لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 69 — إلى مَن عساه يصغي

اقرأ لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 69 — إلى مَن عساه يصغي باللغة العربية على مانجا تايم.

اختارت أخته غرفة ذات نوافذ ضيقة تشبه شقوق السهام تخلو تماماً من أي شرفة. أمر جلالته الجميع بالخروج سوى أدايلا وآرون.

هتف الملك أورين مادّاً يده باستبداد: "العباءة. أعد العباءة يا ماركوس... آرون. لن أحتمل غريفوناً هنا إن ساءت الأمور".

كان لا يزال بمقدوره التوجه نحو الباب، رغم أنه لن يصمد أمام غريفون.

كرر الملك: "آرون".

أو ربما... كان بمقدوره الوثوق بالناس، هكذا تخيل. ليجرب الأمر، ويرى إلى أين سيأخذه. ناوله آرون العباءة. وراقب بتمعن عبوس، بينما أمسك أورين بالشيء الضخم المبلل من أطرافه. اكتفى جلالة الملك أخيرًا بإلقائه على طاولة جانبية. ليجد أورين نفسه مجبراً على الجلوس بجوارها، فلا فائدة من أخذ شيء إن لم يتولّ حراسته بنفسه. جلست أدايلا على المقعد الوثير الأقرب إلى الباب. وجرّته ليكون في ذلك المسار تماماً، مع نظرة ذات مغزى صوب آرون.

اختار آرون طاولة في الركن البعيد ليستند إليها، حيث تبدو الحجارة خلف ظهره مألوفة على الأقل.

سأل جلالته، بينما بدأت العباءة المكومة بجانبه تقطر على الأرض، وتنتشر البركة ببطء لتندمج مع تلك التي تحت حذائه: "إذن، من أنت؟".

أجاب آرون: "آرون. بلا اسم عائلة. واحد من أبناء الدوق سونغ غير الشرعيين، مع أنني لم أنشأ بمثل تلك الفخامة التي نالها غيري. على ما يبدو".

قالت أخته باستسلام تام: "لقد وعدني أنها مرة واحدة فحسب".

سأل آرون، ملقياً نظرة خاطفة نحو مقبض عظم الكيرين الخاص بها: "أكان ذلك قبل أن تبدئي بحمل هذا معك، أم بعده؟".

بدأت ملابسها هي الأخرى بالقطر. وغالباً على التنجيد. فرمقته بنظرة، وأشارت إليه بإصبع تحذيرية. هزّ آرون كتفيه غير آبه. وارتجف برداً، رغم أنه لم يكن مبللاً بمثل ما بلغاه.

سأل أورين: "لماذا تتحدث بصوت مرتفع هكذا؟".

رد آرون، محاولاً خفض نبرته: "لأن هناك تنيناً يصرخ في أذني. لا أنصح بالأمر. هل تحتاج إلى إجراء أي اختبارات، لاستبعاد أي كائن آخر قد أكونه؟".

جعلته السيدة يتناول الشاي برقاقات الحديد، أول لقاء جمعهما. ولم تجرِ أي اختبارات محددة للمسوخ، لكنه، على أي حال، لم يسمع باختبارات أكثر تعقيداً من الإمساك بالأشخاص الذين يعيشون في الطابق الخطأ من توكينز حين تقام حملة صيد الفئران. لم يكن يدري كيف سيشرعون حتى في اختبار بقية الكائنات: لقطة صيد متنكرة، أو أوهام ثعلب، أو أي من المخلوقات التي تستطيع التنكر في هيئة بشر.

رغم أن معظم تلك الكائنات تستطيع اختيار مظهرها، ولن يختار آرون بالتأكيد أن يبدو كصبي ميت.

قالت أخته: "سواء كنت مقيداً بعظم الكيرين أم لا، فذلك سيان بغض النظر عن هويتك الحقيقية. تكلم، وسنرى مدى تصديقي لك".

سأل آرون: "أخبرني أحدكم بمدى لطافتك؟".

قال أورين: "أتذكر حين كنت في الأقبية. عجزت عن الإجابة على عظم الكيرين بأنك بشري. ولهذا السبب أبقاك الحراس معتقلاً طوال تلك المدة".

تعلم آرون ألا يرمش بعينيه باتجاه ذلك العظم المذكور. فذلك يجعل المرء يبدو مثيراً للريبة على ما يبدو. شدّ يديه على حافة الطاولة من خلفه، فاستلّ امتداد الجلد وميضاً حارقاً جديداً من حروقه.

"كنت وجهاً يا جلالة الملك. ولست ذلك النوع من البشر الذي يعنيه سكان الأحياء الراقية".

سألتا أدايلا: "ما هو الوجه، وما علاقة هذا كله بأخي؟... أخي الآخر"، أضافت، وكأن عظم الكيرين الخاص بها لم يعد يطيق استثناءه.

لذا بدأت تصدقه أخيراً. منحها آرون ابتسامة كاشفة عن أسنانه، تلك التي تتبادلها الحيوانات.

"نحن أولئك الذين يحافظون على النظام في الأحياء السفلى. نتيح لجميع بشركم ملتزمي القواعد أن يتوهموا أنهم يتعاملون مع بشر آخرين مثيلين لهم. وإن هم لم يُمعنوا التفكير مطولاً فيمن يختفي خلف الوجه، فلن يكذبوا أبداً حين يحضر صائدو الفئران مستفسرين عن عظام جميلة كتلك التي تملكينها".

وهنا ظهر وجه أخته الساخط. كان يتعلم كل تعبيراتها المفضلة في هذه الليلة.

"ألك أن تعمل مع—".

قاطعه جلالة الملك: "إنهم أطفال مسروقون يا لورد سونغ. يُروَّضون على العمل مبكراً، ويُقنعون بأنهم عاجزون عن المغادرة".

انتصب آرون قليلاً على الطاولة، ليصير جالساً لا مستنداً. أصدر شيء ما في معطفه صوت طقطقة، وأخذ لحظة ليعزي نفسه على آثار الطقس في مؤن جيبه. لم تكن الأمطار الغزيرة تمثّل مشكلة أبداً في توكينز. كانت صيدليته في الغالب داخل لفائف مكسوة بالشمع على الأقل؛ فسيكون لديه الوقت لإنقاذها قبل أن يتسلل إليها الماء. أما الطعام فسيتوجب عليه تناوله الليلة، ألن يكون ذلك مقززاً. أليس غريباً أن يتوفر لديه طعام بكثرة لدرجة أن قطعة خبز جافة بعض الشيء تبدو مقززة.

تابع أورين، وهو يرمقه بنظرة وكأنه بالكاد يراه للتو: "لدينا سياسة عفو عنهم. لكن إعادة تأهيلهم أمر عسير".

قال آرون، وهو يرجّ ساقيه: "يا لها من كلمة لطيفة، إعادة التأهيل".

"أذكر أنك كنت أكثر احتراماً في الحديث يا لورد... آرون".

رد آرون: "أظن أن ماركوس كان ليكون محترماً. فلبلاء النبلاء فعلوا لأجله شيئاً ربما في فترة ما من حياته".

قال جلالة الملك بعينين ضيقتين: "إن كنت تشعر هكذا، فإني أتفاجأ لبقائك في القلعة".

"لست أسوأ ملك عرفته. ولم يكن أبوك كذلك أيضاً".

التقطت أدايلا أنفاسها إثر تلميح الخيانة العرضي ذاك. انحنى أورين للأمام.

"سمعت عن الملك الذي كان لجرذانكم. مولعاً بالقتل حتى تسير الأمور على هواه، أليس كذلك؟".

آه. ربما ما كان لآرون أن يجعل أورين يفكر في ذلك.

"ما هي صلتك بالأرواح اللطيفة؟ وما شأنك بمحاولة اغتيال عائلتي؟".

أجاب آرون: "أطلقت الإنذار وأنقذت أختك. إن كنت تتذكر".

طرح جلالة الملك سؤالين، وتلقى إجابة واحدة. وظل منتظراً. تحرك آرون في جلسته. كان الجلوس يشحذ الجرح في جنحه بطرق لم يعتادها بعد. تمنى بشدة تفقد ذلك الشيء، لكن هذا لم يكن المكان ولا الصحبة المناسبة لفك درعه. ظل جلالة الملك منتظراً. هزّ آرون كتفيه. ولامست يده جنحه برفق.

"كنت أنتمي إلى أحد هم يوماً. مات، فرحلت. حدث ذلك قبل أن يدفع أحد مالاً للتخلص منك أو من ذويك".

رفع آرون يده وحك حاجبه، وشعر بالارتياح لأن البلل الذي على كفه كان وردياً مائلاً للماء لا أحمر. إذن فهي غرز على الأرجح. لكنه لو كان سينزف حتى الموت، لكان قد فعل منذ زمن. استمر جلالة الملك في الانتظار. أعاد آرون يده مكانه، وتركه يفعل ما يشاء.

الحت أدايلا وسط ذلك الصمت المتواصل: "وماذا... حل بأخي؟".

فتح آرون فمه. وأطبقه. لأنها كانت تحب ماركوس في الواقع، حسب ما تسنى له معرفته. وما كان يوماً أمراً يسيرًا أن تكتشف أن شخصاً تعزّه قد مات دون علمك حتى.

"لقد قُتل في الخريف. بعد وصوله إلى أونكين بقليل، حسب ما أستطيع ترجيحه. آسف لخسارتك".

لم يصدر عن كرسيها أي صرير على الأرض، أو أي تصرف درامي كهذا. نهضت ببساطة، وسارت من مقعدها قرب الباب وصولاً إلى إحدى تلك النوافذ الضيقة في جانبه من الغرفة، عاطية إياهم ظهرها. وضعت إحدى يديها على فمها، بينما حاولت جذع يدها المبتورة إضافة طيف يد ثانية. أخذت تنظم أنفاسها ببطء. وحين استدارت مجدداً، كانت بكامل هدوئها، باستثناء تلك اليد.

سألت، وأدرك آرون رائحة القتل حين سماعها، بغض النظر عن مدى استواء نبرتها: "من؟".

"السيدة. هي من أمرت بذلك على أي حال".

التفتت يد أخته إلى وضعية تنم عن تفكر أكبر من مجرد الإخفاء.

"أكانت تعلم أنه هو؟".

أجاب آرون، ضاغطاً بذراعه بإحكام على جنحه، فالضغط على الجرح النازف لم يكن يوماً أمراً سيئاً: "ظنت أنني أنا. ثم ظنت أنني هو. ويمكنك أن تري مدى تعلقي باستمرارها في الاعتقاد بذلك".

ضحكت أخته. لم تكن الضحكة الطيبة. وسقطت يدها.

"لكنها تحبك. هي تحبك لا تحب ه. كنت أعلم أنه يراسلها، وظننت أنه يحاول اصلاح ذات البين بيننا، فقد كان دائماً— لكنها لم تكلف نفسها عناء معرفته قط. ولم تكلف نفسها بالتأكيد عناء تعليمه بنفسها، وكأنه شخص تريده حقاً. إنها لا تدرب ابنتها حتى، أليس كذلك؟".

لا، لم تكن تفعل؛ فقد منحت الفتاة روز كتباً، ووعوداً بمعلم حين يتجمع كشافة السهاد المتأخر في آخر الجزر لتبادل ما تعلموه. لكنها لم تتطوع لتعليم الفتاة بنفسها. الفتاة، التي كانت شقيقة أدايلا بمقدار ما كان آرون شقيقاً لها. فقط من جانبين مختلفين تماماً. يا لها من عائلة غريبة تلك التي صنعاها، ومعهم كونور أيضاً؛ يا لها من عائلة جميلة جمعتهما معاً.

قالت أخته، وقد صار اسمه لعنة على شفتيها: "لن تصاب بخيبة أمل لكونها حصلت على الابن غير الشرعي الخطأ يا آرون".

طريقة مألوفة تماماً لسماعه.

"صحيح. لكن".

تآلم جنحه تحت ضغط ذراعه. وتأججت يداه المحترقتان حين شدّهما حول حافة الطاولة.

"لم أكن أنا من تآمرت معه لقتل الملك ليام. وتلفيق التهمة لأبينا للتخلص منه هو الآخر. وأشك في أنها سترغب في أن يحمل تلك المعلومات شخص يمكنه التجول ليحكيها لمن يبدي استعداداً للاستماع"، قالها آرون، لمن قد يبدون استعداداً للاستماع.