قال آرون في المرة التالية التي بلغ فيها أونيكين: "لم تخبرني أن لديك أخاً".
وكانت الرحلة خالية من المتاعب ولطيفة، وقضاها متحركاً على حوافر الخيول لا على حوافره المتألمة. ولم يرفع جون بيكر رأسه عما كان يفعله إذ يعجن العجين بقوة مفرطة.
وقال: "أمعك رسالة لي؟"
فقال آرون: "ليس هذه المرة. لكني سلمت رسالتك. لم تخبرني أن لديك توأماً".
فقال: "ليس أمراً يعهده الناس مهماً في هذا القاع".
فقال آرون: "لعلّك لم تنزل إلى عمق كافٍ".
ونظر إليه صبي الجيب للمرة الأولى في هذه المحادثة، نافخاً خصلة شعر عن عينيه. وكانت نظْرته الريبة تطابق نظْرة أخيه. وبعد برهة، مسح الطحين عن مئزره، ثم أخرج رسالة مجعدة بعض الشيء من جيبه. فتناولها آرون.
* * *
كانت لدى السيدة سموم في غرفتها. سموم كثيرة جداً. لكان أي منها كافياً للملك السابق، وليت روحه لا تضلّ. أو لأفادته، إن كان من نوع المرض الذي يُرجى شفاؤه. وغالباً ما كان الفرق بين الدواء والسم هو الجرعة. فإن كانت تمتلك هذا كله، فلماذا ظلت ترسله إلى توكينز ومعه طلبات للمزيد؟ وكتب آرون رسالة للمرة الأولى في حياته. وكان خطه كبيراً وضخماً ومتفاوت الإتقان، ولم يكن واثقاً تماماً من أنه هجّأ كل شيء بشكل صحيح، ولكن إن وُجد من يستطيع فك طلاسمه فلن يكون سوى الراكون القابع في توكينز.
وخلع معطفه الأحمر البالغ الأناقة. وشعر بيأس طفيف حين أدرك أنه لا يملك شيئاً رثّاً بالقدر الكافي ليرتديه. ثم توجه نحو المنحدرات. ولم يعنَ كثيراً بالمنحدر الأول؛ بل اجتازه مشياً في الغالب، متوقفاً عند أحد المخابز في طريقه، ليشتري لمرة واحدة أفضل خبز سرقه في حياته. ولم يكن بجودة خبز جون. وربما كان دفع ثمن الأشياء يغير طعمها بطريقة ما. فوضع نصفه في جيبه، وعثر على أقرب سلم.
وبدأ البحث الحقيقي في المنحدر الثاني؛ ووجد ما كان يبحث عنه في المنحدر الثالث. وكانت الواجهة فتاة أصغر سناً بقليل من روز، وهي ذكية بالقدر الذي جعلها تجعله يضع الخبز جانباً وتتراجع قبل أن تختطفه. ولم تكن تعرفه. وهو شعور... غريب. وليس هذا هو المهم. بل كانت تعرف الراكون العجوز. وارتادتها الشكوك في كيف لشخص يبدو أنيقاً مثله أن يعرف المرأة، وما المشكلة التي يحاول جلبها، وهل لديه المزيد من ذلك الخبز.
ولم يكن لديه. لكنه امتلك مالاً لإرسال رسالته، في عملات معدنية صغيرة تستطيع توزيعها على أي عدد تشاء من الجيوب والمخابئ. وبعض الجبن القاسي من مخزن جيبه الخاص كثمن لا يستطيع أحد سرقته منها. هذا إن كانت سريعة في أكله. وكان آرون واثقاً من أن هذه مهارة تشترك فيها كل الواجهات. كما وعدها بالمزيد من الاثنتين في المرة القادمة التي يزور فيها البلدة، إن هي فقط تركت رد الراكون مخبأً في كنيسة ملك البشر، في أحد مخابئه القديمة نفسها.
وأدرك وهو يعود صاعداً السلالم إلى ضوء الشمس بأسرع ما يمكن، أنه لا بد أن هناك بعض المال هناك حتى الآن. ولن يكون كذلك بعد أن تراه الفتاة. وأدرك أنه لا يحتاج إليه. وهي فكرة أغرب بكثير.
* * *
طرق آرون باب كونور. ليس الباب المفترض به استخدامه؛ بل الباب من الطرق القديمة.
فسأل الصبي ببهجة ظاهرة: "ألسطح من جديد؟"
فقال آرون وهو يخرج ما أتاه به للصبي: "ظننت أنك قد ترغب في إضاءة أفضل من تلك".
وكانت عظمة، دقيقة كالإصبع، وأطول قليلاً من يد آرون. والهَث ولي العهد. فخطفها، ورفعها موازية لأقرب مصباح قبل أن يشعر بالحرج من تصرفه غير المليء بالوقار.
فسأل كونور ويبدو كمن يستعد لإعادتها: "أهذه...؟"
ولم يكن آرون واثقاً كيف أراد الصبي إنهاء ذلك: أهذه لي؟ أم أهذه عظمة تنين؟ فأجاب عن الأولى، كي يتجاهل الثانية.
"إنها من طرف جناح. أنقذتها من وعاء الطهي لأجلك. وأتمنى أن تكون العظمة الصغيرة مناسبة؛ فلم استطيع حمل ما هو أكبر".
تحسباً لاحتمال اضطراره لدسها تحت عباءة والركض على أربع. لكن الأمير لم يكن بحاجة لمعرفة كل ذلك. ...مع أنه ربما يود معرفة ذلك، إن فكر في الأمر.
فقال الصبي: "إنها مثالية".
وتحرك آرون قائلًا: "لدي بعض القصص لأرويها لك أيضاً. وليست عن إخوتك. بل... عما كنت أفعله فحسب. إن كنت ترغب في سماعها".
"نعم".
وهكذا تجلس آرون على حافة إحدى طاولات سمو الأمير، وتحدث عن التنانين والدببة والزهور المفتحة على أطفال الربيع، وأشياء أخرى كانت... تخصه وحده. وأنصت الأمير باهتمام بالغ، حتى وهو ينشر عظمة التنين بعناية إلى مقاطع عرضية بقدر ما يستطيع المرء بسكين عادية. وكثر التعجب من التخطيط المتقاطع الغريب في الداخل، وكثر الأسف على مقدار ما كسره عن طريق الخطأ. ورربما يجدر بآرون أن يحضر للصبي منشار عظام في المرة القادمة.
فقد بدا ذلك النوع من الهدايا الأنسب ترتيبه بينما كان الملازم الطيب غائباً.
* * *
تفقد آرون خريطة. وكان بإمكان الحصول على خريطة فاخرة من المكتبة، غير أن بعضها كان أصعب من أن يستوعبه، بخطوطه الملتوية التي تعني أشياء مثل الارتفاعات وأموراً أخرى لم يُقصد رسمها بهذه الطريقة المسطحة. بل توجه إلى الغرفة الجانبية الصغيرة حيث يجتمع مجلس الملك أورين. وبدا وكأنه لم يشهد استخداماً يذكر في غياب جلالته. وكان الخدم قد أعادوا ترتيب مقاعد المستشارين في دائرة متكاملة حول البسَاط على الأرض، وهو خريطة لآخر الجزر استطاع حتى آرون فك رموزها.
فوجد الجيوب إلى الشمال. وقام بخطوة جانبية قصيرة على طول الطريق الساحلي. ثم مدّ ساقيه، وكأنه كائن يستطيع الطيران، مباشرة فوق غابة سيّد الفصول وإلى الجبال التي تحضن العاصمة. حسنًا. ربما لم يكن ذلك جيداً.