لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 57 — مشكلة أشباح صغيرة بعض الشيء

اقرأ لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 57 — مشكلة أشباح صغيرة بعض الشيء باللغة العربية على مانجا تايم.

كان الموت حاضراً هنا أيضاً. الرجل الذي جاء لأجله، آخر الخارجين من الحريق، كان حياً يرزق. موته كان يراقبه. آرون يراقبه بدوره. في ارتعاشة يدي الرجل حين يفرغ من عمله. في جلوسه بعيداً قليلاً عن رفقائه، ضاحكاً بصوت عالٍ أكثر مما ينبغي على نكات رجال أتعبهم الاعياء، ومختلساً نظرات للسماء كأن الزرقة البريئة على وشك نصب فخ جديد له. عصفور حطّ عليه، هذا ما تذكره آرون. في زمن كان يتوق فيه للهرب يائساً، شدّ آرون طرف كمّ الرجل وجذبه.

مهّداً الطريق حول مبنى. توكينز، كتب على التراب بخطوط مخالب غليظة. غاية صالحة لاستخدامه الجديد كأي غاية أخرى. انتفض الرجل عند الكلمة. لم يحتج على براءته. ولم يهرب أيضاً. كانت تلك بداية. نقر آرون الكلمة بمخلب، محتفظاً بنظرات الرجل. لم يكتب داونز، الكلمة المعتمدة من البلاط. كتب ما كتب، وهناك كان على الرجل أن يذهب. تمشى موت الرجل حول جانب المبنى. راقب، كما كان يراقب. لم يكن الهجوم الذي حدث الليلة الماضية ما ينتظره، ولا الحريق.

كانت هذه بلدة تقتل أشباهها، ولم يكن هذا الرجل متخفياً. نقر آرون الأرض مجدداً، مرة واحدة، بقوة كرت في معصحه الذي ما زال يتعافى. حسنآ، قال الرجل متجرعاً ريقه. حسنآ، سأفعل... حسنآ. حسنآ. أومأ آرون برأسه، وتحرك ليمحو التراب بمخالبه. اقتراب الموت خطوة، متفحصاً الكلمة وهي تختزل. لست ماركوس، أليس كذلك، قال الموت، وكان ينظر مباشرة إلى آرون وهو يقولها، رغم أن آرون أبقى خطمه موجهاً للأرض وعينيه على مخالبه.

ليس بعد الآن. أومأ الرجل لآرون إيماءة متقطعة. استدار ليغادر، عائدًا إلى أولئك الذين سيقتلونه ويبنون له محرقة ويقولون كلاماً حسناً فوق النيران، إن لم ينج بنفسه سريعاً. مدّ الموت يداً، وأمسك بكتف الرجل. توقف الرجل لحظة، كأنه متردد. هوى على ركبتيه، ثم على جنبه، بعينين مفتوحتين على طريقة لا تكترث بالإغلاق مجدداً. أعلم أنك تراني، أيها الشبح، قال الموت، ومدّ يداً نحو آرون.

وابتسم، بابتسامة شديدة التحفظ، حين تفادى آرون الضربة وتراجع. هكذا إذن. أجد الأمر مزعجاً حين يتم تجاهلي. انحنى ليصل إلى مستوى عين ذئب. وحدق لحظة، قبل أن يتكلم ثانية. لم أتقابل مع شبح قط. ظننت ستكون... أكثر إثارة للرعب. حرك أصابعه ملوحاً عند الكلمة. كان آرون يراقب هاتين اليدين عن كثب شديد. لست متكلماً؟ لا بأس. إذن استمع: ليست لي صلات بالبلاط، ولا أصحاب أصاحبهم، ولا خصومات معك أو مع قومك.

لم تطأ قدمي مملكتك قط، لا قبل ولا بعد. لكن محروسي كان ينبغي أن يُكتشف أمره الآن، لولا ذلك الإلهاء البسيط الذي وفرته الأميرة. هذا كان وقته ليموت. وهكذا مات، ومثله سيكون دور حياتي التالية، والتي تليها، في أوقاتها. لندعنا من الملاحظات الصغيرة المخطوطة بيننا، أمم؟ أو ربما سنجرب موتك غير الحقيقي قليلاً. حرك أصابعه ثانية. وابتسم ثانية. وقف، ومدد ظهره، واختفى من خطوة لأخرى وهو يمشي متخطياً جثة مكلفه الميت.

وهو بالطبع ما جعل القائدة ليو تعطف الزاوية باحثة عنهما. ثمة طرافة ما في الإمساك بأحد فوق جثة هامدة لا تفقده بريقه أبداً. كانت سيفها مسلولاً بنصفه غريزة وفتحت فمها لتصيح قبل أن يجعلها شيء ما، بطريقة ما، تعيد التفكير. لم يكن آرون متأكداً البتة من كنه ذلك الشيء، نظراً لأنه كان رجلا مريبًا يرتدي جلد ذئب ويقف فوق رجل ميت، بينما كانت كلمة توكينز تبدو باهتة وخلفه بالكاد ممسوحة نصف مسح.

لكنه ثبّت نفسه، لأنه عرف أن بوابة القرية ما زالت مفتوحة والغابة قريبة نسبياً وكان لديه ما يكفي من الأدرينالين ليفعلها؛ لأنه عرف أنه يستطيع العدو هرباً، لكنه فضل ألا يفعله. هكذا إذن، قالت، وهي تعيد سيفها إلى غمده بهدوء. كان ذلك العصفور، أليس كذلك؟ أومأ برأسه. مرة واحدة، وببطء شديد. هكذا أنت، ماذا، أخذته إلى هنا لتختبر ردة فعله على ذلك؟ كان ذلك خط توكينز المخرطش. انطلقت عينا آرون الذئبيتان إليه.

ثم إليها. بدا إيماءة أخرى ملائمة. وللحق، كانت ردة فعل الرجل عليها مدينة بما يكفي. كان ينبغي أن يموت على يدي صديق، قالت القائدة ليو، بنبرة حازمة إلى حد ما. وهو ما بدا شكواها الأساسية من هذا الموقف. كيف قتلت حتى... لا، لا أريد أن أعرف. لكنها أرادت ذلك بوضوح، إذ كانت خطوتها التالية هي الانحناء قرب الجثة. قلبته على ظهره. استقامت أطرافه، قليلاً. كانت عيناه مفتوحتين وما زالتا تبدوان مصممتين على البقاء كذلك.

لم تكن هناك علامة واحدة عليه. بدا أن ذلك يربكها، قليلاً. شاركها آرون هذا الشعور. أطلقت نفساً بطيئا. إن قلت لعائلته إن الدخان والصدمة هما ما أوديا به، هل ستخبر أحداً بغير ذلك؟ هزّة رأس ذئبية واحدة، حتى لو توقف قليلاً قبلها. وهي أقصى ما ستقدمه، وعليها تقبلها. لن يخبر أحداً، لا. لكن الأكاذيب البيضاء الصغيرة من هذا النوع كانت أكثر ما يكرهه، لأن الناس يتصرفون كأنها معروف.

ربما كان سيفيد أهل القرية معرفة ما كان عليه الرجل، وسؤال أنفسهم عما إذا كان بمستطاعهم تحمل قتل واحد آخر من قومهم قريباً من محرقة فتاة البوم. كم كان سيكون عدد الذين يستطيعون قتلهم، لو سارت الليلة على نحو مختلف. مجرد كذبة بيضاء صغيرة، لتزيل ألم الحقيقة. أبعد ما يكونون عن الشعور بذلك الألم، والتغير. على الأقل ستترك الكذبة شبهه طليقاً، ودون أن يبحث عنه أحد. سيكون اعقل من الاقتراب من هؤلاء القوم.

حول جانب المبنى، استمرت الحياة، وهو ما كان مزعجاً كعادته دائماً. كانت روز تقبل الوداع من القرويين. بدا لوكلان أنها تأخذ نفساً عميقاً مع كل شخص جديد يعرف أنها الأميرة؛ ويعرف أن عائلة أوشي كانت تخفي ملكة موسومة بالجن لثلاثة عشر عاماً. أشارت القائدة ليو بحذر شديد لشخص آخر خلف المبنى، لتبدأ على الأرجح في نشر نهاية الرجل المأساوية والبشرية تماماً. غادروا، عائدين باتجاه القلعة.

ركبت روز حصان لوكلان. ومشت لوكلان، ممسكة بالرسن بتعمد ملحوظ. وتخلف آرون وراءها، محاولاً تجاهل رائحة الموت الطازج في الحقول؛ الأجساد الصغيرة الساقطة هنا وهناك. لم تكن كثيرة، ليس أكثر مما لن تحمله الحيوانات الأخرى في اليوم أو اليومين القادمين. لكنها لم تكن قليلة. بعضهم ربما مات بسبب الدخان، أو صدمة الحروق من حمل تلك الجمرَات المشتعلة. لكنه شك في أن عدداً ليس ببسيط لن يحمل أي علامات عليها على الإطلاق.

كان موت الرجل قد دعاه شبحاً. وهو ما... الأشباح هي سبب تركهم للنسيان. ربما كان عليه منادات موته مجدداً، للتأكد من أن هذا ليس صحيحاً، لأنه ورغم استحالة الأمر كان لا يزال من نوع الأمور التي يفضل تأكيدها. بأنه ليس كذلك. لكن كان هناك رجل ميت في تلك القرية وحيوانات ميتة في الحقول، وإدراك أن موته هو من النوع المتسامح لم يكن يوفر من العزاء سوى بقدر ما يوفره رعب بأثر رجعي.