بدأت المنجنيقات توضع في مكانها. انشغل معظم المقاتلين عن الاشتباك المباشر مع التنانين الواقعة على الأرض. استُبدلت الشباك وأسلحة الإيقاع بالرماح. وضعوا طوقاً أمنياً لتثبيت الوحوش ريثما تُقضى مضاجعها. من بعيد وبأمان. الخيار المفضل للبشرية. لـم تنشغل السيّدة. انكسر جناحها الأيسر. مرآة ساحرة للتنين الذي تقاتله حالياً. لم يسمح لها ذلك بالانشغال. امتلكت الخبرة في صفها. لكن التنين بدا أضخم وأقوى وأقل اكتراثاً بكثير بإنهاء المعركة على قيد الحياة.
لعلّه أدرك مسبقاً انتفاء ذلك الخيار بالنسبة إليه. دفع تنان ثانٍ نفسه خارج الوحل خلفها. بدا عمودُه الفقري منكسراً في موضع ما قبل مؤخرته. صنيعة السيّدة غالباً. لكنه انتصب على قوائم أمامية مرتجفة. بدأ ذلك السعال المشؤوم. التوت عنقه للخلف لبثّ النار حتّى وهو يترنّح. هوى آرون. لم يحصل على الارتفاع الكافي لهبوط صيد سليم. لكن الانقضاض على ظهره يفي بالغرض. طبق بين فكيه على عنق الفرخ.
إن فشل في تحويل هدفه بعيداً... إن كانت قبضته تساعد في الواقع على تثبيت هدف الفرخ بدلاً من إحباطه... حسناً. لن يستطيع أحد إثبات استخدامه لتنين قاذفاً للهب. أصاب القار جناحها قرب القاعدة. شوى الماء هناك بلمح البصر وانفجر إلى الخارج. رشّها بشرر الشحم من الرأس إلى مؤخرتها. وثبت إلى الخلف. جناح يجرّه وآخر يشتعل. حاولت إبعاد نفسها عن التنانين حتّى وهو يلاحقها مباشرةً. حتّى والقطران يواصل الاحتراق مخترقاً عباءتها.
وسيصل قريباً إلى— حلّت أزرار الشيء. ألقت بخرقِه المشتعلة في وجه التنين الأول. توهّجت النار. مجرد إزعاج مؤقت للتنين الذي شرع ببساطة في إبعاد العباية المحترقة عن عينيه بيده. بَدا الموقف إلهاءً مثالياً لتتسلّل تلميذتُها للإنقاذ. لكن للأسف. تلوّى التنين من تحت آرون بقوة شديدة أطاحت به بعيداً إلى الوحل. في الاتجاه المعاكس تماماً للموضع الذي تجثم فيه السيّدة. لأنها لـم تكن غبية لدرجة ظنّ أن إنساناً يستطيع التفوق عدواً على مخلوق بحجم منزل طويل.
انقطع نفس آرون. أكثر مما خطط له في الواقع. لكن لا بأس بذلك. سقط التنين الذي انقضّ عليه إلى الأرض من جديد. تعلو جوانبه وتهبط. استعاد التنين الذي تواجهه السيّدة بصره. التوى سعالاً. ويا له من مصير مأساوي لعدم تمكنه من بلوغها في الوقت المناسب حين— أخطأ رميته. طبيعي جداً. رقصت السيّدة مبتعدة في اللحظة الأخيرة. نسخة أكثر رشاقة من مراوغة ابنتها على الشرفة قبل قليل. حاول وأخطأ مجدداً.
ثم بدا أنه يضيق ذرعاً بالأمر مثل آرون. انقضّ فجأة ليعضّها. حاول عضّها. أخطأ. ربما لم تكن التنانين مقاومة للنيران كما يدّعون. إذ شكّل التلف الفعلي في العين العذر الوحيد الممكن لتقديرها الخاطئ لذلك. إن جلس آرون في الوحل طويلاً بعض الشيء الآن. فسيُرجع عذره إلى التشكيك. أمسكت السيّدة به وهو يحدّق. ابتسمت باستهزاء. واصلت استدراج التنين عبر تفويتات ضيقة ومحبطة للغاية. حتّى استدار بجانبه العريض تماماً نحو أقرب منجنيق.
لم يُخطئ المشغلون. إصابة في الرئة. أقرب ما يكون القتل الرحيم إلى سهم عملاق في الصدر. لمَح آرون مابل وهي تسدد ذلك الشيء. تساءل عن سبب غيابها وقوسها الطويل عن الحراسة الخلفية. كأمها كابنتها على ما يبدو. قصرت المعركة بعد ذلك إن جاز تسميتها كذلك. هبط آرون خارج صف الفرسان والمنجنيقات. انضمت إليه السيّدة بعد لحظة. تشق طريقها عبر ممرات العربات الموحلة والأخاديد الطويلة حيث سقطت التنانين.
بخطوات وثابة ومسرورة نوعاً ما. عمل الفرسان على إبقاء التنانين منفصلة ومحظورة. انتقلت طواقم المنجنيقات من هدف إلى آخر بكفاءة عملية. كان التنين ذو العمود الفقري المنكسر هو الأخير. نجح في رفع نفسه على قوائمه الأمامية من جديد. يراقب بصمت المشغّلين وهم يجهزون رميتهم. تحت خطوط الوحل، تَموجَت الألوان على حرشافه. حُمر وبرتقاليّات، ورديّات وبنفسجيّات. حين مات، استقرت تلك الألوان في أزرق الغسق الشاحب.
توقف المطر وبقيت الغيوم. مضى النهار بلا غروب يعلنه.
سألها آرون بعد أن ذهبت وفيات التنانين: "كيف فعلتِ ذلك؟ ظننتكِ هلكتِ".
أجابت بذات الابتسامة السابقة: "ستكتشف الأمر حين تتلقى مزيداً من التدريب، المتدرب آرون. رغم أنني أتخيل أن التقنية لن تكون بالفعالية نفسها بالنسبة لك".
رمقها بنظرة جانبية. منحته نظرة بريئة تماماً وهي تقف متأبدة برائحة الفرو المحترق. ومعها كمية كبيرة من الدماء التي لا تخصها. كيف حدث ذلك أصلاً عبر عباءة الغريفين إلا إن علق منها الكثير لدرجة التسرب— لحسن الحظ، أوقف اقتراب روز ولوخلان مواصلة تلك الفكرة.
قالت الأميرة محاولة الفشل في كبح جماح شنانيكان قبل أن تنطح الفرس الحمراء المرأة المعنية بحنو: "يسرني رؤيتكِ بخير، أيتها السيّدة".
لاحظ آرون أن وبر الفرس أخفى ببراعة أي لطخات قد اكتسبتها للتو. قالت السيّدة مادّة يدها لتدليك خلف أذني الكلبة..
قصدي الأذنين بطريقة ربطها بالكلاب أكثر من الخيول: "وأنتِ كذلك، أيتها الأميرة".
ردت الأميرة بتواضع تام: "تلقيت مساعدة".
لم يكن واضحاً البتة إن كانت تشير إلى الملازم إلى جانبها أم الفرس التي تحملها. جلس الملازم على فرسه المستعار بيقظة وتصلب لم يظهرهما قط على صهوة جواده الخاص.
سأل آرون ناظراً بين الرجل والسابعة صعوداً: "كيف حدث ذلك حتى؟"
أجاب لوخلان: "أصرّا".
كانت أخته تقترب أيضاً بكامل حرس الشرف خلفها. والملك الذي تفضلت بإعارته فرساً. تجمد آرون لحظة لأن أديلايد الصغرى تقترب من كبيِرتها. وبدا ذلك حديثاً سيبذل الكثير لاعتراضه.
قال آرون: "عذراً".
سحب قلنسوته. واستغل سيقان الغريفين الأطول لجعل ذلك الاعتراض حرفياً. توقف فجأة مخلفاً وراءه رذاذ الوحل أمامها. ألقى قلنسوته. واندس بجانبها. جانبها غير المُسلّح. لأنها ستستغرق لحظة إضافية لتسوية نصلٍ نحوه.
"أختي. الأخت المفضلة. لن أهرب لفترة إن لم تخبريها بشيء. أمك مرعبة".
قالت أديلايد وسيفها شبه مسلول: "وكأنها ستكترث باختفاء ماركوس".
بدا أن وجهه يصنع شيئاً متناقضاً لأنها راقبته فاشتد تعبير وجهها.
"لكنها ستكترث إن فعلتَ أنتَ، أليس كذلك؟"
قال آرون: "لا أظن أن مشاعرها تجاه أي شخص تؤثر كثيراً في مدى الحياة الذي تقرره له".
عند تلك النقطة لحق الآخرون بركضته الصغيرة. وكُلُّ الناس الذين لا يريدون آرون ضمن مسافة التحدث لبعضهم البعض –جزء كبير منهم على الأقل– كانوا هنا.
سأل الملازم الثاني لوخلان ناظراً ذهاباً وإياباً بينه وبين أخته: "ما الذي يجري؟"
وفعلت روز الشيء نفسه. رفعت السيّدة حاجبها ببساطة.
قالت أديلايد في الوقت الذي قال فيه أورين: "أطلب حضور..."
لكن عيني جلالته علقتا بشيء خلفهما فخفّ صوته: "جيسي؟"
تصلبت إحدى مشغلات المنجنيق تحت خوذتها معطية ظهرها لجلالته. ما يعني أن الملك يتعرف عليها بطريقة تحركها لا شكلها. استدارت الجندية.
خلعت خوذتها وابتسمت بصرامة: "سموّكِ".
صحح أورين محمر الوجه فوراً: "الجلالة".
تحولت ابتسامة المرأة إلى شيء حقيقي قائلة وهي ناظرة عمداً إلى وجهه لا إلى نفسه المبللة والمتعبة من المعركة: "أستطيع رؤية ذلك. جلالتي تماماً".
قال الملك: "ظننتُ، قيل لي..."
ثم شرع في العبث بالسيف على حزامه.
"معي... الخاص بكِ".
وهو ما مكّن آرون من تذكر الاسم: جيسي. إحدى الجنديات من فرقة أورين القديمة. تلك التي أوصت له بسيفها. واحدة من أولئك الذين ادّعى الدوق موتهم.
قالت مقاطعة تخبط جلالته المستمر: "احتفظ به".
حينها امتنع اثناهما بحزم عن تلاقي الأعين. وكان ذلك قدر ذلك الدراما الذي تمناه آرون لنفسه طوال حياته.
قالت أخته: "كما ترون، لدينا جميعاً الكثير لنناقشه".
قالت السيّدة: "يسرني أنكِ بخير يا أديلايد".
تحرك فرس أخته ذو الحرشاف تحتها. سرّ آرون رؤية السابعة صعوداً تمنح المخلوق البراق نظرة كبصلة غير شهية البتة.
قالت أديلايد: "أنا غاضبة جداً منكِ يا أمي. لكن كان ذلك قتالاً جيداً هناك".
"أحضرتُ علبة من تلك الفطائر التي تعجبين بها. يصنعن إفطاراً سيئاً".
كررت أخته: "غاضبة جداً".
قالت السيّدة كأن الأمر نوع من عرض سلام: "يمكنك إحضار أخيك".
عبر وجه أخته شيء مؤلم لفترة وجيزة: "أعتقد أنكما تحتاجان جلسات صراخ منفصلة".
ولم تبلغ عنه.
"أراكِ إذاً؟"
"نعم يا أمي".
ابتسمت السيّدة حينها. ورغم تخلل الرمادي لشعرها الذهبي تعذر جزم أيهما الأكبر. لم يستطيع جلالته دخول القلعة بعد بالطبع. وباعتباره نبيل الدماء الأعلى رتبة، كان مكانه الانتظار. حتّى يُجلب كل مصاب للداخل ليُشفى أو يُراقب حتى محرقتهم غداً. حتّى يُفحص كل تنانٍ ساقط لضمان عدم تظاهر أيّ منهم بالموت. سيتعين على أعمال السلخ انتظار شروق الشمس. تُرِكوا حيث سقطوا: ستحميهم حرشافهم من كل شيء ما عدا الجيفيين الذين لا ينبغي لأي بشري منازعتهم.
حين دخلت الجندية الأخيرة بوابات الهضبة أخيراً خلف المنجنيق ذي العجلات الأخير، التفت حزبهم الصغير للمتابعة. حرص كل من جلالته وأديلايد على ألا يغادر آرون نطاق رؤيتهما. امتطيَا جانبيْه مع إحاطة حرس شرف أديلايد بهما. وضع ذلك لوخلان والأميرة روز في وضع غريب يتمثل بكونهما الأخيرين بالداخل. المحطة الأخيرة حيث ينبغي أن يتواجد حاكم لاستريغن.