لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 78 — رحلة آمنة (4)

اقرأ لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 78 — رحلة آمنة (4) باللغة العربية على مانجا تايم.

استهدفت أدلايد أولاً. أمر قد لا يُعجبها شعوره بالامتنان له، لكنه حدث. جذبت عنان حصانها نحو الغابة. كادت تنجو أيضاً. لكن التنين سبقها، متنبئاً بمسارها، بمخالب منبسطة تتسع لسحق الصخور. صطادا بقوائمهم الخلفية، لاحظ طرف من عقل آرون، في نظرة خاطفة من فوق كتفه قبل أن يعود لتفقد مكان ركض مخالبه. انطوت مقدّمتاه نحو صدره، وامتدت جناحاه فوقه. بدا نحاسياً لامعاً، الآن بعد أن كفّ عن التموّه وسط السماء.

كان أكبر من التنينين الّلذين هاجما مربض الملح، لكنه أصغر بكثير ممّا ترويه القصص عن بلوغهما. أفي عامه الثاني؟ أم أكبر؟ كان حصان أدلايد يهمهم بخور خلفه. نظرة أخرى للوراء، فرأى الحصان على جنبه، وقوائمه تركل، وشقيقته تتدحرج للوقوف. ربما جفل الفرس تحت ظل التنين. أنقذ حياتيهما، حتماً. التنين، وقد أخطأ هدفه، اختار فيما يبدو نقل المعركة إلى الأرض بدلاً من المخاطرة باختفاء طريدته بين الأشجار قبل أن يتمكن من الانقضض مجدداً.

لم يقصد مطاردتهما. ليس بهذه القوة التي اصطدم بها بالأرض، ولا التراب والصخور المتناثرة في إثره، ولا الخطوط المشقوقة في الطريق من مروره. غرز مخالبه في الطريق، بقوائمه الأربع كلها، ونزف زخمه عبر المخالب والأجنحة، مسرعاً وأبعد ممّا استطاعا الركض. كما ظهر جلياً من تجاوزه لآرون. حسنٌ. لقد كان ذلك اتجاه الفرار الخاطئ إذن. انحرف. كان هناك منعطف في الطريق أمامه. طفيف فحسب، لكنه كافٍ ليضع صف الحجارة المرصوفة بعناية في مسار انزلاقه.

استند إلى الوراء، كطفل توكيني بدأ بالانزلاق على منحدر صخري، ولم يدرك سوى الآن أن القاع ليس بالهبوط الناعِم المتوقع. توقف قبل الحجارة مباشرة. وجلس هناك، للحظة، يلهث. أحد أصابعه جرح حبلاً قديماً. مهترئ من الطقس والزمن، فانزلق إلى الأرض. تلك كانت المرة الأولى التي يرى فيها آرون الليشي. المرة الأولى التي رآه فيها التنين أيضاً. كان… هناك فحسب. يقف بين الأشجار القديمة، مباشرة أمام المكان الذي كاد التنين يصطدم فيه بغابة سيّد الفصول.

كان حارس الغابة طويلاً بضعفي الإنسان. ونصف طول تنين في عامه الثاني. وقف على ساقين، بالهيئة التقريبية للإنسان، إذ ظن البشر دوماً أن الأشياء شبيهة البشر مصورة على صورته. تدلت أشنات كالفراء فوق الخشب الرمادي القديم لعظامه، مشدودة معاً بواسطة كرمات غليظة مجدولة تحرك الباقي. وُجد مكان فوق كتفيه يمكن اعتباره رأساً، لكن لم تكن هناك عيون يستطيع آرون رؤيتها في تلك الكتلة الورقية.

لا أذان، ولا فم. وقف هناك، خلف الحجر مباشرة وتحت أنف التنين، كأنه نبت في مكانه منذ سنين. أبعد التنين مخلبه المعتدي عن الحجر، ببطء. تراجع إلى الوراء على مؤخرته بضعة أقدام صالحة، قبل أن يعيد قدميه تحته، بالبطء ذاته. وسواء كانت له خبرة شخصية مع هذه الغابة، أو فقط ذكريات أمه تحذيراً له، فقد عرف ما يكفي لتوخي الحذر. استمر الليشي في الوقوف هناك. ربما واصل التنين الوقوف فترة أيضاً، لولا أن أدلايد غرست سيفها في جناحه بأعلى ما تستطيع الوصول إليه وجرته للأسفل مباشرة، بخط مستقيم وطويل ونهائي، كخياطة تقطع قماشاً.

صحيح. لأن إيقاع التنين بالأرض معهما كان بالضبط ما يحتاجان إليه. …في الواقع، سيجعل ذلك تفادي المخلوق أسهل بكثير. سيظل سريعاً، لكنه ليس سريع الانقضاض من السماء. ولن يعود هناك رصد لهما من الأعلى. الآن لو استطاع آرون جعل شقيقته تركض فحسب. لكن حصان أدلايد استعاد قدميه، ثم عثر فوراً على الطريق المبتعد عن كل هذا، ممّا… صعّب حقاً تفوقها سرعة حتى على تنين مثبّت بالأرض. كانت تنسحب نحو الغابة — الجانب البشري من الغابة — لكن لعرقلة حركات التنين بين الأشجار المتقاربة، للقتال على شروط أكثر تعادلاً.

لا للركض. كانت هناك قرية قريبة، وهي نبيلة دم. لم يكن مسؤولاً عن أدلايد سونغ. بالكاد كان يعرفها، حتى لو بذلت جهداً سخيفاً للغاية للتعرف عليه. وهو أمر لا يكلف الناس عناء فعله عادة. وإذا نجت — كما فعلت على الشرفة، ومرة واحدة على الأقل قبل ذلك، بالنظر إلى وضع مايكل، لذا فهذا حقاً نمط معها — إذا نجت، وهرب هو من هذا المعكان، حسنٌ. لم يكن أفضل شيء السماح لأشخاص أقوياء خانههم بالبقاء أحياء أيضاً.

الأصح إبقاء مثل هذه الأمور لأحدهما: الخيانة، أو النبض المستمر. ولم يرغب آرون في مقتل شقيقته حقاً. وأيضاً، كانت لديه فكرة، وهي الأكثر سخافة بين هاتين العبارتين. تركت مخالبه أثلاماً في التراب حين استدار. كان التنين يشق طريقه عبر الأشجار خلفه، محاولاً الوصول إلى شقيقته. كان رأسه مرفوعاً بانخفاض محرج تحت فروع أشجار تعهدها البشر ولأجلهم، وجنحاه مثبّتين إلى جنبيه بجذوعها، ووثباته وضرباته معرقلة بما يكفي لتتفاداها أدلايد، طالما حافظت على حذرها.

ربما لم تكن قرى الحراجيين سيئة الدفاع إذن. أو ربما لم يشعر التنين بحرية كسر الأشجار أو إشعال النيران، ليس مع وجود الليشي قريباً جداً. تجاوزهما آرون ركضاً. لم يرد صلة بمخالب أو أسنان أو احتمالية تغييره رأسه بشأن تلك النار. ركض إلى الطريق، وتشبث بهدف أقل خطورة بكثير: ذيل التنين. فعضه، بالقرب من النهاية، حيث تستطيع فكا الذئب الالتفاف بالكامل والإطباق بإحكام. قفز مبتعداً مرة أخرى، بالسرعة ذاتها.

انطلق ذيل التنين لسعة. لم يُسِل آرون دماً عبر حراشفه المصطكة للأسنان، لكن صفق الإصبع في باب لا يسيل دماً عادةً أيضاً. تخيل أن عضات الذئب تبدو كذلك، تحت درعه كله. لم يلتفت نحوه لأكثر من نظرة قاتلة — شكراً لك، أيتها الشقة، على الإلهاء المستمر — ممّا جعل جلد الذيل سهلاً للتفادي. اصطدم خارج خط الحجارة مباشرة. استمر الليشي في الوقوف هناك، والغبار المتصاعد من الضربة يحوم فوقه.

أقرب قليلاً إذن. وهو ما سيبدو صعباً، مع تركيز التنين الشديد على أدلايد. أقل صعوبة، حين تذكر أن أدلايد شخص، اسمياً، في صفه. يمكنه… العمل معها ببساطة. وقف في الطريق حيث تستطيع رؤيته، ونبح نباحه الأكثر إزعاجاً. نظرت. قفز خطوة للوراء نحو الحجارة، والليشي. هزّ ذيله، كإجراء إضافي. أدارت وجهها، دون تغير في تعبير وجهه. توقف ذيله عن الهزّ. لكن عندما لوّح التنين بمخلبه نحوها تالياً — لم يكن يحاول العمة، وتساءل آرون إن كان التناين تتداول قصصها الخاصة عنها — تفادته شقيقته، واستغلت الفرصة للركض.

عودة إلى الطريق، إلى خط الحجارة، حيث ألقت نظرة أخرى على آرون قبل أن تشدّ وقفتها وترفع سيفها. كان التنين في إثرها بمجرد تحرير كل أطرافه من حافة الشجر. لم يندفع برعونة نحوها، ولا أي شيء غبي مستغل كهذا. نظر إلى الغابة خلف الحجارة، وتقدم بحذر شديد، مائلاً بطول جسده على الطريق الضيق لقطع طريق عودتها إلى غابات أكثر صداقة. أبقى جناحيه مضمومين، وأمسك بذيله لنفسه، لأن تنيناً في عامه الثاني كان أنحف بقليل من العربات التي صُنع هذا الطريق لأجلها.

لم تكن لدى آرون الضخامة اللازمة لدفع المخلوق متجاوزاً الحجارة. ليس دون رداء الغريفين، الموجود على مسافة ما أسفل الطريق في سرج فرس هارب. لكن الكلاب تختلج عندما تعضها البراغيث، ويجن الرجال لطنين ناموسة قرب أذنهم. وثب آرون، وغرز أسنانه في جناحه. عند القاعدة، من جانب غابة سيّد الفصول. نشر جناحه. واصطدم بشجرة، محطماً فرعاً بالكامل. هبط آرون للأرض مجدداً، وبطريقة التوكينيين اللائقة، أخلى مسرح الجريمة.

سحب التنين جناحه. حاول. لكن صدعاً آخر سُمع، من نوع مختلف؛ ليس تكسراً، بل نمواً. عاود الفرع المكسور النمو بسرعة لدرجة أن لحاءه تصدع أثناء تمدده في مكانه، متمددة حلقات سنوات من النمو للخارج في لحظة، خارقة غشاء جناح التنين حتى أثناء تحركه. صرخ الوحش وحاول الابتعاد بقوة أكبر، وبسرعة، رد فعل غريزي لمثل هذا الألم المفاجئ. كان سيعمل بشكل أفضل، لو لم يكن النمو الجديد متفرعاً مراراً وتكراراً متجاوزاً نقطة الثقب، بأوراق لامعة بحداثتها تنمو مخترقة، وملطخة بدماء بحداثتها.

استمر الليشي في الوقوف فحسب. تخبط التنين بمخالبه وعض بأسنانه، ممزقاً الفروع والجذع، وجناحه الآخر يصفع الهواء والأرض، وقوائمه الخلفية تحفر في الطريق بحثاً عن ثبات محاولاً العبور مجدداً فوق خط الحجر. انكسرت الشجرة، وعاودت النمو. وكذا الشجيرات الأخرى التي شوهها، حتى برز الخشب منه في كل نقطة معتدية. غطت صرخات اقتراب الدب، إن وُجد أي منها. لم يظهر من الأوراق والظلال كالليشي.

مشى، كما تفعل المخلوقات الفانية، فكل سيّد فصول يموت حين ينقضي وقته. وقد انقضى وقت سيّد الشتاء: بلل ماء الذوبان فراءه كالعرق، إذ استسلم السد الجليدي المرقط بالصقيع على ظهره لدفء الفصل الجديد. كانت خواصره ناحلة، وأضلاعه ترتفع وتنخفض مع كل تنفس مرهق. وحول عينيه المحمرتين نمت زهور الربيع، ناظرة إليه كأكثر التقرحات قيحاً. تُحك غالباً كالمزعجات التي هي عليه، حتى تُمزق بتلاتها وتُسحق سيقانها؛

لتعود للنمو، باليقين ذاته، في مسارات الدموع ذاتها التي كان سيتبعها القيح. بكى الربيع، ولم يجد عزاء. لم يكن بحجم تنين. أكبر من أي دب آخر، حتماً، بضعفين أو ثلاثة، لكنه ظل صغيراً بجوار طول أحد أكبر وحوش العالم. تقدم الدب ببطء، أنفاسه ثقيلة. لوّح التنين في وجهه. هشّم سيّد الشتاء القدم المخلبية بين فكيه. سارت الأمور من هناك، بطريقة يصعب صرف النظر عنها بعض الشيء، وغير مستحبة البتة إدارة الظهر لها.

أو الابتعاد عنها فجأة، بأي طريقة قد تجذب نظرة مفترس. لم يسقط التنين دون قتال. حطمت أسنانه الصقيع المتبقي على كتفي سيّد الشتاء، إلى الجليد تحته، حتى انبجست دماء حقيقية. مزقت مخالبه الفراء واللحم من تلك الأضلاع الناحلة. وجرب نيرانه حتى. لكن الليشي استدار نحو المعركة، بطفيفة، وخُمِدت النيران تحت نمو جديد حتى لم يعد القار تحته سوى دخان. مات التنين بكرمات في فمه وفكي دب حول عنقه.

هزّ سيّد الشتاء طريدته للمرة الأخيرة. ثم سحبها بالكامل عبر خط الحجارة، وبدأ يأكل. وحين أكل، ككائنات تفشى جوعها طويلاً، امتلأت جراحه. ليس بالصقيع أو الفراء، بل بالعشب والسراخس. بدأ الدم على جنبيه يجري صافياً؛ وتحول الأنيق النحاسي في الهواء إلى حلو كالصمغ المستخرج حديثاً. مزيد من أشياء الربيع، ومزيد من طفيليات الفصول المتغيرة. توقف عن النزف، والتصق لحمه الممزق بخيوط الجذور، لكن لم يكن هذا شفاءً.

بدأت أدلايد بخطوات حذرة نحو آرون، بينما كان الدب يمزق ويطحن. نحو آرون، أو ربما نحو نهاية الدرب، والطريق المبتعد. لم يلمها على الأخير؛ فقد كان بالتأكيد المكان الذي تحوم حوله مخالبه الخاصة. نفخ الدب، وأدار خطمه المحمر نحوهما. تجمدت الدوقة المستقبلية. ثم، فيما بدا نوعاً من رد الفعل النبيل، انحنت لسيّد الغابة على ركبة منحنية. حتى أنها رمت آرون بنظرة، كأنه ينبغي عليه فعل الشيء ذاته.

لم يفعل. لسبب، أنه ذئب، ولم يكن على وشك خلع ردائه حين يكون كل ما سيفعله هو جعله أبطأ. لسبب آخر، حسنٌ. لم ينحُ بركعته إلا لشخص واحد فقط. شهق الدب، وعاد إلى وجبته. منحه آرون احترام عدم إدارة الظهر له حتى أصبح بعيداً عن الأنظار تماماً.

* * *

قالت أديليد حين صارا في الطريق الرئيسي على مسافة بعيدة نسبياً: "إنه لا يضر عموماً. إبداء الاحترام لأمور كهذه".

خطا خطوات قليلة. ثم حلّ وثاق عباءته ومشى خطوات أُخر. كانت السماء فوقهما صافية مجدداً ولا أثر للغيوم فيها.

قال: "إن كان بإمكانه إدراك ذلك النوع من الاحترام، ألا ترين أنه يعلم حين يعنيه المرء حقاً؟ لم يكن ذلك ملكي".

نظرت إليه برهة.

فقالت وكأنها تستوعب شيئاً: "أورين محظوظ بوجودك".

لم يُصحّح لها.

قالت وكأنهما ما زالا يخوضان في الأمر نفسه: "أول ما تحملهك عليه غريزتك دائماً هو الفرار، أليس كذلك؟ شكراً لعودتك".

قال: "ما رايك أن تكفي عن اتخاذ هذا عادة، وأكفّ أنا عن الحاجة لاتخاذ قرار؟"

فابتسمت وقالت: "يبدو إذن أن كلا منا لديه ما يعمل عليه".

قال توضيحاً: "لم تكن تلك مزحة"، فضحكت.

مضيا في الطريق قليلاً وفكّت ذراعها الخشبية. لقد كانت بلا فائدة في المعركة كما زعمت؛ تتدلى وتصطدم بالأشجار كلما تفادت ضربة، وتضرب خاصرتها بالقدر نفسه. لقد كانت محظوظة لعدم تعلقها بشيء. ومع ذلك. رفع حاجبها وهو يرى امرأة ذات ذراع واحدة تحمل ذراعاً.

سأل: "ألا يتوجب عليك حمل تلك الآن؟"

كانت النظرة التي رَمَتْه بها كفيلة بذبول كائن لِيشي في الحال. أشارت إليه بقبضة الطرف الصناعي شبه الملتفة.

قالت: "لست متأكدة إن كنت سأعجبك يا أخي".

قال آرون: "ليس لدي باع طويل مع الأخوات، لكن ألا يعني هذا أنني أفعل الصواب؟"

كانت هذه مزحة لكنها لم تضحك. لا باس؛ كان بوسعه الابتسام خبيثاً عنهما معا. بلغا القرية التالية بعد المغيب بقليل. لم تكن هناك أسوار تمنعهما من الدخول مهما بدا مظهرهما مشبوهاً. سمح لهما القرويون بالمكوث في أحد تلك البيوت الطويلة الفارغة الخاصة بقرى الحطابين. أدرك أنها صُممت للمسافرين الذين لا يُرحب بهم حقاً في المنازل. أقاما في الغرفة ذاتها ولم يتفوه أحد منهما بكلمة في هذا الشأن.

نزلا في الغرفة الأبعد عن صف الحجارة المربوطة في الخارج وهو ما استدعى كلمات أقل. تساءل عما إذا كان الكائن البشري الحراجي يستطيع إنبات شجرة مجدداً من خشب جدرانهم، واستغرق في النوم وتلك الأفكار برأسه. أتاهما اليوم التالي بنقطة وصول للرسل. كان حصان أديليد قد وصل قبلهما وقضى الليل محاطاً برفاهية القش الجديد. لقد عُني سايس برعاية عرق خوفه وفراره فمشطه بدقة موبخاً إياهما لترك المسكين في مثل تلك الحال ووحده فضلاً عن ذلك.

بل وسألهما إن كان بإمكانه معرفة كل تفصيلة عما حدث؛ فش شبكة ثرثرة السُّيُّس كان حقيقياً وشائهاً للغاية، وكان هذا أثمن حدث وقع منذ أن أخطأ سايس على الساحل في ملاحظة وحش مائيّ بين إسطبلاته. رمقت أديليد الرجل بنظرة حارقة بينما كانت تقود حصانها الجديد بعيداً وعلى ظهره حقائب سرجها القديمة. لم يندم الرجل. فكّر آرون لحظة.

قال: "رأيت دُبّاً يأكل تِنّيناً. ساعدت بعض الأشجار".

ثم قاد حصانه بعيداً متجاوزاً المناشدات اليائسة لثرثار لمح وليمة وسيجوع قريباً على تلك الفتات. كانت آخر قرية حطابين نزلا فيها هي الأولى التي يراها على الإطلاق. كان التوأمان أورين وروزي اللذان باركهما يسيران على ما يرام. لم يصدر عنهما صراخ منذ أيام، ولا حتى حين كانت أمهما المنهكة بطيئة في إرضاعهما. وبدو أنهما كانا يعانيان من المغص كثيراً قبل ذلك.

علق أحدهما قائلاً: "كانا ينامان جيداً، شبلاها الصغيران. لابد أن الشتاء يبدو مفعماً".

تركا الغابة وراءهما. وولجا الجبال وبدءا الطريق المتعرج صعوداً حتى اجتازا مَمَرّاً وعثرا على هضبة مألوفة في الأفق محشورة بين أنياب القمم الكبرى الحامية. أوصلهما يوم إضافي إلى أبواب أونيكين والقلعة ذاتها، حيث عُرف آرون وحُيّي ورُحب بعودته عموماً بطريقة جعلته يشعر أن البيت شيء يملكه. وبدا الحراس والموظفون جازمين بذلك حقاً. دخلت أديليد معه بموجب تقديمه لها؛ فقد مرّ وقت طويل منذ آخر زيارة لها كي تُعرف بمزاياها الخاصة.

وهكذا أصبحت دوقة الجنوب المستقبلية داخل القصر بين لوردات الجنوب كافة الذين لم يحظَوا بالثقة أثناء إطلاق سراحهم المشروط بالقرب من قواتهم. ووالدها أيضاً المحبوس في قبو آل أوشيا. خطر بباله حينئذ أن تلك الرحلة ربما لم تكن مجرد توثيق لأصرة الأخوة. وأنه أيضاً مستشار سيء للملك بالقدر الذي ظنه تماماً.