمر سيّان بالنسبة للأوزان كذلك. إذ يحوي البيلان الواحد من الوزن تسعة وعشرين حجراً".
هتف كيفاموس رافعاً حاجبيه: "يا للهول..."
أومأ غورساسو برأسه قائلاً: "لم أكن على قيد الحياة في تلك الحقبة، لكنّي أستطيع تخيّل ما أحدثه ذلك من جلبة عارمة ومقاومة للأمر المفروض بالبدء في استعمال تلك التقسيمات العسيرة. بيد أنّ تلك كانت غاية الأمر برمّته. أصدر المَلِك كريسلينوس مرسوماً يقضي بإعدام أيّ شخص يُضبط مستخدماً المقاييس السابقة فوراً. وقد آتى ذلك أُكله بلا شك، إذ تدافع الناس للتعود على تلك المقاييس العبثية عوضاً عن محاولة خلع المَلِك المجنون".
أطلق غورساسو سخريّة خفيفة وقال: "بالطبع، اغتنم الكثيرون تلك الفرصة للتخلص من منافسيهم وخصومهم عبر الادعاء بأنهم ما زالوا يستعملون المقاييس القديمة ليلقوا مصيرهم إعداماً. وبغضّ النظر عن ذلك، ظلت هذه المقاييس مُستَخدَمة في عموم المملكة منذئذ، وما تجرّأ أحد البتة على استعمال المقاييس القديمة - التي كانت أرجح عقلاً بمراحل، غير أنّ أحداً لم يرغب في إغضاب المَلِك المجنون ومواجهة الإعدام".
أومأ كيفاموس ببطء: "حسناً، هذا يفسّر سبب اعتماد تقسيمات غريبة كهذه هنا. وبالطبع، سيتأقلم الناس مع معظم الأمور إذا مُنحوا الوقت الكافٍ. ومع ذلك، يراودني القلق الآن من أن إبلاغ الناس باستعمال مقاييس مختلفة سيخلق مشكلات أكثر بكثير ممّا حسبت حسابها حينذاك..."
هزّ غورساسو كتفيه: "لا أزعم أنّ الأمر سيكون يسِيراً، لكنّ وقتاً طويلاً قد انقضى منذ العهد الذي حكم فيه 'كريسلينوس المجنون' هذه المملكة. وفي الوقت الحالي، أعلم يقيناً أن بعض الناس يستعملون مقاييس مختلفة في أماكن شتّى، لاسيما التجار الذين يفضلون استخدام تقسيمات أبسط للأطوال والأوزان وتستقيم مع العقل بدرجة أكبر، على الرغم من أنهم يلتزمون بالمقاييس الرسمية عند التعامل مع أيّ نبلاء".
وتابع بعد هُنيهة: "إذن، في حين لن يأتِ أحد لإعدامك بسبب هذا في عصرنا الحالي - وإلا لكنتُ أوقفتك فوراً في ذلك اليوم، لكنّني أستبعد أن يُسرّ أيّ من نبلاء الجوار إذا علم بالأمر، ولا سيّما بعد إدراكهم أنك أعلنت بارونيتك خالية من الرقّ بالفعل".
أضاف غورساسو بعد أن أومأ كيفاموس: "إنّه لأمر واقع أن نبلاء الجنوب لم يودّوا الأسرة الحاكمة يوماً، وما استساغوا أبداً حقيقة أن مَلِكاً شمالياً أرغمهم على تغيير ركيزة أساسية داخل ممالكهم الخاصة - رغم أن أياً منهم لا يفكر البتة في محاولة الانفصال عن المملكة هذه الأيام في ظلّ غارات مملكة بينباز المتكررة على ريسلينور إثر اكتشاف مصادر ضخمة لخام الحديد في تلال تولاسي منذ عقود قليلة مضت".
تمتم كيفاموس: "تلال تولاسي... أتذكر إخباري عنها حين كنا في طريقنا إلى تيرانات. على أية حال، لا يملك النلاء الآخرون أيّ مبرر لانتقادي إن هم سمحوا للتجار داخل أراضيهم باستعمال مقاييس مختلفة. فمثل هذا الأمر يستحيل أن يمرّ خفية عن أعين النبلاء".
هزّ غورساسو كتفيه مجدداً: "هذا صحيح تماماً. بيد أن ذلك لن يمنع النبلاء من إثارة الضجيج إن خالف نبيل بنفسه الأعراف الراسخة. على الأرجح، سيغتنمون الفرصة لتقديم الشكاوى ضدك إلى كونت سينران، أو حتى دوق أولريغا - وهو ما يعني واقعياً أحد أشقائك".
سخر كيفاموس قائلاً: "لا أظنني سأظفر بأي معروف من أيّ منهم، حتى من دون مخالفتهم لقواعدهم. ولكن ماذا عن المَلِك شخصياً؟"
"ذلك شأن آخر برمّته، إذ إن ذلك المرسوم صدر من العاصمة دوراستيز لا من سينران أو أولريغا".
وتابع غورساسو: "لكنّنا مع ذلك نقبع في أقصى جنوب المملكة، لذا لن يكترث المَلِك كثيراً بما يفعله بارون صغير نكرة على هذه البُعدية من العاصمة. إن الأيام تتغير بالفعل مقارنة بأيام الظلام للَمَلِك المجنون، ومثلما ذكرت لك آنفاً، ثمة بضع نبلاء في الشمال لا يحتفظون بأيّ أرقّاء، وإن لم يحظروا الرقّ صراحة كما فعلت أنت".
ثم أضاف: "المَلِك طاعن في السنّ بالفعل، ولا أحد يدري كم سيمتد به العمر. لذا ففي العاصمة دوراستيز، سينشغل الناس بالتدبير لمآل انتقال السلطة في الأعوام القادمة فور رحيل المَلِك، عوضاً عن الاكتراث بما يفعله بارون صغير على تخوم المملكة".
قال كيفاموس بشيء من الارتياح: "هذا نبأ حسن".
وعقّب غورساسو: "رغم ذلك، وفي حين لن ينشغل أهل العاصمة بهذه التغييرات، فإنّ أيّ نبلاء مجاورين - وربما حتى كونت سينران - سيقتنصون بلا شك أيّ فرصة لتقويض نفوذ نبيل آخر - والذي سيكون أنت في هذه الحالة. لاسيما وأنهم يعلمون مسبقاً أن دوق أولريغا قد نفاك أساساً".
سخر كيفاموس وهز رأسه: "هذا صحيح حقاً، لكنّهم لن يتوانوا عن فعل ذلك حتى لو رقصت على أنغامهم تماماً. فعلى الأقل يحاول بعضهم قتلي بالفعل، لذا فحتى لو امتثلت للقواعد العبثية التي سنّها مَلِك مجنون قبل أكثر من قرن، فلن يحبوني على أي حال".
وتابع حديثه: "تعلم جيداً بحلول الآن أنني أحمل في عقلي حصيلة وافرة من المعارف - أمور لا يمكن أولئك النبلاء حتى الحلم بها - ولكي أصون سلامة القرية ونفسي، يتعين عليّ أن أجعل القرية أقوى وأكثر رخاءً مما هي عليه الآن. ولكي يتحقق أيّ من ذلك، يتعذر عليّ بتاتاً الاستمرار في استعمال تلك التقسيمات العبثية وقواعدها المتحجرة في اتخاذ البشر أرقّاء! أدرك تمام الإدراك أنني سأصطدم بمقاومة عارمة في شتى الأمور، لكنّي ملزم بالمضي قدماً، وإلا سنظل قرية صغيرة فقيرة - حيث تستطيع غارة بسيطة يشنّها عشرة قطاع طرق فحسب أن تهوي بالقرية جمعاء إلى المجاعة. لا أستطيع السماح بتكرار ذلك".
أومأ غورساسو: "أنا معك قلباً وقالباً يا سيّدي. ومع أنني لا أدرك كَيفَ حظيت بذكريات شخصين، إلا أنني أعلم أنك تبذل قصارى جهدك لحماية القرية والعامة، لذا تحظى بدعمي الكامل في كل ما تفعله - حتى لو تعارض مع الأعراف الراسخة".
ابتسم كيفاموس وقال: "يسعدني ذلك حقاً".
واستطرد قائلاً: "كما أننا نجهل من كان وراء كمين البارون السابق، بيد أن النبلاء المجاورين لا بد أن لهم يداً في الأمر، إذ يتيح لهم ذلك الوصول إلى مناجم الفحم هنا - نظراً لكونها الشيء الوحيد ذي القيمة في هذه البارونية حالياً. ولم يمضِ شهر حتى على قدومي إلى هنا، وهم يحاولون قتلي أيضاً، وهذا الوضع لن يتغير دون أن أحدث تحولاً جذرياً في كل شبر هنا وأجعل القرية أكثر قوة وثراء".
هز كيفاموس كتفيه: "وبالطبع، سيغدو لدى أولئك النبلاء سبب أرجح بعد ذلك لمحاولة الاستيلاء على قريتنا أو غزوها. لذا ينبغي عليّ مواصلة الدفع نحو الأمام، حتى مع مخاطر عدم استحسان أيّ من نبلاء الجوار لهذه التغييرات. لأن هؤلاء القرويين هم شعبي الآن وهم يعتمدون عليّ. لذا سأبذل قصارى جهدي وما أملكه من معرفة للحيلولة دون وقوع أمر كهذا مجدداً. سأحميهم من طمع أولئك النبلاء وأحفظ سلامتهم، مهما تكلف الأمر!"
* * *
بعد هنيهة، وحين عاد دوفاس وهودان إلى قاعة القصر، أعلن أحد الخدم عن قدوم بيداسو. دلف التاجر إلى الداخل، وعقب انحناءة سريعة للبارون، اتخذ مقعداً مريحاً شاغراً بالقرب من المدفأة.
وما إن قرب يديه من النيران حتى هتف: "الملوك! الجو قارس في الخارج!"
قال كيفاموس: "هو كذلك يقيناً، لاسيما مع الرياح العاتية هذه الأيام. وقد علمت أيضاً بأن الثلوج قد بدأت بالتساقط بالفعل على الطريق المؤدي إلى سينران".
أومأ بيداسو: "بدأت حين كنا عائدين من سينران. ولن تمر سوى أيام معدودات حتى يغطي الثلج ذلك الطريق لدرجة تعيق السفر عبره كلياً".
عقّب دوفاس: "بالنظر إلى حالة الطقس في تيرانات اليوم، يبدو أن ذلك الثاقط لن يبطئ في الوصول إلى هنا أيضاً".
قال بيداسو: "يبدو الأمر كذلك، غير أنه ينبغي لكم جميعاً مع ذلك أن تشعروا بالامتنان لأن تيرانات ليست قريبة من جبال أاراكين بذات القدر الذي يقع عليه ذلك الطريق، وإلا لدفنت القرية تحت أقدام عديدة من الثلوج في الشتاء".
وأضاف: "على أية حال، سأرتد راجعاً نحو مسكني قرب أولريغا صباح الغد الباكر. لقد كدنا نفقد إحدى العربات بالأمس بسبب الثلوج اللعينة، وستتراكم الثلوج بغزارة على ذلك الطريق في الأيام القادمة. ولا رغبة لي في المجامرة بالمخاطرة بالعقوب هناك".
قال كيفاموس مؤمئاً: "حسناً لا بأس. أخبرني إذن بما جلبته هذه المرة، وسنفرغ بعدها من تسوية مدفوعاتك".