لسان الغزال وعظم كيرين — السيدة وليام

اقرأ لسان الغزال وعظم كيرين — السيدة وليام باللغة العربية على مانجا تايم.

تعمقا في طابق العائلة المالكة أكثر مما بلغ آرون قط. كانت غرفته على الأطراف، ولزم حواف المكان دون أن ينتبه حتى. روز، وكونور، وأورين، والملك؛ كانوا يأتونه جميعاً، أو يبعثون في طلبه، حين يجدونه مفيداً. ولم يسعَ خلفهم قط. لم يكن ذلك مكانه. بدت السيدة بلا أدنى تحرج من هذا. جابت الممرات بألفَة. وحياها الحراس بتحيات خافتة وهم يمرون، فبدلتهم إياها. دسّ آرون نفسه في ظلها، وحاول أن يذكر نفسه بأنه يبدو ابن دوق؛

يبدو كمن ينتمي إلى هذا المكان. لُوكلان كان ليهزأ من فكرة أنه قد يكون نبيلاً حقاً. وبطريقة ما، مجرد تخيل ملامح الذهول التام على وجه الملازم الثاني جعلته يطلق زفرة، ويمضي بخطوات أكثر ثباتاً. كان هناك رجل واحد على الأقل في هذا القصر يدرك حقيقة آرون، حتى لو لم يكن آرون نفسه. مرَّا بباب برج الثكنات. ذاك الذي ولج منه هذا الجناح أول مرة، ليلة حاول القتلة فعلتهم. وتعرف على بابي روز تالياً، وتساءل إن كانت داخلها.

ومن تلك اللحظة فصاعداً، صار كل شيء جديداً عليه. واتحت له برهة ليفكر بأن الباب الذي اقتربا منه كان أكبر من بقية الأبواب. ثم أعلنت السيدة عن نفسها للحارس الواقف خارجه.

"أحضرت دواء جلالته. أهو مستيقظ؟"

"نعم، أيتها السيدة"

أجاب الرجل.

"لقد جئتِ في الموعد تماماً. لقد بعث في طلب الدوق سونغ، لكنه لم يصل بعد. أمانك بضع دقائق".

لم يعلن الحارس قدومهما. بل أبقى الباب مفتوحاً ببساطة، بوصفهما زائرين متوقعين كما يبدو. ربما راوده فضول خفيف لوجود آرون، لكنه لم يترجمه إلى فعل. وأدرك آرون أن هذا أمر ليليّ معتاد. وربما كان زوار آخرون يتسللون أحياناً في إثر السيدة، مثله تماماً. لم يكن جلالة الملك في الغرفة الأولى التي بلغاها: كانت غرفة جلوس، واسعة بما يكفي لاستضافة حفل. وكان موت الرجل ينتظر على إحدى الأرائك، متعقباً بأصابع خفيفة رأس الهرّ الأبيض بجواره.

جلست السيدة بيضاء وقائمتها مطويتان تحت صدرها وعيناها مغلقتان. وحيّتها السيدة تحية خافتة. فهز الهرّ أذنه رداً عليها. فأومأ آرون باحترام. وردّ الموت التحية. وكانت الغرفة الثانية حميمة أكثر، تضم خزانة مشروبات سرية من الخشب الداكن مستندة إلى أحد الجدران، وأمامها منضدة بار مطابقة لها. واصطفت رفوف الكتب على الجدران الثلاثة الأخرى، ولم يُترك فيها مكان سوى للأبواب. ولو أتيح له الوقت، لظن أنه استطاع قراءة واحد أو اثنين من العناوين.

واحتلت أربعة مقاعد وثيرة ما تبقى من المساحة. ولم يكن جلالة الملك هناك أيضاً. ووجداه في غرفة نومه، مستلقياً فوق الأغطية بحذائه ويداه مططبقتان على بطنه‌.

"مساء الخير، ليام"

قالت السيدة.

"أدي"

حياها بابتسامة كسولة. ثم وقعت عيناه على آرون. فعقد حاجبيه، لكنه لم يصتم ببنت شفة.

"ستعذرني"

قالت.

"لم أكن أريد أن أكون وحدي الليلة. يمكنني صرفه، إن شئت".

"لا"

قال.

"له الحق في البقاء. ماركوس، أكنت بهذه الكطف لتساعدني على النهوض؟"

بدا الملك أهنأ مما كان عليه في قاعات المجلس صباح اليوم. أنحل. لكنه، مع ذلك، كان قد تخلى عن طبقاته الملكية؛ فقد أُلقي معطفه على مسند مقعد، وسترته مفكوكة الأزرار. وبسروال وقميص أبيض بسيط، بدا مجرد رجل. رجلاً شاحباً ونحيلاً، بعينين خضراوين يقظتين. ساعده آرون على الوقوف. فقدم ذراعه وكتفه، وساعد جلالته حتى وصل إلى مقعد في الغرفة الأخرى.

"الرف الأعلى"

قال الملك.

"الزجاجة الرابعة من اليسار. اسكب لنفسك واحدة، إن شئت. أدي؟"

فهزت السيدة رأسها معترضة. عثر آرون على الزجاجة. لم يستطع قراءة الملصق — فالرسام نفسه الذي رسم طائر نار ينبعث من اللهب قد أمعن في التحرر مع الحروف، واضعاً الكثير من الزخارف المعقدة التي عجز بصره عن تفكيكها.

وظن أن الحرف الأول كان "ر"، لكنه ربما كان "ب"

بنفس السهولة. وكانت الزجاجة شفافة، والسائل بداخلها يشبه ذهباً محترقاً. ووجد الكؤوس في خزانة سفلية، وسكب. كأسين. لم يكن آرون مدمناً للخمر، لكن حين يعرض ملك من خزانته الخاصة، لكان المرء أحمق إن ردّه خائباً.

"ارتشف ببطء، ماركوس"

حذرت السيدة، وهو يناول الكأس الممتلئة للملك. وكانت قد جلست على مسند مقعد.

"مثل هذه الكلمات، أيتها السيدة"

نطق الملك، "هي أضمن سبل جرح كبرياء شاب. نخبك، أيها الفتى".

ومدّ ليام كأسه، فقرع آرون كأسه بها مجاملاً. فشرب الملك جرعة واحدة طويلة. وفعل آرون مثله. وتساءل، لبرهة عابرة، عما إذا كان قد سُمم مرة أخرى. فهدر الملك ضاحكاً بينما حاول آرون تذكر كيفية التنفس. وظل الهواء يغادره في نوبات سعال عنيفة، لكن استرجاعه كان أمراً آخر تماماً.

"إعادة ولادة"

قال الملك.

"مصنوعة من رماد العنقاء. يقولون إن متّ وأنت تشربها، ستجد نفسك مستيقظاً في الصباح التالي عارياً كوليد حديث الولادة".

"تتبادر إلى الذهن تفسيرات أخرى لتلك الظاهرة"

قالت السيدة، مسندة ذقنها إلى إحدى يديها. وكانت تبتسم؛ مجرد ابتسامة صغيرة. وبدت غريبة عليها، واستغرق الأمر برهة ليدرك السبب: كانت ابتسامة بلغت عينيها. راحت تراقِب الملك، وابتسمت ربما الابتسامة الحقيقية الوحيدة التي رآها آرون لها قط.

"واحدة أخرى من تلك، إن سمحت".

ومدّ جلالته كأسه الفارغة. التقطها آرون وانسحب عائداً إلى خزانة المشروبات، حيث استطاع إتمام سعاله بسلام.

"سأحتاج إلى ما أغسل به دوائي، هكذا أثق".

بقيت ابتسامة السيدة على شفتيها، لكنها اختفت من عينيها. وبينما كان آرون يسكب مجدداً — كأساً واحدة فقط، هذه المرة — مدت يدها إلى كمها، وأخرجت رزمة ورقية صغيرة. فمدّ الملك يده ليأخذها. وحين أعاد إليه آرون شرابه، مزق أعلى الرزمة باتقان، وسكب محتوياتها في كأسه. وفوق سطح السائل طفا مسحوق رمادي فاتح. وعاد آرون إلى الخزائن، وأحضر له ملعقة صغيرة.

"أنت فتى صالح"

قال الملك، مظلاً يقلب المزيج حتى ذاب المسحوق. ولم يغير لون الشراب. والتقط آرون نفحة من عشبة العندليب، ممزوجة بأشياء أخرى لم يتبينها. إذن فللألم. وليست بعلاج. وما كان ينبغي لذلك أن يفاجئه؛ فلو وُجد علاج لما يعاني منه الملك، لكان تناوله منذ زمن. وربما لو لم تُقتل اليونيكورنات جميعاً... لكن دم الرجل نفسه هو من أصدر ذلك الأمر، وهناك أمور في هذا العالم لا يمكن التراجع عنها.

ومثل طيور النار، مثل الكيرين، لم تقبل اليونيكورنات بالنسخ. لقد اختارت الموت على التخفي كبشر. إنه كبرياء يخزي حتى التنانين. أفرغ الملك كأسه مجدداً، بجرعة واحدة. فتحرك آرون ليأخذ كأسه الفارغة والملعقة إلى البار، لكن الرجل ألوى بيده صارفاً إياه.

"سيكون نايل هنا قريباً"

قال الملك.

"عليكما الذهاب".

ولم تحرك السيدة ساكناً للمغادرة.

"ماركوس"

قال، وبدأت أصابعه عملاً منتظماً في إعادة أزرار سترته.

"أتجلب لي معطفي؟"

عاد آرون إلى غرفة النوم. وكان جلب المعطف أمراً سهلاً؛ بل كان توقيت عودته هو ما استلزم دقة معينة.

"ليام، إن كنت ترغب في أن أبقى، أنا—"

"المرأة التي أعرفها لن تنهي تلك الجملة. لديك عملك الخاص لتعتني به هذه الليلة. سأقابله وحدي".

انتظر آرون، وظهره مستند بخفة إلى زاوية إطار الباب، حتى انتهت قبلتهما واستقرت السيدة في مقعدها مجدداً. ثم خطا إلى داخل الغرفة، وساعد الملك في ارتداء معطفه.

"شكراً لك، ماركوس. سيدتي".

فهز ليام كتفيه ليضبط القياس؛ وعدل كميه وأزرار أكمامه بما يرضيه. وعندما انتهى كل شيء، بدا وكأنه فُصّل لرجل أضخم.

"أنتما معفيان".

وعندما غادرا، عاد جلالته إلى البار. ووضع كأساً جديدة بجوار كأسه القديمة، وسكب لاثنين. والتقيا الدوق سونغ وهو هابط في الممر، وسيفه ذو القبض الأبيض مستقر على جنبه. أكان مجرد قرن يونيكورن كافياً لشفاء الملك؟ كانت فكرة غبية وعابرة — بالطبع لن يكون كذلك. لكانت السيدة قد فكرت في الأمر سلفاً. ولم تنطق بكلمة للدوق؛ ولم ينطق هو بكلمة لها، ولا للفتى الذي ظن أنه ابنه. أعادت آرون مشياً إلى غرفته.

وهناك توقفت برهة؛ ثم، منحت قبلة عفيفة على خده وهي تميل إلى الأمام.

"شكراً لك، آرون. تصبح على خير".

"تصبحين على خير".

ضغط بيده على الموضع بعد أن ذهبت، مراقباً الممر الخاوي. السيدة. السيدة... أدي؟ كنية، بلا شك؛ فقد كان أمراً مألوفاً أكثر من اللازم بالنسبة لها. وخطر له، للمرة الأولى، أنه يستطيع ببساطة أن يسأل عمن تكون: فكان له أصدقاء هنا. أصدقاء قد لا يعرفون حقيقته تماماً، لكنهم يثقون به على أي حال. وعاد أدراجه في الطريق الذي سلكاه للتو، باتجاه غرف روز. وكلما اقترب من بابها، بدت قدماه أبطأ حركة، حتى توقف تماماً.

وكان هناك باب آخر إلى جانبه؛ الباب المؤدي إلى درج البرج، نحو الثكنات. حسناً إذن: سيسأل لُوكلان. كان أمراً غريباً، أن يكون له أصدقاء في القصر يثق بهم. ومن الأفضل البدء بهدوء في البداية. فتح الملازم الثاني بابه عند الطرقات الثالثة. وانتقلت تعابير وجهه من الانفتاح والاهتمام إلى الاستسلام التام في لحظة واحدة دافئة للقلب. فرفع آرون يده، ولوح.

"ماذا تريد؟"

"ما اسم السيدة؟"

سأل. وحين اكتفى الملازم بالتحديق فيه، كرر سؤاله.

"اسم السيدة؟ اسمها الكامل".

"إن أجبفتك، أسترقل؟"

سأل الملازم الطيب.

"لا صفقة أنصف منها لجانّ"

وافق آرون.

"أديلايد—"

سمعاه معاً. وشك في أن المدينة بأسرها سمعت. بل وأبعد من ذلك. صوت كهذا كان قادراً على اجتياز المسافات، دون أن يفقد معناه أبداً. كان هناك صوت واحد في البداية. عويل حزين منفرد؛ نغمة شجن طويلة ترتفع وتنخفض دون حاجة لنفس بشريّ. ثم تعالت، منضمة إليه، جوقة. وجاءت الأصوات من كل مكان، ومن لا مكان. في الحقول الجميلة، كانت البانشي تنتحب. وأدرك أحدهم في برج الجرس ما حدث، فدُقّ جرس واحد عبر المدينة.

كان الملك ليام أوشي قد مات.