قال الخادم: "كما تأمر يا سيّدي."
وقف بارتباك بين المقبضين وبذل كل طاقته لرفعهما. بدا الأمر صسعباً في البداية لكن حين ارتفعت العربة أكثر فقد الخادم اتزانه فجأة لتحرك المقبضين بسرعة مفرطة. اضطر لترك المقبضين فوراً لئلا تنقلب العربة لتسقط على الأرض بصوت مكتوم. نظر إلى كيفاموس بحيرة بالغة ليبتسم الأخير ويوميء إليه ليحاول ثانية. أومأ الخادم بحزم وأخذ الوضعية نفسها ليرفع المقبضين هذه المرة بحرص أكبر.
ما إن فارقت الدعامات الحديدية الأرض حتى تأكد من اتزانه وأمسك المقبضين بإحكام ودفع العربة إلى الأمام لتتحرك بيسر.
هتف دوفاس: "لعلي أجن! إنها تعمل حقاً! شخص واحد يقوم بعمل حصان بكل سهولة!"
رد كيفاموس بابتسامة: "ماذا قلت لك؟"
ومع إطلالة الشتاء واقتراب الليل وُلدت آلة أخرى في قرية تيرانات. كان الطريق طويلاً نحو التقدم لكن هذه كانت خطوة موفقة في ذلك الاتجاه. أومأ هودان بتقدير بدوره.
"ستكون نافعة جداً لنا في المستقبل بلا شك إذ ستتيح لنا توظيف عدد الخيول المحدود حيث الحاجة الملحة حقاً لجر الأحمال الثقيلة حقاً."
كان الخدم والجواري المراقَبون ينظرون بذهول بالغ بعدما رأו رجلاً واحداً يجر بسهولة كمية الفحم التي كانت تتطلب حصاناً لجرها سابقاً. بعدما جرى الخادم بالعربة لنحو اثني عشر متراً دون مشكلات استدار بها وجرها عائداً نحوهم بابتسامة. اقترب من المنتظرين فخفض المقبضين ببطء ومشى نحو الآخرين.
قال وهو ينظر إلى كيفاموس بعجب: "إنها تعمل حقاً يا سيّدي! تعمل حقاً! تطلبت بعض الجهد لكنني ما كنت أظن أبداً أن بمقدوري جر كل ذلك الفحم وحدي!"
ابتسم للخدم والجواري الآخرين متباهياً: "ألم تدروا؟ أنا قوي كالحصان!"
ظل الخدم ينظرون بذهول بينما علقت إحدى الجواري المراقبات: "لا لست كذلك!"
لتنفجر بضع جواري أخريات ضاحكات. كان كيفاموس لا يزال يتأمل العربة بحنو حين بدأت جارية أخرى تصفق احتفالاً وفوراً شرع سائر الخدم والجواري بل وحتى بضعة حراس مناوبين ممن حضروا لرؤية الجلبة في التصفيق والهتاف أيضاً.
بعد قليل قال خادم آخر للأول: "دعني أُجرب أيضاً!"
ودون انتظار رد أخذ مكانه بين مقبضي العربة التي كانت لا تزال مليئة بالفحم وشرع يجرها أمامه كمن ينزه في سيارة رياضية فاخرة. نظراً لابتسامة ذلك الخادم العريضة بدأ بضع خدم آخرين إجراء قرعة بعيدان خشبية ليكونوا التاليين في تجربة جر العربة.
حدق سيدورون في العربة التي تحولت بطريقة ما إلى مصدر متعة نادر لسكان القصر وعلق متعجباً: "اختبرت العربة قبل إحضارها إلى هنا لأتأكد من متانة الدعامات لكن رؤيتها تعمل بهذا الاتجاه لا تزال تدهشني. كيف خطرت لك فكرة كهذه يا سيّدي؟ إنها بالغة البساطة ومع ذلك لم تفكر بها قط!"
قبل أن يرد كيفاموس قال جورسازو بابتسامة: "هذا ما يحدث حين يستخدم نبيل واسع الاطلاع عقله بشكل مثمر لمساعدة شعبه. أعلم مسبقاً أن عقل اللورد كيفاموس يزخر بالكثير من هذه الأفكار الإبداعية. وما هذا إلا مثال بسيط عليها!"
ابتسم كيفاموس بدوره داركاً أن جورسازو يستر عليه إذ كان معلمه يعلم استحالة إطلاع الآخرين على السبب الحقيقي لمعرفته.
بعد قليل وحين أخذ بضعة خدم دورهم في جر العربة ناداهم ليقتربوا وسألهم: "بعد أن رأيتم جميعاً أنها تعمل كما ينبغي أود أن أسال إن واجهتم أي مشكلات في استخدامها. أثمة ما ترون أنه قابل للتحسين؟"
كان تلقي الآراء من مستخدمي العربة الحقيقيين بمهارة يوازي في أهميته تفكيره في صنع هذه الآلة بالقرية.
اكتفى أغلب الخدم بهز أكتافهم قائلين إنها جيدة لكن خادماً شاباً قال: "يا سيّدي أيمكنني قول شيء؟"
ومع إيماءة كيفاموس تابع: "أعتقد أن المقبضين يجب أن يكونا أوطأ قليلاً مما هما عليه الآن. فلن تمثل مشكلة لمن يتطاول منا قامة لكنها ستكون أيسر بكثير لأغلبنا لو انخفض المقبضتان بضع بوصات فقط."
وما إن سمع الآخرون ذلك حتى بدءوا يولون رؤوسهم موافقين. دقق كيفاموس النظر في ارتفاع المقبضين وأدرك صحة الأمر تماماً.
وقال: "سيدورون هذه تحسين يجب أن تضعه في الاعتبار حين تصنع المزيد من العربات. يمكنك جعل الدعامات الحديدية أسفل الوعاء أقصر قليلاً. سيجعل ذلك المقبضين أوطأ وأيسر للجميع في جرهما."
قال سيدورون مومئاً: "بالتأكيد يا سيّدي. أعتقد أن ذلك كان خطئي. أنا فارع القامة وحين كنت أصنع تلك الدعامات الحديدية اتخذت قامتي مرجعاً عند تحديد الارتفاع. سأغير ذلك في العربات الأخرى وإن لم تكن بحاجة ماسة إلى هذه العربة فوراً فبمكاني غداً صباحاً إجراء التعديل عليها أيضاً. لن يستغرق الأمر طويلاً."
أومأ كيفاموس.
"إذن عليك فعله."
وتابع: "بغض النظر عن ذلك لا أرى مشكلات واضحة أخرى لذا حافظ على التصميم ذاته في الوقت الحالي. يبدو الوعاء الحديدي متيناً بما يكفي أيضاً. لكن عليك إرسال من يبلغ صانع متدرب تانيوك بصنع المزيد من العجلات الخشبية وعارضات الدعم ذات المقابض."
"سأفعل ذلك يا سيّدي."
وسأل سيدورون: "أتريد مني إذن صنع خمسة أخرى منها؟"
أومأ كيفاموس مجدداً.
"في الوقت الحالي. سيتعين علينا تقرير إن كنا بحاجة فعلية للمزيد بعدها."
وأضاف: "لكن قبل أن تذهب أردت أن أطلب منك صنع بضع مجامُر إضافية أيضاً. لسنا بحاجة إليها فوراً لكن مجمع البيوت الطويلة الأول وشك على الانتمال وسيتعين علينا البدء بنقل الناس إلى هناك خلال أسبوع. لذا أريد خمسة أو ستة مجامُر جديدة جاهزة بحينها. ولا داعي للقلق بشأن الحديد فلدينا وفرة منه لحسن الحظ."
رد سيدورون: "كما تشاء يا سيّدي. تلك المجامُر بسيطة بما يكفي لذا سأكلف بها متدرباً خلال يوم أو يومين. إن كان هذا كل شيء فسأستأذن الآن. أبحاجة لبعض الراحة اليوم بعد العمل طوال اليوم لإنجاز هذه العربة."
لوح كيفاموس مطرداً إياه وهو يراقبه بينما يتناوب خدم آخرون وحتى بضعة حراس على جر العربة. لم يسعه إلا الابتسام لرؤية بهجتهم البريئة بشيء بهذه البساطة. ومع ذلك لم يلبث دوفاس أن اضطر للأمرهم بالكف عن اللهو والعودة إلى العمل. تذمر الخدم لبرهة ثم ما إن علت الابتسامات الواسعة وجوههم حتى شرعوا فوراً في سحب القرعة مجدداً لتقرير من يحظى باستخدام العربة أولاً إذ سيعني ذلك قضاء وقت أطول مع الآلة الجديدة.
التقطوا ذات حزم العيدان التي سحبوا منها سابقاً ليسحبوا العيدان واحداً تلو الآخر مجدداً وبعد السحب كان ذلك الخادم الشاب هو صاحب العود الأطول وبصيحة فرح أخذ مكانه بين مقبضي العربة قبل أن ينطلق بها لملء المجامُر في القصر. أعلن خادم آخر ممن سحبوا العود الثاني أنه من سيأخذ العربة لملء المجامُر في ساحة سوق القرية وخارج القصر أيضاً إذ اقترب موعد وجبة المساء للأطفال والشيوخ.
وطالب صاحب العود الثالث بنوبة الصباح لنفسه لملء المجامُر وهكذا جرت العنان لبقية الخدم مطالبين بالنوبات اللاحقة حتى اضطر دوفاس لطردهم كي يبدأوا العمل. بينما كان كيفاموس يراقب الخدم والجواري وهم يهرولون في أرجاء القصر لإنجاز مهامهم قبل اشتداد برد الليل سمع جلبة جهة بوابات القصر. بدا الأمر كأن حشد القرويين المنتظرين لوجبة المساء يهتفون سعادة بشيء ما. فوراً أقبل خادم يركض نحوه بفرح.
أبلغ مبتسماً: "يا سيّدي! لقد عاد القوافل!"
هتف هودان: "أخيراً! كنت أبدأ بالقلق بشأن فيروي والآخرين في هذه الأثناء."
ابتهل دوفاس ناظراً إلى السماء: "حمداً للسيّدة! لقد استجابت حقاً لصلواتي بأن تمضي هذه الرحلة الثالثة بلا مشكلات في النهاية!"
نظر جورسازو إلى كيفاموس بابتسامة: "لقد كنا محظوظين حقاً يا سيّدي. حين وصلنا إلى تيرانات كان الحبوب الباقية في القصر تكفي بالكاد بضع أسابيع وبعد حصولنا على الحبوب من رحلتي القافلة ظننت أن ذلك كان أفضل بكثير. لكن بحبوب هذه الرحلة سنكون مستعدين تماماً للشتاء!"
أومأ كيفاموس بدوره بابتسامة رضا وهو يرى أولى العربات تخترق بوابات القصر.
"هذا صحيح تماماً يا جورسازو. سنتحدث مع بيداسو غدًا بالتفصيل لكن يبدو في الوقت الحالي وكأننا سنكون قادرين على بدء غرس البذور في الربيع. يبدو أن الثلج قد يبدأ بالتساقط في أي يوم لكنني ممتن لأنه أبطأ طويلاً بما يكفي لتعود القافلة دون مشكلات."
تدفقت بقية القافلة ببطء داخل القصر وبدأ الحراس يترجلون عن مقاعدهم بعد رحلة طويلة. استغرقت القافلة هذه المرة وقتاً أطول للعودة مقارنة بالرحلات السابقة لكن بدا لحسن الحظ أن العربات الثماني بأسرتها قد حضرت سليمة. وما إن رأى فيروي يهرول نحوه.
أبلغ بوجه متهلل: "يا سيّدي لقد عشنا! وكما وعدت أعدت القافلة سالمة."
وأضاف بابتسامة ماكرة: "ففي النهاية كانت تحمل جعتنا الثمينة ألا تعلم؟"
ضحك كيفاموس مع الآخرين رداً على ذلك. وكان الخدم والجواري القريبون يهمسون لبعضهم بسعادة متوقعين على الأرجح الحصول على ثلاث وجبات يومياً من الآن فصاعداً. كان شعور رؤية تلك الابتسامة النادرة على وجوه الجميع بعد الأشهر القليلة الماضية التي قضوها قرب حد الجوع رائعاً حقاً.
أومأ قائلاً: "هذا رائع حقاً لسماعه."
وأضاف بابتسامة خبيثة: "ولا تقلق ستحصل على جعتك الليلة بلا شك!"
هتف فيروي بابتسامة عريضة: "هذا ما كنت أنتظر سماعه يا سيّدي!"
وأضاف: "وبما أن هذه كانت رحلة القافلة الأخيرة قبل الشتاء فيمكن للحراس العائدين مع القافلة نيل بعض الراحة أيضاً."
قال كيفاموس مومئاً: "حقاً و يمكنك السماح بكوب من الجعة لهؤلاء الحراس أيضاً لكن ليس أكثر من ذلك. ولا جعة الليلة للحراس الذين لم يرافقوا القافلة هذه المرة إذ لا نريد سكر جميع الحراس في الوقت ذاته."
رد فيروي: "هذا صحيح حقاً. ورغم إدراك الحراس لضرورة جاهزية نصفهم على الأقل لن يحظى هذا القرار بشعبية."
أومأ كيفاموس.
"عليهم البقاء متأهبين في الخدمة الليلة حقاً لكن الضغط عليهم سينخفض كثيراً غدً بعد استعادة جميع حراسنا ولن يضطروا لتولي مهام مزدوجة بمثل هذا التكرار. ستكفي تلك الحقيقة لتهدئتهم."
قال فيروي مومئاً: "لا بأس يا سيّدي. سأحرص على ألا تقع مشكلات."
"جيد."
نظر كيفاموس إلى هودان: "عليك منح إجازة ليوم واحد للحراس الواصلين اليوم. فهم يستحقون ليلة راحة بعد السفر على تلك الطرق الباردة لأسابيع. ويمكنك إبلاغ الحراس المؤقتين الذين استأجرناهم بقدرتهم على العودة للعمل كعمالة غداً لكن أبقهم لليلة فحسب."
أومأ هودان: "بالتأكيد تلك فكرة سدية على أي حال."
التفت كيفاموس إلى فيروي مجدداً.
"كنا نتوقع عودة القافلة بالأمس. ما الذي سبب التأخير؟"