لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 92 — بلا أدنى محاولة

اقرأ لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 92 — بلا أدنى محاولة باللغة العربية على مانجا تايم.

عاد آرون إلى المستوطنات للمرة الثالثة، بابتسامة ورسالة جديدة وعباءة غريفين على كتفيه، وهو ما جلب له مروحة واسعة من ردود الفعل. جلها من النوع الذي قد يودي بحياته قبل وقت طويل من استدراجه إلى غابة مظلمة، لو استمر في ارتداء تلك القطعة. كان لافتأ رؤية أي من أهل المستوطنات يلتفت إليه للمرة الثانية، كأنهم توقعوا موته سلفاً.

قال الملك أورين: "أرجو ألا تثير تمردماً"، وأمره أن يخلعها.

وهو ما منح آرون سبباً رائعاً لكي لا يُرى بها قط، رغم معرفة حاشية الملك برمتها باقتنائه لها، ورغم فائدتها الواضحة في الميدان. تخلع آرون عنها طائعاً، ومد يده إلى خزانة الملك. أخرج معطفاً بحمرة معطفه. أو بحمرة ما كان عليه، قبل منعطفاته العديدة.

بدأ جلالته: "ألا تستطيع حقاً...؟".

وتوقف. وعاد إلى مراسلاته، بمسحة من يتجاهل طفلاً سيئ الأدب، كيلا يمنحه الانتباه الذي يتوق إليه.

سأل آرون، وهو يعيد المعطف الأول ويرفع آخر: "أتلكم رسالة روز؟".

قال أورين: "ربما".

وهو أمر صادق تماماً، نظراً لخلو الورقة تماماً تحت ريشته. أعاد آرون ذلك المعطف، والتقط غيره. كان الملك أطول منه، وأعرض منكبين، ولكن ليس بالقدر الذي ظنه آرون دائماً. عجيب ما يفعله الأكل كنبيل وعدم تقزيم المرء لنفسه بحجم ملابسه.

سأل جلالته، حين أعاد آرون ذلك المعطف أيضاً: "أليست على مستواك المعتاد؟".

"لا تحوي أزرار تنانين".

"أعتقد أنني أخبرتك بكرهي لتلك".

كاد آرون يسأل عن السبب، قبل أن يدرك فجأة لماذا قد لا يحب رجل منفي حالياً من شعبه في انتظار حكم إعدام محتمل أن تظهر التنانين على ملابسه. ولم يقل إنها تليق بك أيضاً، لأنه لم يرغب حقاً في معرفة ما يتطلبه الأمر لدفع الرجل نحو العنف. كان الأمر أغرب من أن يُضرب بسبب مشاكله كلها.

سأل بدلًا من ذلك: "أيصخ لي الاستمرار في ارتدائها؟".

كانت تلك الأزرار جل ما يملكه معطفه المسكين حالياً. تفرسه أورين. تفرس بقع الأوساخ التي لم يحتفظ آرون بوقت لغسلها، والتمزقات التي أرجأ رتقها. وموضع زرين كان ينبغي أن يكونا هناك، وتلك البراقة التي بقيت. أزال آرون التراب عنها بصقلها. بدا أمراً وجب فعله، خلال ساعات ركوبه.

"ما زلت ملكاً، يا آرون. أستطيع صنع معطف جديد لك".

قال: "أستطيع إصلاح هذا. لقد أعطيتني إياه".

قال الملك: "اغسله على الأقل... وتخلص من عباءة الغريفين تلك. أنا جاد تماماً بشأن التمرد".

قال آرون: "كما يأمر جلالته".

وهكذا، في غضون ساعة، جمع عباءة الغريفين طائعاً، ولفها داخل ملاءة سرير أقل إزعاجاً بكثير، وتوجه بها إلى الحداد. استُقبل بحرارة مكوّاة في دلو إخماد.

قال: "رسالة من ابنك".

وابتسم لابنها الآخر، الذي كان يجهش بالنظر إلى آرون كأنه رأى شبحاً.

وأضاف، وهو يسقط الحزمة على طاولتها للعمل: "طرْد مني أيضاً".

وضعت الحدادة أدواتها جانباً، بحذر. رفعت طرف ملاءة السرير، ثم أسقطته مجدداً، متمرسة للغاية في كبح ردود فعلها.

سألت: "ما الذي تعنيه بهذا؟".

قال: "تذكرت... أن ليست كل الشعوب تقيم طقوس الجنازة بالطريقة ذاتها. ولن يعني الأمر شيئاً في المحاولة دون شخص يكترث حقاً".

قالت: "وأنت لا تكتسث".

"لم أعرفهم قط".

هز آرون كتفاً واحدة.

"لكن ثمة من أعرفهم، ممن أتكلم باسم مصالحهم، إن تفضل أحد بالاستماع إليّ. دون محاولات القتل العابرة، إن سمحتم".

رد توأم جون بصوت متهدج، بينما رشقته أمه بنظرة: "عابرة؟".

لم يكن الفشل في القتل مما يُتحدث عنه في المجالس المهذبة. ظنا لا يزال أنه من المجتمع المهذب. كشر آرون عن أنيابه، بتلك الطريقة التي يخطئ البشر عادة في عدّها ابتسامة. تساءل إن كان الغريفينات يفعلن ذلك أيضاً.

قال: "لم تثبت، أليس كذلك؟ لكن مادام الحديث سارياً: أريد خناجري. أظنكم تعلمون من كان يسنها. ودرعي أيضاً".

سأل توأم جون: "أهذا... أهذا كل ما تمتلك قوله؟".

أعاد آرون بصره إلى أم الصبي، وقال: "صحيح. كدت أنسى. أتحترفين العمل بالذهب؟ أنا بحاجة إلى أزرار جديدة".

قالت حدادة المعارك، كأن هذا أغرب ما نطق به فمه قط: "...أزرار".

حدد قائلاً: "أزرار تنانين، إن شئت".

سواء أسرّها الأمر أم لا، فقد وافقت.

* * *

لمس آرون الخشب قبل أن يتجه جنوباً. ليس لأنه كان ينوِي سلوك طريق الغابة مرّة أخرى — فقد كان متأكداً تماماً من أن فيها ما يكفي لقتله ممّا لم يره بعد، وكان يرجو أن تعني الدوريات الإضافية على الطريق الساحلي وجود عدد أقل ممّا ينطبق عليه هذا الوصف هناك — بل ليكون ودوداً. ليحيي شيئاً ربما كان صديقاً، ليوم أو يومين. أو ربما كان يستغله فقط لكيلا يُؤكل، لكنه لم يكن غريباً عن هذا الجانب من الصداقة.

لذا توقف عند حافة الغابة تماماً خارج البوابات المفتوحة للمستعمرة، وأبقى قدميه بثبات على الجانب الصحيح من الأحجار، ومدّ يده وحدها إلى أقرب شجرة. منحها ثلاث نقرات خفيفة. لم يكن يتوقع أن ترد الغابة النقر، هكذا قيل.

"أمسكوا سلاحكم"، سمع صياحاً، بصوت عالٍ كفاية من الأسوار خلفه ليجزم بأن أحدهم قد أطلق بالفعل ما لم يكن ينبغي إطلاقه.

لم يرى السهم، إن وُجد من الأساس. لقد رأى فقط... بياضاً. الكثير من البياض، المرقط الآن بالسواد كقشرة شجرة البتولا.

"حسناً"، قال آرون، وهو يرفع بصره.

وأعلى.

"لقد نمت".

خفض سيّد الربيع رأسه. وبدا أن جزءاً ليس بهين من الغطاء النباتي ينخفض معه، بينما كانت الأوراق اللامعة بجدتها تصدر حفيفاً من قرنيه. دفع اليلنج الأبيض الكبير يد آرون برفق. والتي كانت لا تزال مرفوعة، إذ يُعذر المرء إن نسى أن يخفضها وهو متجمد مكانه. كان خطم سيّد الربيع مغطى بفرو ناعم دقيق. وكان أنفاسه، التي يخرجها برنوء من منخرين بحجم صغار الهررة، دافئة كنسيم الربيع. تردد آرون لحظة.

ثم منح ذلك الخطم ثلاث تربيتات خفيفة، صدى لتحيته للغابة نفسها. أطلق اليلنج شخيره. رفع رأسه مجدداً، واستدار، واختفى عائداً إلى أحضان غابته بطريقة لا يُفترض بشيء بهذا الحجم والبياض الصادم أن يقدر عليها. خفض آرون يده. خلفه كانت أسوار بلدة الأراضي المحتلة الضيقة. وإلى جانبها تماماً كانت الحقول، حيث حظي العمال هناك برؤية ممتازة لسيّد الفصول الجديد. تذكر، من كلام قالته أخته وهي تكشر في وجه الفراء بقرية للحطابين، أن اليلنج كانت رمزاً يتقاسمه الحطابون وسكان المستعمرات على حد سواء.

كانت القطعان استقلالهم؛ وحياتهم؛ وقوتهم. وكان يقال إن اليلنج الأبيض، تحديداً، أكثر خصوصية من البقية. لم يكن آرون خبيراً بالقصص الكامنة خلفها. لكنه لم بحاجة لذلك، حين كانت الغابة بنفسها تستعرض رمزها. الربيع. الفصل الذي تعود فيه الحياة الجديدة إلى الأماكن التي أرهبها قسوة الشتاء. نظر آرون إلى الناس في الحقول، الذين كانوا يبادلونه النظرات. أولئك منهم الذين لم يجثوا على ركبهم ويخفضوا رؤوسهم عند ظهور سيّد الفصول.

لم يكن يحاول إشعال تمرد. لكنه لم يكن مهتماً كثيراً بوقف واحد أيضاً.

* * *

في زيارة آرون الرابعة للمستعمرات، كان لدى الحداد رسالة ليحملها عتبة إلى جون. واثنين من التنانين الملكية، مصنوعين من الذهب. خاطهما بنفسه على معطفه مجدداً. ظهر درعه بكل بساطة في غرفة جلوسه بينما كان يأخذ غفوة في حجرة النوم. وكذلك خنجراه. تهديد واعتذار، في آن واحد.