من لندن إلى اللورد — ساعة الحقيقة

اقرأ من لندن إلى اللورد — ساعة الحقيقة باللغة العربية على مانجا تايم.

استعد نوكوزال وثلاثة من اللصوص المتخذين وضعية القرفصاء قرب الجرف على الفور وشهروا سيوفهم. وألجم الرماة السهام في قوسهم أعلى الجرف. رأى كالوبو أن ابن عمه نوروبو كان في القافلة أيضاً حين توجهوا شمالاً. ماذا لو هاجم اللصوص القافلة حقاً؟ سهم واحد محظوظ قد يعنيه محروماً من آخر أفراد عائلته في هذا العالم. هز رأسه وحاول طمأنة نفسه بأن كل شيء سيمضي على ما يرام. كان يجب أن يحدث ذلك!

رأى بعد قليل أولى العربات تبدأ بالعبور على طريق التراب أمامه وسط تساقط الثلج المستمر. حدق في القافلة وبدت له مجدداً مؤلفة من ستة عشر رجلاً. بدا الجميع باستثناء واحد سيافاً متمرساً. ظهر الحراس مستعدين ومتأهبين لأي طارئ. وحده عرف الحقيقة المتمثلة في أنها مجرد خدعة. لكن اللصوص لم يعرفوا شيئاً عن ذلك. أليس كذلك؟ ربما رُبط كالوبو على بُعد ياردات قليلة عن الآخرين. لكنه بقي قريباً بما يكفي ليرى تعابير وجه نوكوزال.

أدار بصره بعيداً عن قافلة الحبوب العابرة أمامه وسط الثلوج المتساقطة ونظر إلى وجه زعيم اللصوص. بدا وكأن الدماء قد سحبت منه. لابد أن نوكوزال أدرك الآن أن البدين لم يكن يكذب وأن القافلة تضم بالفعل ستة عشر رجلاً مسلحاً بارتدائهم دروعاً جلدية بالية وبأظهرهم السيوف. والأهم من ذلك بدت القافلة محملة بالكامل مجدداً. لذا كان بإمكان اللصوص حصد غنيمة وفيرة لولا تحصين القافلة الشديد.

أدرك نوكوزال حتماً في هذه اللحظة استحالة مهاجمة القافلة. عجز كالوبو عن وصف مدى شعوره بالرضا. تتابعت العربات والخيول واحدة تلو الأخرى أمامه بينما بدا نوكوزال عاصراً قبضتيه بعنف يكفي لإسالة الدم. تراوح نظر اللصوص الآخرين بين وجه نوكوزال والقافلة مترقبين أي إشارة توجب عليهم مقاتلة هذا العدد من السيافين المتمرسين. أبصر بوضوح الرعب على وجه المشاكس الذي بدا خائفاً من أمر زعيم اللصوص بشن الهجوم برعونة.

سيغدو المشاكس لصغر حجمه بين أوائل القتلى في تلك الحالة. التفت كالوبو مجدداً نحو القافلة وتعرف إلى بعض الحراس بوصفهم عمال مناجم فحم حتى وقت قريب. علم بناءً على ذلك أن اختيار اللصوص للهجوم قد ينتهي بكارثة على القافلة. لكن مع استمرار مرور العربات اكتفى نوكوزال بصك أسنان قط. لم يصدح قط الصفير الذي انتظره سائر الحراس. غمرت كالوبو رغبة مفاجئة بلفت انتباه عربة تضم ابن عمه نوروبو وحارساً آخر حين رآها.

سيعود نوروبو والحراس الآخرون إلى قريتهم. وبامتلاك تيرانات ما يكفي من الحبوب على الأرجح لم يرغب كالوبو في البقاء يوماً إضافياً بين هؤلاء اللصوص. لكنه قمع تلك الفكرة بحزم فور وميضها في ذهنه. لن يفلح في لفت انتباه القافلة على أي حال ويداه وفمه موثوقتان. والأهم أنه أدرك حقيقة تلك القافلة. إن أفضى الأمر إلى معركة بين اللصوص المستعدين أصلاً للهجوم وحراس القافلة —الذين جهل أغلبهم فنون القتال— فلن تكون حظوظ القافلة وافرة.

والأهم من ذلك كله أدرك ما يعنيه ذلك لهيولا وغيره من قطاعي الحجارة في المحجر. لذا وضع حداً بلا رحمة لتلك الفكرة الأنانية والغباء الخالص. رأى مع تتابع العربات أمامه واحداً من حراس القافلة يبدو شبيهاً بمرتزق أكثر منه بحارس عادي بالنظر إلى نظرته الصلبة وعينيه الفولاذيتين. بدا الشخص غريباً جديداً على القرية لعدم تعرف كالوبو عليه إطلاقاً. نظر الحارس صوب الجرف حيث اختبأ اللصوص.

ظن للحظة أن الحارس سيراه بوضوح مع بقية اللصوص. توتر مخافة أن ينتهي قرار الحراس بالتوقف وقتال اللصوص بسوء على القافلة. لكن اللحظة انقضت بحمد الحظ وأعاد الحارس نظره للأمام ليتنفس كالوبو الصعداء أخيراً. حتماً كان هذا الحارس ذو العينين الفولاذيتين أعلم بحالة القافلة منه. وبتبين الندوب على وجهه في ومضات ضوء الشمس الأخيرة بدا مخضرماً في معارك عدة. لذا عرف سلفاً صنيعه في مواقف مماثلة سيما إن أدرك وجود كمين يتربص بهم هنا.

أدرك كالوبو ضآلة هذا الاحتمال نظراً لحرص اللصوص البالغ على التخفي عن أعين المارين بالطريق. لكن ذلك لم يمنع عودة القلق إليه. تجاوزتهما العربة الثامنة وانقضت معها آخر فرصة لابتدار الكمين. خطة محكمة بمهاجمة العربة الأخيرة من جهتين رفقة الرماة وسيافي اللصوص. وقد باءت بالفشل قبل أن تشرع حتى. وكل ذلك بسبب شخص في تيرانات خاض مغامرة جريئة للغاية. صحيح أن الأمور كادت تسوء كثيراً بالنسبة للقافلة لكن النتيجة النهائية أثبتت نجاح تلك المغامرة باقتدار.

سرّه أيضاً معرفة إسهام تلك الحبوب الوفيرة في إطعام القرية طوال الشتاء. غمرت كل تلك التفاصيل كالوبو برضا عميق! ليته كان في القرية حين عادت القافلة مظفرة بعد نجاة أغلب عمال المناجم المتخفين في زي حراس من فم الموت بأعجوبة. تملك كالوبو شعور عارم بالضحك صاخباً جراء عبثية الموقف حين أبصر الغضب على وجه نوكوزال لفشله. لكنه نجح بطريقة ما في كبح أي تعبير خارجي. غابت القافلة كلياً عن الأنظار وهوى نوكوزال بسيفه في الأرض.

هتف: "اللعنة! اللعنة على كل شيء! كيف بحق الجحيم حدث هذا!"

طفق زعيم اللصوص يلعن كل شيء فوراً من اللصوص إلى القافلة وحراسها وكل الموجودات. لم يلبث اللصوص المختبئون على الطرف الآخر من الطريق أن حضروا لاستطلاع ما جرى.

صاح نوكوزال فور رؤية البدين عائداً من الطرف الآخر: "كيف بحق الجحيم حظيت تلك القرية اللعينة بهذا الفيض من الحراس الفائضين؟ ظننتهم سبعة أو ثمانية حراس على الأكثر!"

تحدث المشاكس برقة: "أخبرتك عنهم يا سيّدي."

زجره نوكوزال: "اخرس! أخبرتني أن القافلة تضم اثني عشر رجلاً. ثم أخبرني البدين بأنهم ستة عشر. ولربما أخبرني أحدهم لاحقاً بمرافقة ثلة من الفرسان للقافلة! بمن كان عليّ أن أثق إذن؟"

عبس وقال: "أعلم أنكم جبناء لذا ظننتكم تبالغون في العدد تهرباً من القتال! بيد أن الباقين عدا عجوز بدين لم يخض معركة في حياته قط بدا وكأنهم حراس متمرسون اللعنة!"

رد المشاكس: "لكنا تقاتلنا لو أمرتنا يا سيّدي. فالمجازفة بنيل بعض الحبوب أهون من الهلاك جوعاً على أي حال. لكن استطاعتنا مواجهة أولئك الستة عشر وحدنا محال."

رمق نوكوزال الجميع بنظرة حارقة متسائلاً: "كيف أغارت جماعة طورهان على تلك القرية بمثل هذه السهولة إذاً؟ إن كانت القرية تمتلك حقاً هذا العدد الفائض من الحراس فأين خبأوهم عند غارة رجال طورهان!"

أجاب البدين: "نعلم أن جماعة طورهان كبيرة وتفوقنا حجماً وتمتلك خيولاً أكثر بكثير. فلربما هاجموا بعدد أكبر منا بكثير؟"

همهم نوكوزال وحدق في كالوبو مطولاً.

"أظنك لم تكتف بمجرد ترهيبي لإنقاذ حياة أصدقائك حين أخبرتني بكثرة حراس القرية. لكن لِمَ تعجز قريتك عن الدفاع عن نفسها في وجه تلك الغارة إن كانوا يملكون هذا العدد من الرجال حقاً؟"

انتاب كالوبو قلق بالغ طوال الأيام الفائتة هنا خشية تركه موثوقاً في حال فشل الكمين. فإما أن يتجمد حتى الموت أو يهلك جوعاً لعجزه حتى عن الاستعانة بالحراس الآخرين بعد تغطية فمه بقطعة قماش. جهل أيهما أهون عليه. لذا توجب عليه استغلال هذه الفرصة النادرة لكسب رضى زعيم اللصوص دون كشف نقاط ضعف القرية التي قضى جل عمره فيها. استجوبوه بشأن تيرانات يوم وقوعه في أسر اللصوص قبل أسابيع عدة.

وبالغ حينها بتقدير أعداد حراس القرية لإدراكه أن أي غارة لصوصية جديدة ستترك القرويين يواجهون الموت جوعاً لا محالة. لكنه جهل آنذاك مدى نفع تلك الخدعة مستقبلاً. وهو اليوم الوحيد الذي أدرك الحيلة المتقنة التي حبكتها القرية لإظهار قدرتها المريحة على توفير هذا العدد من السيافين المتمرسين لمرافقة القافلة. وجهل اللصوص شيئاً من ذلك. ولم ينوه لتصحيح افتراض اللصوص الخاطئ. وجب عليه بذل قصارى جهده لعرض الأمر بطريقة تكفل سلامة ابن عمه وأصدقائه.

بقيت قطعة القماش مشدودة على فمه فحاول الكلام دون أن يفلح سوى في إصدار أصوات مكتومة. تحرك أحد اللصوص لفك القماش بإشارة من نوكوزال مع إبقائه موثوقاً بالشجرة. تنفس بصورة سليمة على الأقل الآن.

أمر زعيم اللصوص: "تكلم!"