أمرت روز: "توقّف عن الموت. هذا أمرٌ، لا مجرّد اقتراح".
قال آرون: "لم أكن أتعمّد ذلك".
قالت: "أتودّ إخباري أنك لم تفعل شيئاً أحمق، في المرتين؟ أو في أيّ مرّة أخرى وُجدتَ فيها بخطر؟".
قال آرون: "لا يمكنك طرح سؤالٍ بهذا الاتساع".
قال لوكلان، وهو يعجز تماماً عن اتخاذ الجانب العقلانيّ في هذا النقاش: "يُفترض بالمراسلة أن تكون خطرة، ولكن ليس إلى الحدّ الذي تبدو عليه. ماذا تفعل هناك؟".
"أيها الملازم فارجيس، أأبدو لك من نوع الرجال الذين يتجاوزون وصفهم الوظيفي؟".
حدّق الملازم الطيب في آرون من خلف القضبان. حدّق آرون فيه مقابلاً، لفترة.
لكنّ الأمر لم يبدو ممّا سيصل إلى نهاية، لذا قال: " والأهمّ من ذلك، أيعرف أيّ منكم كيفية الاهتداء بالنجوم؟".
قالت روز وهي تعقد ساعديها: "ليس هذا بالأمر الأهمّ".
قال آرون: "كان سيعينني على الخروج أسرع، إن تكرر هذا".
تصريحٌ لم يلقَ أيّ استحسانٍ لدى أيٍّ من سامعيه.
شعر بالحاجة إلى التكرار: "لم أكن أتعمّد ذلك".
ثم قال: "أوليس أحدٌ منكم سيخرجني؟".
لم يفعلوا. بدا أنهم وعدوا أخته بمنحها فرصةً لتعذيبه هي الأخرى. في النهاية، وبخصوص الاهتداء بالنجوم، أحالته روز إلى أخيها.
* * *
كان وليّ العهد يعرف عن الأجرام السماوية أكثر بكثير مما تطوّع آرون لمعرفته. لكنه جلس على سطح القلعة وأصخى السمع، وحاول أن يفهم كيف وصلا إلى موضوع قياس المسافة إلى القمر. وهو أمرٌ يبدو أن الناس قادمون عليه، وقد فعلوه، مع أن آرون لم يستوعب كيف يمكن لجسدٍ أن يقيس شيئاً يصعب المشي إليه هكذا.
أرشد كونور: "أغلق عينك الأخرى الآن".
كان رافعاً إبهامه للمعاينة، ممسكاً به على مسافة ذراعٍ من وجهه. بَدَّل آرون مطيعاً بين العينين اللتين أغلقهما. بدا إبهامه الخاص قافزاً قليلاً إلى الجانب مقارنة ببرج الجرس من خلفه.
"وهذا... يُخبرك بمدّى بُعد القمر؟".
قال كونور: "نعم".
قال آرون: "آها"، فضغط كونور بذراعه نحو الأسفل.
"هذا يُخبرك بمدى بُعد إبهامك. لأنك تعرف المسافة الفاصلة بين عينيك، أليس كذلك؟ لذا تقيس مقدار الانزياح، وهذا يُخبرك بمدى بُعد إبهامك، متى ما أنجزت الحسابات. الأمر سيّان بالنسبة للقمر. سوى أنه عوضاً عن عينيك، تجعل أشخاصاً يقفون على مسافاتٍ بعيدةٍ حقاً ويقيسون في الوقت ذاته".
تأمّل آرون الأمر.
خلص قائلاً: "يبدو كأنه هوسٌ بالنسيان".
احتجّ كونور: "لم يكن كذلك. ليس كذلك. إنه علم".
قال آرون: "مع ذلك يبدو أبسط أن تذهب إلى هناك، وتقيس على طول الطريق".
انفتح فم كونور وانغلق، كأنما كان ذلك مفهوماً أصعب من الأشياء التي كان يتحدث عن فعلها بالأرقام.
قال آرون: "توجد كائنات طائرة بكثرة. بعضها يتكلم. لمَ لا تطلب من أحدها الذهاب للتحقق؟ إن استطعت افتراض أنه من الآمن وجود رجلين في جولة علميّة على الطريق ليلاً، فيمكنني افتراض أن وحشاً أو آخر سيكون مستعداً للمساعدة. أرسله مع خيطٍ ربما، كي تتمكن من إعادة التحقق من المسافة التي قطعها في النهاية. هذا أمرٌ قياسه أسهل".
بعد لحظةٍ طويلة، قال كونور: "آرون، ما المسافة التي تعتقد أن القمر يبعدها؟".
"أليس هذا ما تحاول قياسه؟".
دفن كونور رأسه بين يديه، وبقي على تلك الحال لفترة.
قال: "سأجعلك تقرأ الكثير... والكثير من الكتب".
وهو ما بدا أشبه بالتهديد، وتهديداً يودّ آرون تشتيتم الانتباه عنه. لقد حظي بما يكفي من مواد القراءة المخصصة لنفسه على أي حال.
سأل: "لماذا تعرف كل هذا؟".
"... اعتادت روز وأنا التحدث عن الانضمام إلى اليقظة المتأخرة معاً. السفر، لا في جزيرتنا فحسب، بل أن نكون نوع الكشّافة الذي يحظى برؤية ما هو وراء ذلك. وربما حتى إيجاد من أين أتينا. المملكة نفسها، حتى".
ترك الفتى يديه تسقطان، مع النصف ابتسامة ذاتها التي استحقها طموحٌ كهذا.
"حسناً. أردتُ العثور عليها. أرادت هي انتزاعها كثلاثيّة حمراء، واسترجاعها بأكملها. باستثناء جزء الخسارة في النهاية".
قال آرون: "أرجح أنه لم يعد هناك أي شيء. إن كانت مكاناً يوماً".
حكايات المملكة حكايات مملكة لسببٍ ما، وليس لأنها كلها صحيحة.
قال كونور وعيناه معلقتان بالسماء مجدداً: "لكن إن وُجدت يا آرون، فقد قاسو القمر".
تعلّم آرون في تلك الليلة كيف يُميّز الشمال من نجوم ذيل الكيرين المذيل، ومن هناك تعلّم سائر الاتجاهات. لكن ذلك كان أمراً عارضاً تماماً، بحلول الوقت الذي أنهى فيه كونور حديثه مستغرقاً في النوم.
* * *
جلس آرون على مقعدٍ قرب صبيّ الخبّاز، وانتظر. انتظر أكثر قليلاً. تمنّى لو أن لديه بضعة جوارب ليحوكها، لأن الانتظار كان أمراً مُمِلاً حقاً في الواقع، والمقعد لم يقدم قدراً كبيراً من التفوق الأخلاقي.
سأل: "أأمرتهم بقتلي؟".
أثار ذلك توقف جون على الأقل. للحظةٍ واحدةٍ فحسب؛ ثم عاد لإخراج الصواني من الأفران.
"... لا. ماذا حدث؟".
التقط آرون ملعقةً خشبيةً من طاولةٍ أخرى، ومقعده يهتزّ تحته. غرسها تحت أحد أرغفة جون الطازجة وقذف بها نحو الأرض، حيث كان يعلم أنه سيكون الوحيد المستعدّ لأكلها.
قال: "جيد. الموت سيجعل حمل المزيد أكثر صعوبة. كي نكون على وعي تامّ فحسب".
قال جون ولم يغضب حتى بشأن الخبز، ممّا جعله صادقاً، أو مُمثلاً بارعاً في الصدق: "ماذا حدث؟".
قال آرون وهو يقذف رغيفاً آخر: "اسأل أخاك. سأعرّج مجدداً في الصباح. إن كان هذا وقتاً كافياً لتجد كاتباً؟".
قال جون بنظرة حانقة: "وأكثر من كافٍ".
دسّ آرون يديه داخل كمّي معطفه الباليّ، والتقط أرغفته التي لا تزال تُبخّر، وغاادر.
* * *
دُسَّت رقعة في تجويف خلف تمثال لملوك البشر. تناولها آرون. وترك مكانها عملات معدنية ورغيف خبز. حين كان صبيّ المهمّات في القلعة، اعتادت السيدة إضافة خلطات شتى إلى قوائم تسوّقه؛ أشياء اشتراها من الراكون العجوز، بوساطة الأيادي الذكية. خنثوي القاقم لن يرضيه ضبطه متلبّساً في توكينز الآن، هكذا ظنّ آرون. وشقّ طريقه سريعاً نحو الشوارع المضيئة بالشمس قبل أن يقرأ. تلك الأشياء التي اشتراها، كتب الراكون العجوز، كانت ستكون نافعة لتخفيف أعراض الملك الراحل على أحدهم.
بعضها يعالج الألم، وبعضها يزيد الشهية، وبعضها يجلب نوماً عميقاً أو تنفساً أسهل أو يهدئ خفقان القلب. تراوحت بين الشائع والشحيح الغامض. وكان يمكن استخدام كل منها سُمّاً أيضاً، شأن كل الأدوية القوية. إذاً. على الأرجح لم تكن السيدة هي سبب مرض الملك. كانت تمتلك في غرفتها الكثير من السُموم الصريحة بالفعل، فلماذا تبيعه ليشتري المزيد؟ أيّ شيء نادر سيكون أسهل في التتبّع إن انكشفت الحقيقة.
الملك ليام، لا تاقت روحه للضياع، كان يتآكل بلا مساعدتها. وحدها مسؤولية تلك الليلة الأخيرة كانت تقع على عاتقها. بعض الأشياء التي أرسلته لشرائها قد تكون علاجات، إن طابقت المرض الصحيح. أكانت قد حاولت حقاً شفاء جلالته؟ أم أبقته حيّاً فقط حتى صار موته نافعاً؟ امتلكت السيدة حجر ترياق في غرفتها. مجرد قطعة صغيرة، لكنه لم يعتقد أن قوتها في إبطال السُموم تعتمد كثيراً على حجمها.
ثُبّتت بلا أدنى دهاء أسفل طاولتها، في المقعد الذي تفضله عند استضافة الضيوف. لم يكن الدهاء أولوية محتملة إن احتاجته. لم يكن هناك ما يميز تلك القطعة بحجم الرخام عن حجر نهري مستدير بعناية. سوى أنها كانت أخف وزناً عند حملها. وهو أمر لم تكن تفعله غالباً على الأرجح. امتلكت أيضاً رسالة موجهة إلى الملك الحالي، كتبها الأخير. الملك الراحل ليام لم يكن يعلم بوضوح أيهما سيخلفه، أورين أم كونور، حين استقرّ كل شيء.
لم تكن عفواً. العفو ورقة، تُفقد بسهولة أو تُجاهل أو يُدّعى بطلانها. عفو آرون لم يكن الورقة التي كُتب عليها، ولا الكلمات: بل المحادثات مع أورين وكونور وروز التي منحتْه أملاً في التزامهم به. لم يعفِ الملك السابق عن السيدة. وربما لم تطلب ذلك. لكن ليام جلس، ذات مساء أو يوم، قريباً من موته أو قبل أشهر، وشرع في تفسير أمر قد لا يرغب أبناءه في تفسيره. الموت البطيء لم يكن خيار البشر أبداً، هكذا كتب، دفاعاً عن سبب اختيار الميت وقت نهايته.
بدت الكلمات مألوفة، رغم أن آرون لم يستطع تذكُّر مكانها. انتابه شعور بأنه عليه ذلك.
* * *
العجوز في قرية الحطّابين — تلك التي أشرفت يوماً على ولادة توأم وأسدت لآرون نصيحة حول كيفية دخول الغابة إن اضطر — كانت قد ماتت، حين مرّ بالقرية في المرة التالية. رحلت في نومها، وهي مיתة حسنة كأيّ ميتة. فاته السهر، لكنه مكث من أجل المحرقة. لم يكن موتها هناك بعد الآن. ولا هي، على الأرجح. لكنها كانت نيراناً جميلة بما يكفي، ودفئت الأحياء. بكى التوأمان الدبان طوال الليل.