⟦1꒱ قالَتِ السَّيِّدَةُ: "لَقَدْ تَأَخَّرْتَ".
كانَتْ جالِسَةً عَلى جِذْعِ شَجَرَةٍ مَيِّتٍ بَيَّضَتْهُ أَمْواجُ البَحْرِ، واضِعَةً رِجْلاً فَوْقَ أُخْرى.
"كِدْتُ أُعْلِنُ مَوْتَكَ مَرَّةً أُخْرى".
وَقَفَ آرُونُ أَمامَها يَلْتَهِطُ أَنْفاسَهُ، وَقَدْ أَلْقى بِقُبْعَةِ رِداءِ الأُيَيِّلِ عَلى ظَهْرِهِ.
قالَ: "أَتَعْلَمينَ؟ أَظُنُّ أَنَّ لَنا مُشْكِلَةً حَقِيقِيَّةً مَعَ التَّنانِينِ".
قالَتْ وَهِيَ تَنْهَضُ: "لَيْسَ هُنا".
ثُمَّ أَبْرَزَتْ: "تَعالَ، دَعْنِي أُعَرِّفُكَ بِهِمْ".
كانوا عَلى بُعْدِ أَمْيالٍ قَليلَةٍ جَنوبَ مَفْرِقِ المِلْحِ، عَلى شاطِئٍ رَمْلِيٍّ تَكْنُفُهُ الغابَةُ والأَمْواجُ. عَلى بُعْدِ خَطَواتٍ، رَقَدَتْ مَجْموعَةٌ مِنْ فَصائِمِ البَحْرِ عَلى نَجْفَةٍ صَخْرِيَّةٍ بالقُرْبِ مِنَ الماءِ، وَرَقَدَ بَعْضُ الصِّغارِ البَيْضِ الزُّغْبِ بِجانِبِ أُمَّهاتِهِمْ — أَوْ يُحاوِلُونَ التَّسَلُّقَ فَوْقَها. وَقْرُباً مِنْ هُناكَ، كانَ أَعْلَى الرُّتْبِ قَدْراً مِنْ فِيلَقِ الصَّحْوَةِ المُتَأَخِّرَةِ، عَشَراتٌ قَليلَةٌ إِجْمالاً.
بَعْضُهُمْ جالِسٌ يَتَحادَثُ، وبعضُهُمْ يَخوضُ في اليَمِّ يَبْحَثُ عَنِ المَحارِ بَيْنَ الأَمْواجِ المُتَكَسِّرَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَسْحَبُ الجُذوعَ الخَشَبِيَّةَ عَلى الرَّمْلِ لِإِقامَةِ نارٍ، كَأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ مِنْ طولِ كومَتِهِمِ النامِيَةِ تَحَدِّياً. وَهُناكَ، كانَتْ مَجْموعَةٌ تُجَمِّعُ الأَغْصانَ الرَّقيقَةَ لِتَصْنَعَ أَقْبَحَ رَجُلِ قَشٍّ رَآهُ آرُونُ في حياتِهِ، وَسْطَ كَثِيرٍ مِنَ السُّخْرِيَّةِ مِنْ مَهاراتِ الصّانِعِ الرَّئِيسِيِّ.
نارُ شُعْلَةٍ ورَجُلُ قَشٍّ: مَحْرَقَةٌ وَتِمْثالُها. وَهذا ما فَسَّرَ الجَوَّ الِاحْتِفالِيَّ؛ مَنْ لا يُحِبُّ إِحْراقاً زائِفاً جَيِّداً؟ تَرَكَ مُعْظَمُ أَعْضاءِ الصَّحْوَةِ المُتَأَخِّرَةِ أَحْذِيَتَهُمْ خَلْفَهُمْ، لِيَغْمِسوا أَصابِعَ أَقْدامِهِمْ فِي الرَّمْلِ أَوْ كَيْ لا يُتْلِفُوا الجِلْدَ الجَيِّدَ فِي الأَمْواجِ. وَلَمْ يَنْزِعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَرْدِيَتَهُ.
لَيْسَ هُنا، هكَذا قالَتِ السَّيِّدَةُ، وَبالنَّظَرِ إِلى الحُراشِفِ والرِّيشِ والفَرْوِ الحَولَهُ، لَمْ يَجِدْ آرُونُ صُعوبَةً تُذْكَرُ في تَصْدِيقِ أَنَّ هذا التَّجَمُّعَ قَدْ يَكونُ شَرّاً أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِهِ لِتِنِّينٍ. كانَتِ السَّيِّدَةُ تَرْتَدِي العَنْقاءَ البَيْضاءَ الَّتِي اصْطَفَتْها مُنْذُ بَدْءِ الرَّبِيعِ. بَدا جِلْدُ غَزالِهِ الخَاصُّ باهِتاً بَعْضَ الشَّيْءِ بالمُقارَنَةِ.
رُبَّما كانَ عَلَيْهِ التَّخَلِّي عَنِ التَّخَفِّي، وَارْتِداءُ رِداءٍ يَجْعَلُ قَتْلَهُ أَصْعَبَ.
"مِنَ المُهِمِّ أَنْ تَدْعُوَ عامِلاً مُتَدَرِّباً"، قالَ رَجُلٌ تَكْسُو كَتِفَيْهِ فَرْوَةٌ ذَهَبِيَّةٌ وَرِيشٌ داكِنٌ لِعَنْقاءِ قارّيَّةٍ.
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "أَثِقُ بِهِ في هذا".
قالَ آرُونُ: "شُكْراً"، بِالنَّبْرَةِ نَفْسِها الَّتِي يَسْتَحِقُّها مِثْلُ هذا الثَّناءِ.
أَعادَ الرَّجُلُ قائِلاً: "مِنَ المُهِمِّ".
ثُمَّ ابْتَسَمَ ابْتِسامَةَ مَنْ يَرَى نَفْسَهُ ذَكِيّاً.
"أَتَأْتيكَ مَشاعرُ سَيِّئَةٌ؟"
أَكْثَرُ ذَكاءً. بَسَمَ الرَّجُلُ بِخُبْثٍ أَكْبَرَ أَمامَ نَظْرَةِ آرُونُ الحاقِدَةِ. قامَتِ السَّيِّدَةُ بِجَوْلَةٍ مَعَهُ. كانَ هُناكَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الأَسْماءِ التَّي يَجِبُ مَعْرِفَتُها فَجْئَةً. ثُمَّ وُضِعَ في العَمَلِ، مُساعِداً في سَحْبِ الجِذْعِ الَّذِي كانَتِ السَّيِّدَةُ جالِسَةً عَلَيْهِ مِنْ حافَةِ الكُثْبانِ المُعْشِبَةِ إِلى المَحْرَقَةِ المُتَنامِيَةِ باطِّرادٍ.
أَبَتِ السَّيِّدَةُ المُساعَدَةَ — "ما فائدةُ المُتَدَرِّبِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّوْكيلِ؟"
— وَالتَقَطَتْ بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ زُهوراً رَقيقَةً مِنْ حافَةِ الغابَةِ.
بِجَهْدٍ أَخِيرٍ، وَصَلوا بِالجِذْعِ إِلى قِمَّةِ المَحْرَقَةِ. وَهِيَ مَكانٌ لا يَلِيقُ بِحَجْمٍ كَهذا فِعْلاً، لَكِنَّ آرُونُ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ هذا تَمْرِينٌ لِبِناءِ نارٍ كُفْءٍ. خُصوصاً عِنْدَ وُجودِ نارِ طَبْخٍ أصغَرَ قائِمَةٍ بِالفِعْلِ، تُشْوِي المَحارَ وَبَعْضَ السَّرَطانانِ بَيْنَ الحِينِ والآخَرِ.
سَأَلَتِ امْرَأَةٌ ذاتُ رِداءٍ أزْرَقَ مُحَرْشَفٍ كَفَرْخِ تِنِّينٍ: "أَتَظُنُّ أَنَّنا نَسْتَطيعُ سَحْبَ ذَلِكَ إِلى هُناكَ؟"
أَجابَ رَجُلٌ يَرْتَدِي ثِياباً خَضْراءَ مُحَرْشَفَةً بِشَكْلٍ مُماتِلٍ، وَهُوَ يَلْوِي ظَهْرَهُ: "تِلْكَ شَجَرَةٌ كامِلَةٌ. أَلَا تَرَيْنَ أَنَّنا نُبالِغُ؟"
رَدَّتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "لا وُجودَ لِمِثْلِ هذا".
نَظَرَ آرُونُ إِلَيْها. ثُمَّ إِلَى المَحْرَقَةِ خَلْفَها، وَالَّتِي كانَتْ أَطْوَلَ مِنْها بِالفِعْلِ. أَدْرَكَتْ ما يَنْوِيهِ، فَأَشارَتْ إِلَيْهِ.
"بلا حَماقَةٍ مِنْكَ، أيُّها المُتَدَرِّبُ".
أَجابَ آرُونُ بِسُخْرِيَّةٍ مَرْحَةٍ: "لا حَماقَةَ إِطْلاقاً".
قالَتْ: "هذِهِ المَحْرَقَةُ لِلْبَشَرِيَّةِ. أَلَا يَسْتَحِقُّونَها؟"
"هُمُ؟"
بِالقُرْبِ مِنْهُما، كانَتِ امْرَأَةٌ أُخْرى تَفْتِلُ حَبْلَ عُشْبٍ أَخِيرَ مُضَفَّرٍ حَوْلَ جَبْهَةِ رَجُلِ القَشّ، لِتَمْنَعَ رَأْسَهُ مِنَ التَّفَكُّكِ إِلى أَغْصانٍ كَثيرَةٍ.
قالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ، مُشِيرَةً بِإصْبَعِها إِلى التِّمْثالِ: "هذِهِ هِيَ البَشَرِيَّةُ".
قالَتِ المَرْأَةُ التِّي تَقومُ بِالفَتْلِ: "أَوْ نارَانِ. حَسَبَ مَنْ تَسْأَلُ".
سَأَلَ آرُونُ: "...لِمَ؟"
قالَتِ الفاتِلَةُ: "إنَّها طُرْفَةٌ".
سَأَلَ آرُونُ: "مَا الطُّرْفَةُ؟"
قالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "لا عِلْمَ لِي. لَمْ يَشْرَحْ قائِدُنا الأَخِيرُ، وَلا سَيِّدَتُنا أَيْضاً".
قالَتِ الفاتِلَةُ وَهِيَ تَعْقِدُ عُقْدَتَها: "لِلْعَدْلِ، لا أَظُنُّ أَنَّ إيريسَ شَرَحَها لِأَيٍّ مِنْهُما. وَهذا ما يَحْدُثُ عِنْدَما تُديرُ الأَمْرَ هِرَّةٌ".
إيريسُ ذُو الرُّمْحِ الثّلاثِيِّ الأَحْمَرِ؛ رَجُلُ اسْتِخباراتِ المَلِكَةِ أَدْناتَ ذُو الفَرْوِ الصَّهْباءِ. لا بُدَّ أَنَّ هذا حَدَثَ قَبْلَ مَوْتِ المَلِكَةِ الأَخِيرَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَغْرَقَ ابْنُها الهِرُّ. بَدَأَ المَلِكُ ريليانُ أَوامِرَ إِعْدامِهِ قَرِيباً مِنْ بَيْتِهِ. وَكانَ هذا كُلُّهُ قَبْلَ وِْلادَةِ آرُونُ بِفَتْرَةٍ غَيْرِ قَصِيرَةٍ.
قالَ آرُونُ: "لا بُدَّ أَنَّ السَّيِّدَةَ كانَتْ صَغيرَةً عِنْدَما انْضَمَّتْ، إنْ كانتْ قَدْ قابَلَتْ إيريسَ".
ابْتَسَمَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ، وَالتَفَتَتْ لِتَصْرُخَ: "هَيْ، أَدِي، كَمْ كانَ عُمْرُكِ عِنْدَما انْضَمْتِ؟"
أَجابَتِ السَّيِّدَةُ، وَهِيَ لَمْ تَكُنْ بَعيدَةً بِالقَدْرِ الَّذِي يُبَرِّرُ الصّراخَ: "مُضْحِكٌ. لَا تَبْدُو مِثْلَ لِيامَ. وَأَظُنُّني أَذْكُرُ أَنَّهُ كانَ الوَحيدَ الَّذِي يَمْلِكُ — الَّذِي كانَ يَمْلِكُ الإِذْنَ لِمُنادَاتِي بِذَلِكَ".
"أَعْتَذِرُ بِأَصْدَقِ ما أَمْلِكُ. إِذاً كَمْ كانَ عُمْرُكِ، أَدِيجوانْجا؟"
...أَدِيجوانْجا. وَهُوَ لَيْسَ أَديلَيْدَ، بِنَفْسِ الطَّريقَةِ الَّتِي لا تَكونُ بِها جيسيكا جِشِينْكْرا، وَلا جوناتانُ جَحْنامِسْتِرِينَ.
أَجابَتِ السَّيِّدَةُ، وَنَسيمُ البَحْرِ يَعْبَثُ بِشَعْرِها الأَشْقَرِ المَنْعِلِيِّ: "أَقَلُّ بِبِضْعِ سِنِينَ مَمّا أَنا عَلَيْهِ الآنَ".
لَمْ يَسْتَطِيعوا، كَمَا اتَّضَحَ، حَمْلَ شَجَرَةٍ كامِلَةٍ عَلى المَحْرَقَةِ المَبْنِيَّةِ سَلَفاً. لَكِنَّهُمْ اسْتَطاعوا سَحْبَ عِظامِها المُبَيَّضَةِ بالشَّمْسِ الخالِيَةِ مِنَ القِشْرِ لِتَكُونَ مَكَاناً مُمْتازاً لِلْجُلوسِ. التَقَطَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ مَقْعَداً عَلى أَحَدِ الأَفْرُعِ الأَكْثَرِ متانَةً الباقِيَةِ، عَلى ارْتِفاعِ أَقْدامٍ عِدَّةٍ فَوْقَهُمْ جَمِيعاً.
جَلَسَ آرُونُ مَعَ السَّيِّدَةِ عَلى الرَّمْلِ، وَجِذْعُها المُحْتَرَمُ مُسْنَدٌ ظَهْرِيٌّ ممتازٌ، وَناوَشَها بالمُعَجَّناتِ التَّي انتَزَعَها مِنْ أَجْلِها. ابْتَسَمَتْ وَلَمْ تَأْخُذْ واحِدَةً؛ فَكَانَتْ يَداها ما زالَتا مَشْغولَتَيْنِ بالحِياكَةِ. لَمْ يَمْنَعْ هذا الآخَرِينَ حَوْلَهُمْ مِنْ أَخْذِ حَاجَتِهِمْ. التَقَطَ رَجُلٌ يَارْتَدِي رِداءً ذا فَرْوٍ رَْمادِيٍّ لا يَعْرِفُ آرُونُ فَصيلَتَهُ واحِدَةً.
اهْتَزَّ الجِذْعُ قليلاً عِنْدَما جَلَسَ.
قالَ: "إِذاً أَنْتَ الفَتى صاحِبُ المَشاعرِ السَّيِّئَةِ. لا أَسْتَطيعُ العَمَلَ مَعَ أَيِّ مِيلِيشْيا دونَ أَنْ أُسْأَلَ عَمّا إِذا كانتْ لَدَيَّ مَشاعرُ سَيِّئَةٌ. قُلْتُ لَهُمْ نَعَمْ مَرَّةً عَلى سَبِيلِ الطُّورَةِ، فَانْكَسَرَ وَتَرُ مَنْجَنِيقٍ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَكادَ يَقْلَعُ عَيْنَ رَجُلٍ. والآنَ يَجْعَلُونَني أَمْشِي فِي البَلْدَةِ كُلَّ صَباحٍ كَأَنّي كَلْبُ صَيْدٍ لِلْمَكْسورِ. وَهُوَ ما يَجِبُ أَنْ أَسْتَنْتِجَ أَنَّهُ خَطَؤُكَ بالكامل".
قالَ آرُونُ، وَهُوَ يَأْخُذُ واحِدَةً مِنَ المُعَجَّناتِ لِنَفْسِهِ: "اسْتِنْتاجٌ مُتْمِعٌ. يَكْفِي لِيَجْعَلَ الرَّجُلَ يُحِسُّ بِمَشاعرَ سَيِّئَةٍ".
فِي الصَّمْتِ الَّذِي تَلَى، قَضَمَ قِطْعَةً. وَمَضَغَ. عِنْدَما انْدَفَعَ الرَّجُلُ ضاحِكاً — مَعَ بَعْضِ الأَشْخاصِ الآخَرينَ الَّذِينَ كانوا قريبينَ بِما يَكْفِي لِلسَّماعِ — سَمَحَ آرُونُ لِشَفَتَيْهِ بِأَنْ تَبْسُما ابْتِسامَةً جانِبِيَّةً. كانَ يَتَوَقَّعُ عَمَلاً أَكْثَرَ واجْتِماعِيَّةً أَقَلَّ في هذا اللِّقاءِ. لَكِنَّ هذا لَمْ يَكُنْ سَيِّئاً. بَدَأَتِ المَشْروباتُ تَنْتَقِلُ، وَأَوَّلُ المَحارِ.
اقْتَرَبَ بَعْضُ فَصائِمِ البَحْرِ، عَبْرَ الرَّمْلِ أَوِ اليَمِّ، وَرَمَى الطَّبّاخُ بَعْضَها نَحْوَهُمْ. قامَ أَحَدُ الصِّغارِ بِأَقْصى ما بوسعِهِ لِلتَّسَلُّلِ نَحْوَ المُعَجَّناتِ، كَأَنَّ فَرْوَهُ الأَبْيَضَ وَكُلَّ ذَلِكَ الوُقوعِ البَطْنِيِّ لَمْ يَكُونا مَلْحوظَيْنِ بِأَيِّ شَكْلٍ.
هَمَسَ آرُونُ: "هَلِ المُعَجَّناتُ آمِنَةٌ لَهُمْ؟"، فَتَلَقَّى إِشارَةً بِيَدِ السَّيِّدَةِ تَعْنِي نَعَمْ أَوْ قَريبَةً مِنْ ذَلِكَ، فَأَشارَ قَصْداً إِلى أَيِّ مَكانٍ سِوى الحَلْوَيَاتِ المَوْضوعَةِ عَلَى الجِذْعِ خَلْفَهُمْ بَيْنَما قَضَمَ الصَّغِيرُ واحِدَةً.
وَإِذْ غَلَبَ الطَّمَعُ كُلَّ حَذَرٍ مُتَبَقٍّ، أَلْقَتْ بِقُبْعَةِ رِدائِها الأَبْيَضِ إِلى الوَراءِ لِتَسْرِقَ أُخْرى بِكُلِّتا يَدَيْها. انْدَفَعَ جُرْوُ الفَصيمَةِ — مِعْواجاً عَلى الرَّمْلِ بِرِجْلَيْنِ لَمْ يَكُنْ أَرْشَقَ مِمّا كانَ عَلَيْهِ بِبَطْنِهِ — وَاحْتَنَى إِلى جانِبِ أُمِّهِ المُسْتَدِيرِ لِيَسْتَمْتِعَ بِصَيْدِهِ. صَيّادٌ ماكِرٌ، ذاكَ. كانَتِ السَّيِّدَةُ قَدْ أَنْهَتْ تاجَ الزُّهورِ الخَاصَّ بِها.
بَقِيَتْ لَدَيْها زَهْرَةٌ أَخِيرَةٌ مِنْ جُهودِها؛ فَأَدْخَلَتْها خَلْفَ أُذُنِها، تَحْتَ دَبّوسِها المُمَسَّخِ مِنَ الهِرِّ السِّيدْهِيِّ مُباشَرَةً. ثُمَّ مَدَّتْ يَدَها إِلى المَكانِ الَّذِي كانَتْ فيهِ المُعَجَّناتُ وَرَبَّتَتْ عَلى المِنْديلِ الفارِغِ الَّذِي كانَ طَبَقَهُمْ. واسْتَمَرَّ الصَّغِيرُ يُمَزِّقُ فَرِيسَتَهُ بِغُرورٍ. تَجَمَّعَتِ الصَّحْوَةُ المُتَأَخِّرَةُ في دائِرَةٍ مُرْتَخِيَةٍ، الآنَ.
هؤلاءِ هُمْ أَعْضاؤُهُمُ الأَكْثَرُ خِبْرَةً، قادَتُهُمْ؛ أُولئِكَ الَّذِينَ يُمْكِنُ الاسْتِغْناءُ عَنْهُمْ مِنَ المَيْدانِ، عَلى أَيِّ حالٍ. كانَ آرُونُ الأَصْغَرَ سِنّاً بِكَثيرٍ. لَمْ يَجْهَدوا لِإِدْراجِهِ في مُحادَثاتِهِمْ. وَلَمْ يَجْهَدوا لِإِقْسائِهِ أَيْضاً. كانَ عَلى ما يُِرامُ، مُسْتَنِداً بِظَهْرِهِ إِلى جِذْعِ الشَّجَرَةِ وَمُصْغِياً بَيْنَمَا السَّماءُ تَمُرُّ بِالوَرْدِيّاتِ والبُرْتُقاليّاتِ كَتِنِّينٍ يَخْتَبِرُ حُراشِفَهُ.
لَمْ يَأْخُذْ أَيّاً مِنَ المَحارِ. أَوْ المَشْروبِ. كُلُّ ما فَعَلَهُ أَنَّهُ أَخْرَجَ رَغيفَ خُبْزٍ مِنْ جَيْبِ حُجْرَتِهِ، وَتَرَكَ طَرَفَهُ عَلى الجِذْعِ بِجانِبِهِ بَيْنَمَا تَناوَلَ عِشاءَهُ. سِرْعانَ ما جاءَ جُرْوٌ آخَرُ لِيَسْرِقَهُ، وَبَدا سَعيداً بِغَنيمَتِهِ مِثْلَ الفَتاةِ مَعَ غَنيمَتِهِ. كانَتِ البَشَرِيَّةُ تَكْتَسِبُ مُلْحَقَاتٍ. رِداءً، حِذاءً مُفْرَداً، إِبْزيمَ حِزامٍ بِلا حِزامٍ.
كانَ التِّمْثالُ يَمُرُّ عَبْرَ الدَّائِرَةِ كَصَدِيقٍ قَدِيمٍ جاءَ لِيُخالِطَ، قاضِياً وَقتاً طَوِيلاً وَذِراعاهُ مُتَدَلِّيَتانِ عَلى كَتِفَيْهِ مِثْلَما كانَ مُسْتَنِداً عَلى مُسْتَنَداتِ الظَّهْرِ المُخْتَلِفَةِ. وَضَعَ أَحَدُهُمْ قُشورَ مَحارٍ فِي وَجْهِهِ لِتَكونَ عُيُوناً، لَكِنَّها لَمْ تَثْبُتْ جَيِّداً. واعْتَنى آخَرُ بِرَبْطِ كَأْسِ نَبِيذٍ بِيَدِهِ — كَأْسَ النَّبِيذِ الوَحيدَةَ الحاضِرَةَ، إِذْ كانوا يُتَاداوُونَ الزُّجاجاتِ فَحَسْبُ — وَمَلْئِها حَتّى حافَتِها.
وَتَوَلَّى الجَميعُ مَهِمَّةَ مَنْعِ الكَأْسِ مِنَ المَيَلانِ بَيْنَمَا قامَ صَديقُهُمُ الغُصْنِيُّ بِجَوْلاتِهِ. عِنْدَما وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ، وَضَعَتِ السَّيِّدَةُ تاجَ الزُّهورِ عَلى رَأْسِهِ، وَاعْتَدَلَتْ إِحْدى عَيْنَيْهِ، وَشَرِبَتْ رَشْفَةً مُباشَرَةً مِنْ كَأْسِ نَبِيذِهِ، وَسْطَ صُراخِ الرَّفْضِ شِبْهِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْ أَتْباعِها.
قالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "خُذْ شَرابَكَ الخاصَّ".
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "أَلَيْسَتِ البَشَرِيَّةُ ذاتَ طَبيعَةٍ طَيِّبَةٍ وَكَريمَةٍ؟"
سُرعانَ ما صودِرَ التِّمْثالُ مِنْها.
قالتِ امْرَأَةٌ أُخْرى، وَهِيَ تَميلُ إلى الامامِ في دائرَتِهِمُ الواسِعَةِ لِتَرْى آرُونُ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ ثُمَّ تُحَوِّلُ نَظْرَتَها إِلى السَّيِّدَةِ: "الحَدِيثُ عَنِ الطَّبائِعِ الطَّيِّبَةِ وَالكَرِيمَةِ... أَنْتِ مَعَ مُتَدَرِّبٍ؟ حَقّاً؟"
قابَلَ هذا تَصْرِيحاتٌ عامَّةٌ بالمُوافَقَةِ، وَتَهْنِئَاتٌ قَليلَةٌ لِآرُونُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَيِّتٍ. لَقَدْ بَدا لَهُ أَنَّ الأَمْرَ أَقَلُّ تَصَدِّياً لِمَوْتٍ مِنْ خَطَرٍ، وَأَكْثَرُ شَبَهاً بِنَبْتَةِ مَنْزِلٍ بِلا جِنِّيِّ بَيْتٍ لِيَتَذَكَّرَ سِقايَتَها عِنْدَما يَنْسى صاحِبُها. كانَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ قَدْ نَزَلَتْ مِنْ فَرْعِها. وَحَصَلَتْ عَلى البَشَرِيَّةِ أَيْضاً، وَدَعَمَتْها بِذِراعٍ حَوْلَ كَتِفَيْها وَالأُخْرَى فَوْقَ كَتِفِ آرُونُ.
تِلْكَ الَّتِي مَعَ كَأْسِ النَّبِيذِ، كَأَنَّ مِعْطَفَهُ المِسْكينَ لَمْ يَكُنْ فِي خَطَرٍ كافٍ مُؤَخَّراً. ثَبَّتَ الشَّرابَ.
قالَتِ السَّيِّدَةُ وَهِيَ تَقْطِفُ قارورَةً مِنْ يَدِ أَحَدِهِمْ: "أَشْكُرُكُمْ جَمِيعاً عَلى دَعْمِكُمْ".
قالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "لا أَظُنُّكِ تُفَكِّرينَ في أَخْذِ غَيْرِهِ".
شَرِبَتِ السَّيِّدَةُ مَرَّةً أُخْرى، وَحاجِبٌ واحدٌ مَرْفوعٌ.
قالَتِ المَرْأَةُ: "إِنْ كُنْتِ لا تُريدينَها..."
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "لَيْسَتْ مَقْصودَةً لِتَكونَ فِي الصَّحْوَةِ المُتَأَخِّرَةِ"، وَهُنا أَدْرَكَ آرُونُ أَنَّهُما كانَتا تَتَكَلَّمانِ عَنْ رُوز.
ضَغَطَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "لَنْ تَكونَ الأُولى المُوَسْمَةَ مِنَ الجِنِّ الَّتي نَمْتَلِكُها. وَلَيْسَ الأَمْرُ كَأَنَّهُ سَيُهِمُّ، خارِجَ الجزيرَةِ".
أَعادَتِ السَّيِّدَةُ: "لَيْسَتْ مَقْصودَةً لِتَكونَ فِي الصَّحْوَةِ المُتَأَخِّرَةِ، لِأَنَّها كانَتْ تَعْبَثُ فِي مَكْتَبَةِ القَلْعَةِ. الطَّبْعَةُ الأُولى والثّانِيَةُ، أَتَفْهَمُونَ. أُوقِنُ تَماماً أَنَّها السَّبَبُ في صُمودِ الحُجُباتِ ضِدَّ رُباعِيّاتِ الأَذْنابِ الخَرِيفَ الماضِي".
شَهَقَتِ المَرْأَةُ نَفَساً.
"حَسَناً. إِذاً. يَجِبُ أَنْ نَتْرُكَها لِذلِكَ. مَنْ كانَتْ فِكْرَةَ وَضْعِها مَعَنا؟"
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "فِكْرَتُها".
ضَحِكَتِ المَرْأَةُ.
"حَسَناً. هُناكَ واحِدَةٌ أُخْرى لَكِ، بِدَمٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ بِدونِهِ".
عِنْدَ نارِ الطَّبْخِ، كانَ أَحَدُ الفَصائِمِ البالِغَةِ قَدْ تَمَدَّدَ طَريقَهُ، وَيُحاوِلُ بِفَخْرٍ دَفْعَ شَيْءٍ كَبيرٍ جِدّاً ذي جَوانِحَ كَثيرَةٍ لِيَرْمِيَهُ عَلى مَنْ يَعْتَنِي بِالنّارِ.
قالَ الرَّجُلُ المَعْنِيُّ: "ماذا تَتَوَقَّعُ مِنّي أَنْ أَفْعَلَ بِهذا؟ أُنْظُرْ، لَقَدْ جَعَلْتَهُ كُلَّهُ رَمْلاً".
ذَبُلَ الفَصيمُ.
قالَ الرَّجُلُ، مُشِيراً بِالعَصا التِّي اسْتَخْدَمَها لِقَلْبِ الصَّدَفِيّاتِ إِلى العُيونِ تِلْكَ: "لَا تُعْطِنِي تِلْكَ العُيونَ كَالجِراوَةِ. اِذْهَبْ، اغْسِلْهُ".
جَلَسَ الرَّجُلُ ذُو رِداءِ العَنْقاءِ ذِي الفَرْوِ الذَّهَبِيِّ عَلَى الجِذْعِ خَلْفَهُمْ، مُدْخِلاً رِجْلَيْهِ بَيْنَ آرُونُ وَالسَّيِّدَةِ وَمُزَحْزِحاً التِّمْثالَ فِي أثْناءِ ذَلِكَ. أَبْقى آرُونُ كَأْسَ نَبِيذِ التِّمْثالِ بَعيداً عَنْ رُكْبَتَيِ الرَّجُلِ.
سَأَلَ، ناظِراً إِلى آرُونُ: "دَرَّبَتْكَ لانا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ كَيْفَ كانَ الأَمْرُ تَحْتَ إِمْرَتِها؟"
قالَ آرُونُ، بِبَرْدٍ رَجْعِيٍّ: "كَما تَتَوَقَّعُ تَماماً، أَتَخَيَّلُ".
لانا، الَّتِي لَمْ يَسْمَعْ بِها إلَّا عَبَرَ العُبورِ؛ لانا، الَّتِي عَلَّمَتْ مارْكُسَ قَبْلَ وُقوعِهِ تَحْتَ جَناحِ السَّيِّدَةِ، وَالَّتِي كانَ سَعيداً بِعَدَمِ وُجودِها. كانَ آخِرُ لِقاءٍ لَهُ بِشَخْصٍ يَعْرِفُهُ جَيِّداً عِنْدَما حَصَلَ عَلى سِكِّينِ أُخْتِهِ. شَفَتَا الرَّجُلِ تَحَرَّكْتَ في ابْتِسامَةٍ بَطيئَةٍ.
"إِذاً أَنْتَ جَيِّدٌ في السِّباحَةِ، هَكَذا؟"
بَدَأَتِ السَّيِّدَةُ: "نَحْنُ لَسْنا..."
"لَمْ أَكُنْ أَنْوِي..."
"—أَنْ نَْرُمِيَ أَحَداً—"
"—وَمِنَ الوَقاحَةِ بِمَكانٍ أَنْ تَفْتَرِضَ—"
"—فِي المُحيطِ هذا العَامَ"، خَتَمَتِ السَّيِّدَةُ.
"وَعَلى أَيِّ حالٍ، أَلَمْ نُمْسِكْ بِها العامَ الماضِي؟ لَنْ تَلِدَ الفَصيمَةُ عَلى هذا الشّاطِئِ لَوْ أَنَّ واحِدَةً كَبيرَةً أُخْرى انْتَقَلَتْ لِلْهُناكِ".
سَأَلَ آرُونُ: "...هَلْ نَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَنِ الحيتانِ؟"
رَفَعَ الرَّجُلُ حاجِباً إِلَيْهِ.
"أَرَأَيْتَ حوتاً يُهاجِمُ إِنسانًا مِنْ قَبْلُ؟"
قالَ آرُونُ: "هُناكَ أُشياءُ كَثيرَةٌ لَمْ أَرَها تُهاجِمُ شَخْصاً".
كانَتِ السَّيِّدَةُ تَقولُ لِأَحَدٍ: "تَضَعُ بَيْضاً. كَثيرٌ مِنَ البَيْضِ".
شَرِبَتْ، ثُمَّ أَمَرَّتْ قارورَتَها، دونَ أَنْ تَنْظُرَ كثيراً مَنْ أَخَذَها.
قالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "هذا لِماذا هِيَ القائِدَةُ، تَعْلَمُ. يَجِبُ أَنْ يَكونَ هُناكَ مَسْؤولٌ".
تَذَمَّرَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ: "يَجِبُ أَنْ يَكونَ هُناكَ مَنْ هُوَ مُعَيَّنٌ بِلا مُتْعَةٍ".
الْتَفَتَ راجِعاً إِلى آرُونُ، واصِلاً حَيْثُ نَوَى لِهذِهِ المُحادَثَةِ أَنْ تَذْهَبَ.
"...هَلْ هِيَ بِخَيْرٍ؟ مُعَلِّمَتُكَ. كُنّا أَصْدِقاءَ، كَعُمّالٍ مُتَدَرِّبِينَ".
قالَ آرُونُ، بِصِدْقٍ لا يُضاهى: "لَمْ أَرَها".
ضَغَطَ الرَّجُلُ: "وَلا حَتّى كَلِمَةً؟"
قالَ آرُونُ: "لَيْسَ لِي"، وَهَزَّتِ السَّيِّدَةُ رَأْسَها هِيَ الأُخْرَى.
قالَ الرَّجُلُ: "حَسَناً"، وَبَدا مِثْلَ ذَلِكَ الحَسَنِ الَّذِي يَتْبَعُهُ قَسَمٌ، لَكِنَّهُ كَرَّرَ فَحَسْبُ: "حَسَناً".
كانَتْ لَدَيْهِ حُلِيَّةٌ فِي يَدَيْهِ؛ قِطْعَةُ قُماشٍ صَغيرَةٌ. عَبَثَ بِها لَحْظَةً، ثُمَّ انْحَنى لِيُثَبِّتَها في صَدْرِ البَشَرِيَّةِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلى آرُونُ، وَالسَّيِّدَةِ، كَمَا لَوْ كانَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدُهُما المِثْلَ.
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "عَلِمْنا أَنَّها سَتَكونُ بَعيدَةَ التَّواصُلِ. الوُصولُ إلى البَيْتِ وَحْدَهُ يَأْخُذُها هذا الوَقْتَ".
قالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "تُحاوِلُ الدَّوْمَ الذَّهابَ أَبْعَدَ".
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "تُواجِهُ النَّجاحَ الدَّائِمَ. سِباقٌ، أَتَعْلَمونَ. الأَوَّلُ إلى القارَّةِ".
وافَقَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ مِثْلَ صَلاةِ جِنازَةٍ: "الأَوَّلُ إلى القارَّةِ".
كانَتِ السّماءُ بِالحُمْرَةِ العَميقَةِ لِضَوْءِ المِشْعَلِ عَلى سَفْكِ دَمٍ. كانَتِ المَحْرَقَةُ كامِلَةً، وَقَدْ كانَتْ لِفَتْرَةٍ. بَعْضُ الفَصائِمِ البالِغَةِ الأُخْرى تَمَدَّدَتْ حَوْلَ نارِ الطَّبْخِ، تَنْبَحُ مِنْ حينٍ لآخَرَ لِتُزْعِجَ الرَّجُلَ في تَقْلِيبِ أَسْياخِ اللَّوامِسِ المَغْسولَةِ حَدِيثاً. فِي دَائِرَةِ الصَّحْوَةِ المُتَأَخِّرَةِ، حَلَّ هُدُوءٌ مُعَيَّنٌ.
قالَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ مَرَّةً أُخْرى: "حَسَناً".
"فِعْلاً".
نَهَضَتِ السَّيِّدَةُ، وَمَدَّتْ يَدَها خَلْفَها إِلَيْهِ؛ ساعَدَتْهُ عَلى النُّهوضِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتاجاً. انْحَنَتْ لِتَنْتَزِعَ ذِراعَ البَشَرِيَّةِ عَنْ كَتِفَيْ آرُونُ، مُتَنَبِّهَةً لِكَأْسِ النَّبِيذِ. ثُمَّ حَمَلَتِ الدُّمْيَةَ إِلَى المَحْرَقَةِ. رَفَعَها الرَّجُلُ لَها، لِأَنَّها كانَتْ قَصيرَةً جِدّاً. لَمْ يُفَكِّرْ آرُونُ يَوْماً بِها قَصيرَةً.
لَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، لَمْ يُقارِنْها يَوْماً بِارْتِفاعِ مَحْرَقَةِ جِنازَةٍ أَيْضاً. نَبَحَ أَحَدُ الفَصائِمِ عَلى الأَسْياخِ مَرَّةً أُخْرى، وَأَسْكَتَهُ نَجْضُ وَضَرْباتُ زَعانِفِ جيرانِهِ. قَبِلَتِ السَّيِّدَةُ غُصْناً مُشْتَعِلاً مِنَ الطَّبّاخِ. دارَتْ حَوْلَ المَحْرَقَةِ، مُشْعِلَةً إِيّاها بِتَساوٍ. سَرْعانَ ما فَعَلَتِ الرّيحُ والخَشَبُ الباقِي. قَالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ اسْماً.
لَيْسَ اسْماً يَعْرِفُهُ آرُونُ. وفَعَلَ آخَرُونَ حَوْلَ الدَّائِرَةِ أَيْضاً؛ كُلُّ مَنْ أَنْمى شَيْئاً إلى شارَةِ جِنازَةِ البَشَرِيَّةِ. لَمْ تَقُلِ السَّيِّدَةُ شَيْئاً. راقَبَتْ فَحَسْبُ، بَيْنَمَا تاجُ الزُّهورِ المَلَكِيُّ لِلتِّمْثالِ يَذْبُلُ وَيَحْتَرِقُ، وَالزَّهْرَةُ الوَحيدَةُ فِي شَعْرِها تَتَلَوَّنُ بالأَحْمَرِ والذَّهَبِيِّ مِنْ ضَوْءِ اللَّهِيبِ.
قالَ آرُونُ: "عَسَى ألاَّ تَحومَ أَرْواحُهُمْ"، وَصَفَقَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ عَلى كَتِفِهِ عِنْدَما جَلَسَ مَرَّةً أُخْرى.
انْضَمَّتِ السَّيِّدَةُ إِلَيْهِمْ، بَعْدَ لَحْظَةٍ أَكْثَرَ. انْتَقَلَ المَشْروبُ مَرَّةً أُخْرى، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الكُلُّ يَشْرَبُ؛ كانَ هُناكَ العَديدُ حَوْلَ النَّارِ مِمَّنْ بَقوا مُتَنَبِّهِينَ، يَحْرُسُونَ حَوْلَهُمْ. وَتَكَوَّنَ لِآرُونُ انْطِباعٌ بِأَنَّ الفَصائِمَ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ أَيْضاً. وَكانوا يُدْفَعُونَ لِتَعَبِهِمْ — أَوْ رُبَّما فَقَطْ لِرُفْقَتِهِمْ — باللّوامِسِ المَشْوِيَّةِ وَلُقَمٍ أُخْرى.
كانَ هُناكَ حَديثٌ، وضَحِكٌ، وَرُفْقَةُ أَصْدِقاءَ لَمْ يُرَوْا مُنْذُ عامٍ أَوْ أَكْثَرَ. بَقِيَ آرُونُ مَعَ مَجْموعَةِ السَّيِّدَةِ، بَيْنَمَا انْجَرَفَ الآخَرُونَ طَرِيقَهُمْ. عَامَّةً، كانَ هؤلاءِ هُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ بِخِفَّةٍ، إِنْ شَرِبوا أَصْلاً. كانَ آرُونُ لِيَتَوَقَّعَ أَنْ يَكونوا الأَعْضاءَ الأَقْدَمَ في فِرْقَةِ الجَواسيسِ، لَكِنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَبْدُ أَنْ عُمْرَهُ يَزيدُ عَنْ عُمْرِهِ بِكَثيرٍ، رَغْمَ أَنَّهُمْ تَكَلَّموا بِوَزْنٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الخِبْرَةِ.
قالَتْ إِحْداهُنَّ، وَقَدْ غَمَسَتْ قَدَمَيْها فِي الرَّمْلِ وَظَهْرُها إلى النَّارِ بَيْنَمَا تَشَكَّلَتْ مَجْموعَتُهُمُ الصَّغيرَةُ دائِرَتَها الخَاصَّةَ: "هذا لَيْسَ مُجَرَّدَ مُحاكٍ لِتِنِّينٍ يَحْشُدُهُمْ. لا إِساءَةَ لِجَلالَتِهِ، لَكِنَّ المَلِكَ أورينَ لَيْسَتْ لَدَيْهِ الشَّخْصِيَّةُ لِجَذْبِ النّاسِ إِلَيْهِ هَكَذا أَوْ لَما كانَ مَنْفِيّاً في المَناتِقِ الآنَ؛ وَأَيُّ مُحاكٍ لَهُ يَجِبُ أَنْ يَكونَ ناقِصاً بِالقدرِ ذاتِهِ. لَمْ نَرَ هذا المُسْتَوى مِنَ التَّماهُ حَتّى فِي الحَرْبِ الأَخِيرَةِ. التَّنانِينُ لا تَفْعَلُ هذا".
وَأُخْرَى: "رَصَدْنا عَدَداً كَبيرَاً مِنْ التَّنانِينِ الأَقْدَمِ تَعْبُرُ العُبورَ. مَنْ قاموا بالمُحاكاتِ مَنْ قَبْلُ يَجِبُ أَنْ لا تَبْكِيَهُمْ رَغْبَةٌ في العَوْدَةِ. لا رَغْبَةَ ذاتيَّةً، عَلى أَيِّ حالٍ".
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "تَتَظُنُّونَ أَنَّ لَدَيْهِمْ كيرينَ".
قالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ القَدَمَيْنِ فِي الرَّمْلِ، وَالوُجوهُ جادَّةٌ مِنْ حَوْلِها: "أَظُنُّ أَنَّهُ آنَ الأَوانُ لِبَعْضِ الفِتْيَةِ الصِّغارِ لِيُجَرِّبوا قُرونَهُمْ ضِدَّ حُكْمِ القارَّةِ. أَظُنُّ أَنَّ رِيانَ لَمْ يَكُنْ لِيَسْقُطَ أَمامَ... أَمْامَ فَرْخٍ ما".
كانَتْ هِيَ الَّتِي وَضَعَتِ الرِّداءَ حَوْلَ كَتِفَيْ البَشَرِيَّةِ. رِداءً بالِياً جِدّاً؛ مُفَضَّلاً لِأَحَدِهِمْ، مَصْنُوعاً مِنَ الصّوفِ، لا السِّحْرِ. لَمْ يَكُنْ شَيْئاً يَرْتَدِيهِ عُضْوٌ فِي الصَّحْوَةِ المُتَأَخِّرَةِ أثْناءَ الاسْتِكْشافِ. فَقَطْ في اللَّيالِي البارِدَةِ مِنَ التَّخييمِ؛ وَرُبَّما تَرَكُوهُ مَعَ صَديقٍ بَيْنَمَا كانوا غائِبِينَ.
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "إِنْ كانَ كيريناً، فَسَنَحْتاجُ أُولئِكَ الَّذِينَ لا يُمْكِنُ تَحْريكُهُمْ بِسُهولةٍ".
أَلْقَتْ نَظْرَةً سَريعَةً عَلى آرُونُ، ثُمَّ أَبْعَدَتْها.
"تَعْرِفونَ فِرَقَكُمْ جَميعاً. أَعْطوني تَوْصِياتٍ؛ سَنُرْسِلُ فِرْقَةً قَبْلَ نِهایَةِ الأُسْبوعِ".
سَأَلَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ: "وَماذا عَنِ المَلِكِ؟ هَلْ نُعْلِنُهُ تِنّيناً، أَمْ لا؟"
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "هذا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ تَماماً".
سَأَلَ آرُونُ: "عَلى ماذا يَعْتَمِدُ؟"
لِأَنَّ الوَحيدَ الَّذِي ظَنَّهُ جاهِزاً لِهذا التَّجَمُّعِ كانَ السَّيِّدَةَ، فَلا أَحَدَ يَتَوَقَّعُ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ مَسْبَقاً ما بَدا أَنَّ دائِرَتَها الدّاخِلِيَّةَ تَتَخَذُهُ لِمُسَلَّمٍ بِهِ.
أَجابَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "سَواءٌ أَكانَ مِثْلَ أَبِيهِ، أَوْ جَدِّهِ".
مِثْلَ المَلِكَ الرّاسِخِ، أَوْ السَّفّاحِ. مِعيارٌ مُهِمٌّ لِسارِقِي الجلودِ لِيَحْكُموا عَلى شَخْصٍ ما. لَكِنْ، بَدا غُرْفَةُ أَرْدِيَةِ السَّيِّدَةِ مَمْلوءَةً بِفِراءِ قَديمَةٍ. مَتى كانتِ المَرَّةُ الأَخِيرَةُ الَّتِي صَنَعوا فيها واحِدَةً طازَجَةً؟
وَأَضافَتِ السَّيِّدَةُ: "وَ، سَواءٌ أَكانَ مُصِرّاً عَلى المَوْتِ، لَوْ كانَ مُحاكِياً".
سَأَلَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ: "مَنْ لَدَيْنا يَعْمَلُ عَلَيْهِ؟"
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "لا أَحَدَ، رَسْمِيّاً".
لَمْ تَنْظُرْ إِلى آرُونُ، بِكُلِّ ثِقْلِ نَظْرَتِها السَّابِقَةِ.
قالَ الرَّجُلُ: "مُحِيرٌ. هَلْ هُناكَ ما يَنْبَغِي أَنْ تُخْبِرَنا بِهِ، أَدِيجوانْجا؟"
تَلَوَّتْ شِفاهُ السَّيِّدَةِ.
"لَيْسَ في هذه المَرْحَلَةِ".
أَعْطاها آرُونُ نَظْرَةً خاصَّةً بِهِ. رَدَّتِ ابْتِسامَةً. حَوْلَهُمْ، كانَ الحَفْلُ قَدْ تَفَرَّكَ إلى مَجْموعاتٍ إلى حَدٍّ كَبيرٍ. انْضَمَّ إلى البَعْضِ نِساءٌ بِأَرْدِيَةٍ رَمادِيَّةٍ مُرَقَّشَةٍ — بَعْضُهُنَّ مَعَ أَطْفالٍ يَنامُونَ في حُجورِهِنَّ، وَبَعْضُهُنَّ مَعَ جِراوَةٍ نائِمَةٍ مُجْتَمِعَةٍ في أَذْرُعِهِنَّ — واللّاتِي بَدَوْنَ سَعيداتٍ بِنَفْسِ القَدْرِ لِتَذَوُّقِ الزُّجاجاتِ المارَّةِ مِثْلَما كُنَّ في تَجْرِبَةِ الطَّعامِ.
عِنْدَما الْتَقَطَتْ عُيونُهُنَّ ضَوْءَ المَحْرَقَةِ، تَلَأْلَأَتْ. كانَ اللَّيْلُ تامّاً الآنَ، وَكانَ الأَثَرُ لِيَكونَ غَريبَاً لَوْ لَمْ يَكُنْ آرُونُ مُعْتاداً عَلَيْهِ إلى هَذَا الحَدِّ. لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتاداً عَلَيْهِ هكَذا، لَرُبَّما التَقَطَ الأَمْرَ أبكرَ قَليلاً: لَمْ تَكُنِ الفَصائِمَ وَحْدَها الَّتِي تَتَلَأْلَأُ عُيونُها بِالضَّوْءِ، بِالطَّريقَةِ التَّي لا يَجِبُ لِإِنْسانٍ أَنْ يَفْعَلَها.
لا إنسانٍ مَحْفوظٍ بِصَرامَةٍ. لَكِنَّ، الميليشْيا العادِيَّةَ لا تَكادُ تَحْسُبُ الصَّحْوَةَ المُتَأَخِّرَةَ مَحْفوظَةً بِصَرامَةٍ. كانَتْ هُناكَ امْرَأَةٌ هُناكَ، فِي رِداءٍ يُشْبِهُ اللَّيْلَ؛ تَلَأْلَأَتْ عَيْناها، وَكانَتْ أَظافِرُها حَوْلَ عُنُقِ تِلْكَ الزُّجاجَةِ مِنَ النَّبِيذِ مُدَبَّبَةً رُبَّما أَكْثَرَ منِ اللازِمِ. رَجُلٌ هُناكَ، شَعْرُهُ مَنْقوشٌ بِرَمادِيٍّ حَقِيقِيٍّ، لَيْسَ التَّنْقيطَ الأَسْوَدَ والأَبْيَضَ لِلْعُمْرِ.
أَمامَ آرُونُ مُباشَرَةً، ضَحِكَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ عَلى شَيْءٍ ما — وَفَقَدَ آرُونُ خَيْطَ المُحادَثَةِ — وَكانَتْ أَسْنانُهُ، رُبَّما، حادَّةً أَكْثَرَ مِنْ اللازِمِ. كانَ هُناكَ، رُبَّما، سَبَبٌ لِقِيامِهِمْ بِهذا التَّجَمُّعِ خارِجَ أَيِّ بَلْدَةٍ. وَسَبَبٌ لِأَنَّ بَعْضَ كَشّافَةِ الصَّحْوَةِ المُتَأَخِّرَةِ لا يَعودونَ إلى آخِرِ الجُزُرِ إلّا مَرَّةً في العَامِ، إِنْ فَعَلوا.
فَسَّرَ هذا تَماماً لِماذا كانَ يَشْعُرُ بِكُلِّ هذا الارْتِياحِ هُنا، مَعَ كُلِّ هؤلاءِ النّاسِ الَّذِينَ لَمْ يُقابِلْهُمْ قَطُّ. وَتَرَكَ مَسائِلَ أُخْرى بِلا تَفْسِيرٍ كافٍ.
قالَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ، مِنْ خِلالِ ابْتِسامَتِهِ الحادَّةِ بِشَكْلٍ خاصٍّ: "مِنَ المُهِمِّ جِدّاً كَمْ تَثِقُ سَيِّدَتُنا بِكَ، أَيُّها المُتَدَرِّبُ مارْكُس. فِي أَيٍّ مِنْ إِجْتِماعاتِنا. لَكِنْ خُصوصاً فِي هَذَا".
لَمْ يُجِبْ آرُونُ. وَلَمْ يَكُنْ مُضْطَرّاً، إِذْ أَخَذَتِ السَّيِّدَةُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ لِإِخْراجِ مِنْديلٍ عادِيٍّ تَماماً مِنْ جَيْبِها، مَعَ قِطْعَةٍ صَغيرَةٍ مِنَ اللَّحْمِ المُجَفَّفِ بِدَاخِلِهِ.
قالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ القَدَمَيْنِ فِي الرَّمْلِ: "هذا صَغيرٌ جِدّاً".
وَشَطْرٌ كَبيرٌ مِنْ ساقَيْها أَيْضاً، فِي هذِهِ النُّقْطَةِ.
"هَلْ هذا كافٍ حَقّاً لَنا جَمِيعاً؟ أَلَنْ يَنْشُرَ الأَمْياءَ رَقِيقَةً جِدّاً؟"
تَبَرَّعَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "سَأُقَطِّعُهُ".
قالَتْ أُخْرى: "سَتُقَطِّعِينَهُ لِأَشْلاءٍ. أَعْطِيهِ هنا، أَنا أَبْرَعُ بالسِّكِّينِ"، وَنَشَبَ تَنَازُعٌ لَفْظِيٌّ.
انْتَهَى الأَمْرُ بِالرَّجُلِ ذِي الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ مَعَ شَريطِ اللَّحْمِ المُجَفَّفِ الصَّغيرِ، ما زالَ عَلى مِنْديلِهِ، مَوْضوعاً بِعِنايَةٍ فَوقَ أَعْرَضِ وَأَفْطَحِ جُزْءٍ مِنْ جِذْعِ شَجَرَتِهِمِ السّاقِطَةِ.
سَأَلَ، وَهُوَ يَعُدُّ بِوُضوحٍ بَيْنَمَا الْتَفَتَ بِبَصَرِهِ بَيْنَ مَجْموعَتِهِمِ المُباشَرَةِ: "كَمْ نَحْنُ؟"
قالَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ: "لا تَنْسَ أَنْ تَعُدَّ نَفْسَكَ".
تَرَدَّدَ. وَغَيَّرَ بوضوحٍ المَكانَ الَّذِي نَوَى القَطْعَ فِيهِ.
قالَ لَها: "أَخْرِسِي".
ثُمَّ، لِلسَّيِّدَةِ: "كَمْ سَتَدومُ هَذِهِ؟"
"طَوِيلاً بِما يَكْفِي لِأَيِّ أَسْئِلَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُثيرَها التَّحْقيقُ. عاماً، عَلى الأَقَلِّ؛ وَبِضْعَ سِنِينَ، إِنْ كُنّا مَحْظوظينَ. لَقَدْ كانَ يَكْذِبُ عَلى نَفْسِهِ حَتَّى اللَّحْظَةِ الَّتِي قَتَلْتُهُ فيها فِعْلاً، لذا فَهِيَ قَوِيَّةٌ بِما يَكْفِي".
وَهذِهِ هِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي أَدْرَكَ فيها آرُونُ ما كانوا يُقَطِّعُونَهُ. وَأَيْضاً ما آَلَ إِلَيْهِ أَمْرُ لِسانِ الثَّعْلَبِ. كانَتِ المَرْأَةُ ذاتُ الرِّداءِ الأَزْرَقِ تَنْظُرُ إِلَى السَّيِّدَةِ، وتَعْبِيرُها جادٌّ.
"نَحْنُ آسِفونَ، تَعْلَمينَ. لَمْ يَكُنْ لِيَكُونَ أَنْتِ".
رَعَشَتْ شِفاهُ السَّيِّدَةِ، بِشَيْءٍ يُشْبِهُ ابْنَةَ عَمٍّ بَعيدَةً لِلتَّسْلِيَةِ.
"نَحْنُ مُلْتَزِمُونَ، الآنَ".
بَدا هذا النَّحْنُ شَبِيهاً بِأَنَا. أَرْدِيَةٌ قَديمَةٌ لَمْ تُسْتَبْدَلْ. عُيونٌ تَتَلَأْلَأُ، شَعْرٌ بِلَوْنٍ خَاطِئٍ؛ أَظافِرُ وَأَسْنانٌ حادَّةٌ جِدّاً. سَيُهِمُّ هذا الصَّحْوَةَ المُتَأَخِّرَةَ، سَواءٌ أَكانَ لَدَيْهِمْ مَلِكٌ لا يَدَعُ نَفْسَهُ يُقْتَلُ لِكَوْنِهِ مُحاكِياً، أَمْ لا.
سَأَلَ آرُونُ: "لِمَ فَعَلْتِها؟"
وَإِنْ أَمَكَنَها أَخْذُ السُّؤالِ كَمُتابَعَةٍ، أَوْ كَـلِمَ كُنْتِ أَنْتِ بَدَلاً مِنْ لِمَ قَتْلِ الثَّعْلَبِ أَصْلاً، فَإِنَّ أَيَّهُما سَيَكونُ إِجابَةً تَسْتَحِقُّ المَعْرِفَةَ. انْحَنَتِ السَّيِّدَةُ إِلى الوَراءِ عَلى الجِذْعِ مُبْتَسِمَةً، بَيْنَمَا كانَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ خَلْفَها يُقَطِّعُ بِعِنايَةٍ لِسانَ رُباعِيّاتِ الأَذْنابِ إلى قِطَعٍ مُتَساوِيَةٍ لِأَكاذيبِ الصَّحْوَةِ المُتَأَخِّرَةِ القادِمَةِ.
قالَتْ، كَمَنْ يَحْكِي حِكايَةَ مَمْلَكَةٍ: "سَأَلَ كيرينٌ مَرَّةً: «لِمَ يَسْتَطيعُ الثَّعْلَبُ أَنْ يَكْذِبَ، حَتّى عَلَيْنا؟» كَيْفَ تَظُنُّ أَنَّ الثَّعْلَبَ أَجابَ؟"
لَمْ يَدْرِ آرُونُ.
"لِأَنَّ الجَميعَ يَحْتاجونَ مَنْ يَكْذِبُ عَلَيْهِمْ"، قالَتْ.
ثُمَّ ابْتَسَمَتْ.
"سَنَنْجَحُ هُنا. اللَّيْلَةُ خُطْوَةٌ أُخْرى، ثُمَّ سَنَخْطُؤُ خُطْوَةً أُخْرى وَأُخْرى. خَارِجَ هذِهِ الجَزيرَةِ وَبَعيداً، حَتَّى لا نَكونَ مُجَرَّدَ مُتَحَلِّقِينَ هُنا نَنْتَظِرُ الحُصادَ لِيَأْتُوا. سَيَكونُ لَدَيْنا مَلِكٌ صَدِيقٌ عَلى العَرْشِ، بِطَريقَةٍ أَوْ بأخرى؛ سَنَجْعَلُ النُّبَلاءَ يَهْدِفُونَ فِي الاتِّجاهِ الصَّحيحِ، وَكُلُّ البَشَرِيَّةِ الأُخْرى مَعَهُمْ. سَنَنْجو، وَسَنَزْدَهِرُ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَيَكونُ عَلى ما يُِرامُ".
قالَ الرَّجُلُ ذُو الرِّداءِ الذَّهَبِيِّ: "مُطْمَئِنٌّ جِدّاً، أَدِيجوانْجا. خُصوصاً مَعَ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ".
أَجابَتِ السَّيِّدَةُ: "أَبْذُلُ أَقْصى جُهْدِي".
لَمْ يُجِبْ شَيْءٌ مِنْ هذا سُؤالَ آرُونُ الحَقِيقِيَّ. لِمَ احتاجَ الثَّعْلَبُ لِلْمَوْتِ؟ لِكَيْ يَتَمَكَّنَ كُلُّ قائِدٍ رَئيسِيٍّ فِي الصَّحْوَةِ المُتَأَخِّرَةِ مِنَ الكَذِبِ. لِأَنَّ لَدَيْهِمْ مُحاكاتٍ فِي صُفوفِهِمْ، وَلَمْ يَكونوا سُعَداءَ جِدّاً بِسَلْخِهِمْ كَما أَرادَ جونٌ أَنْ يُصَدِّقَهُ. لَكِنْ لِمَ سيحتاجُ هؤلاءِ السُّكّانُ المُرْتَفِعُونَ لِلمُحاكاتِ؟
لِلسَّبَبِ نَفْسِهِ الَّذِي لِأَجْلِهِ في التُّوكِينْزِ، تَوَقَّعَ آرُونُ. لِحِمايَةِ العائِلَةِ والصَّدِيقِ وَجلودِهِمْ خَاصَّةً؛ لِلنَّجاهِ. لِلِازْدِهارِ، حَتَّى حَيْثُ لا يُريدُهُمْ أَحَدٌ.
سَأَلَ مُكَرِّراً: "لِمَ؟"
قالَتِ السَّيِّدَةُ: "أَظُنُّ، أَنَّني أَعْطَيْتُكَ واجِباً مَنْزِلِيّاً مَعَ رِدائِكَ الأَوَّلِ".
قالَ، وَهُوَ يَتَلَقّى قِطْعَةَ لِسانٍ فِي يَدِهِ، وَبِشَكْلٍ ما فَشِلَتْ أَنْ تَكونَ أَهَمَّ شَيْءٍ يَحْدُثُ في هذا المَساءِ: "سِجِلّاتُ السُّكّانِ. كُنّا نَموتُ مُنْذُ أَنْ أُغْلِقَتِ القَلْعَةُ القَديمَةُ".
"جَيِّدٌ جِدّاً، آرُونُ. وَجَدْتَ ذَلِكَ الاتِّصالَ أَسْرَعَ مِنْ مُعْظَمِهِمْ".
سَأَلَ بَيْنَمَا البَشَرِيَّةُ — أَوْ نارَانِ، حَسَبَ مَنْ تَسْأَلُ — تَحْتَرِقُ عَلَى المَحْرَقَةِ: "ماذا حَدَثَ؟"
قالَتْ: "عِنْدَما أُغْلِقَتْ تِلْكَ القَلْعَةُ، قَرَّروا أَنَّ الأَشْباحَ لَيْسَتْ بَشَريَّةً. وَثُمَّ قَرَّروا أَنَّ أُولئِكَ الَّذِينَ لَدَيْهِمْ تَحَوُّلُ مُحاكٍ لَيْسوا كَذلِكَ أَيْضاً، مَهْما كانَ ما وُلِدوا بِهِ، أَوْ أَيُّ أَوْلادٍ يُمْكِنُ أَنْ يُنْجِبوها. قَرَّروا قَتْلَهُمْ، لِلْحِفاظِ عَلى بَقِيَّتِنا أَنْقياءَ. وَظَلُّوا يُضَيِّقُونَ الأُمورَ مِنْ هُناكَ. هذا العَامَ، رَكِبَ أَلْفٌ مَعَ المَلِكِ أورينَ لِلْقِتالِ فِي الجَبْهَةِ. أَلْفٌ، مِنْ عاصِمَتِنا بالذَّاتِ، أُكْبَرِ مَدينَةٍ تَدَّعيها البَشَرِيَّةُ. كانَ الأَلْفُ اعْتِيدِيّاً قِطارَ تَمْوينٍ. كَسَرْنا ميثاقَنا مَعَ التَّنانِينِ في عُمرِكَ، لَكِنَّ أَحَداً قَبْلي قَرَّرَ نِسْيانَ لِمَ وُضِعَ في الأَصْلِ؛ وقَرَّرَ أَنَّ تَرْكَ البَشَرِيَّةِ تَتَلاشى كَما تَلاشى لِيامُ — عَسى ألاَّ تَحومَ روحُهُ — وَكُلٌّ مِنّا يَنْقَلِبُ ضِدَّ نَفْسِهِ، كانَ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنَ مُواجَهَةِ الخارِجِ لِلْقِتالِ بَيْنَما ما زالَتْ لَدَيْ
* * *
سأل آرون في قرى الغابة الممتدة على الطريق، وفي الحصن المنعزل هناك. لم يسمع أحد بأديوانجا.