عاد آرون إلى غرفته وهناك استدعى موته. لم يكن الأمر دراميا كما يوحي التعبير.
نادى بصوت خافت: "يا موت".
ثم عاد فنادى ملتفتا: "يا موت؟".
ما زال يعيش في الجناح الملكي غير أنه لا يدري كم من الوقت ستظل هذه الغرف ملكا له. الأثاث هنا جعل غرفة جلوس السيدة تبدو كوخ صياد في فيفث داون بالمقارنة. مع ذلك لم يفكر في فخامتها منذ أسابيع. النقوش المزخرفة على كل قطعة خشب والطلاء الذهبي والقطع الفنية التي تزين الجدران لم يكاد يلمحها فضلا عن أن يحصي ثمنها لو باعها. الآن وقع بصره على انعكاسه في مرآة الجدار فتجمد. الفتى الذي رآه هناك كان شيئا أملس كأيل صغير.
معطفه الأحمر ينطقحظوة ملكية أو دم ملكي. بريق شعره الممشط واحمرار وجنتيه الصحي. رأى آرون فتى تحيط به ثروات ملك. فتى تبدو عليه كل أمارة تبيح له الوقوف في مكان كهذا.
نادى بصوت أشد إلحاحا: "يا موت. أريد التحدث معك".
بين التفاتة وأخرى ظهر الرجل جالسا بهدوء على مقعد.
قال: "أمر متجبر ألا ترى حتى بمعاييرك البالغة الارتفاع؟ أن تستدعي موتك للدردشة".
حاول آرون ألا ينتفض في وقفته. وظن أنه أبلى بلاء حسنا في ذلك. لم يمد يده حتى إلى سكينه. لم يكن موته هو من أتى. بل موت ماركوس.
تابع الرجل: "أمر كهذا نادرا ما ينتهي على خير. الدعوة دعوة وبعض الضيوف يأخذون أكثر من غيرهم حين يرحلون".
ذكره التعبير بشيء قاله الدوق. كرر آرون الكلمات دون أن يتوقف ليتساءل لم تبدو مألوفة هكذا.
"الباب غير المحروس دعوة للضيوف غير المترحوب بهم".
سخر الرجل: "لقد فعلت أكثر من ترك بابك بلا حراس. لقد خلعته مصراعيه وأشعلت نارا داخله. موت يا موت تعال لتناول الشاي. ما لم تكن تمتلك اسم الشيء فقد ترغب في الإحجام عن استدعائه".
سأل آرون باهتلاء: "أليس موتي؟".
وجد نفسه يزحف مقتربا من الجدار. كان يعلم أن الرجل لا يستطيع إيذاءه حقا. أو هكذا ظن. فموته هو قد يغضب لو فعل على الأقل. راقبه موت ماركوس بحاجب مرفوع وشفتين مقوستين.
"هذا ليس اسمه البتة. أم ظننت أننا جميعا نجلس متفرغين بانتظار أن تكملوا فترات حياتكم الفانية؟".
اصطدم مؤخرة ساقي آرون بطاولة جانبية. فجلس.
قال: "معذرة".
"نعم حسنا. لم يحدث ضرر. وأنا هنا الآن: أثق بأن هذا يجعل كل شيء أفضل. أنت وأنا لم نتحادث منذ وقت طويل جدا".
ابتسم الرجل. ابتسامة ذات أسنان كثيرة ابتسامة لم تصل إلى عينيه.
زل لسان آرون قائلا: "تبدو أصغر سنا من ذي قبل".
تلاشت الابتسامة.
قال الموت شادا كفيه معا تحت ذقنه: "فطنة شديدة. لكنك ما استدعيتني هنا للإطراء البتة".
ما استدعيتك هنا أصلا. بدا أن الموت قرأ الفكرة في عينيه أو في تردده. وابتسم مجدداً.
"أما أخبرناك؟ أنت ماركوس. وإن كان موت آرون هو من ابتغيت مقابلته فأخشى أن الحظ خانك تماما. الآن. أردت طرح بضع أسئلة ثاقبة تخص نسبك أليس كذلك؟ دعني أنير بصيرتك".
جاء الصوت الجديد من خلفه: "كف".
كان هادئا وبسيطا وسماع جعله شيئا في كتفي آرون يسترخي. لم يحتاج إلى الالتفات ليعلم أن موته قد وصل لكنه التفت على أي حال. كان الرجل واقفا يواجه النافذة. صار شعره رماديا بالكامل وارتدى معطفا أبيض دوقيا لم يره قط داخل خزانة آرون الضئيلة. حين التفت كان وجهه فتيّا تماما كما تذكره. أكبر منه بسنوات قليلة فحسب.
قال موته: "أنت تتكلم أكثر من اللازم".
عارضه الآخر: "أنت لا تتكلم بما يكفي. حسنا. أستطيع أن أرى المكان الذي لا أرغَبُ فيه. تذكر هذا فقط يا ماركوس: لقد جئت لأجيب عن أسئلتك فطردني".
اختفى الرجل بالبغغتة نفسها التي يشترك فيها كل أموات العالم. وبقي آرون وحيدا مع حارسه.
سأل آرون: "ما اسمك؟".
هز موته رأسه بحركة بالغة الصغر حتى كادت لا تُرى.
"ليس هذا ما أردت سؤاله".
أطلق آرون نفسا واستنشق آخر وحاول مجدداً.
"من أنا؟".
أجاب موته باتزان: "ماركوس ين سونغ".
"حسن إذن. إذن من يكون آرون؟".
أمال الرجل رأسه كمن يتدبر الأمر. لم يكن المعطف الأبيض وحده ما لم يتعرف عليه آرون بل القميص والسراويل والحذاء. والخاتم العريض في إصبعه. رأى آرون يحدق فيه فأدخل يده في جيبه ببساطة غير بارعة.
"أكان ذلك خاتم ختم؟".
لم يتلق جوابا سوى عيون رمادية تنتظر بصبر.
"أتشبهني؟ أنا الذي سأموت؟ حين سُممتُ كنت ترتدي كنزتي الخضراء. وموت روز بدا تماما مثلما كانت تلك الليلة. وموت الملك يشبهه لكن بملابس مختلفة".
استند موته إلى إطار النافذة بظهره. صنع ضوء الشمس هالة حوله حتى صار شعره الرمادي بياضا ناصعا كرجل عجوز يحيط بوجه شاب تماما. لكان آرون شعر براحة أكبر حيال تخمينه لو كان الرجل أكبر سنا بكثير جدا.
قال آرون: "إنه يشبهني أيضا. والد ماركوس. والدي يجب أن يبدو هكذا. أنا... هل أنا ابنه؟".
انزلق بصر موته نحو النافذة وإلى الخارج.
"قلت إنك تريد الذهاب".
تسابق عقل آرون للحاق بالرجل. وجد الفكرة أخيرا من زمن بعيد. من المرة الأخيرة التي تحدثا فيها فوق جدار بحري قد يكون حقيقيا أو لا.
قال: "لقد كان حلما. حلم محموم. لا يمكن للرجال العيش خارج لاستريغن حقا. سيكون غباء محاولة ذلك".
قال موته: "أرى".
وانزلت اليد التي ترتدي خاتم الختم من جيبها واستقرت على حافة النافذة. لم يستطع آرون تبين ما نُقش عليه. لمعت الشمس عليه معمية بصره إن حاول التمعن أكثر من اللازم. شعر بالحاجة إلى الدفاع عن نفسه. لم يكن هناك شيء للدفاع عنه سوى وقائع الموقف لكنه حاول على أي حال.
"طلبت مني روز البقاء. وأمرني الملك بالبقاء".
"سيموت الملك. أنت لا تستمع إلى الموتى".
كانت الحقيقة في تلك الكلمات كضربة على بطنه. شعر بانقطاع أنفاسه لبرهة وعجز عن الكلام. تلك الكلمات. كيف أمكن الرجل معرفة هذه الكلمات؟ لم يكن هناك سواه— أنا لا أستمع إلى الموتى. لبرهة نسي آرون من أو ما الذي يحدثه. بالطبع كان موته يعلم. بالطبع.
قال بهدوء: "هذا ليس عادلا".
قال موته: "ذات يوم ستأمرك بالرحيل. وسنتحدث مجدداً".
نادى آرون: "انتظر! أرجوك. إنه يشبهني. يتحرك مثلي. هل أنا ابنه؟".
لكن الأوان قد فات. كان موته قد رحل بالفعل. لم يبقَ غير الضوء النافذ عبر النافذة. مشى آرون نحوها وتطلع إلى المدينة. كان اليوم ساطعا وصافيا. تخيل أنه يستطيع الرؤية لا إلى التلال المجاورة فحسب بل إلى البحر أجمع. تخيل الجبال ترتفع على الجزيرة التالية عبر المضيق. تذكر قدرته على رؤية ما وراءها في حمّاه لكن ما رآه هناك انزلق خارج ذكريات الحلم.
* * *
مرّت ساعات. غابت الشمس. لم يعد مَوته، ولم يحاول آرون مناداة الرجل مجدداً. دُقّ الباب دقّة خفيفة. حين فتحه، كانت السيّدة بانتظاره. شُدّ شعرها إلى الوراء في ضفيرة. غيّرت ثيابها. بدل الفستان الأبيض والأزرق لقاعة المجلس، ارتدت سروالاً ليّناً وقميصاً بسيطاً يعلوه صدير جلد. ظهرت المفاتيح غير المتطابقة والخاتم الذهبي الثقيلة التي ترتديها دائماً حول عنقها مجدداً، وأدرك أخيراً ما يعنيه التنين الثائر على الخاتم: خاتم خَتم.
خاتم جلالة المِلك. ردّت خصلة ذهبية شاردة خلف أذنها.
سألت: "أجاهز أنت؟"
لم يستفسر. الليلة، احتاج إلى شيء آخر يحتلّ مكان أفكاره.
أجاب بلا تردّد: "نعم."
"إذن معي."
لم يسأل إلى أين يذهبان، ولم تقل هي. ربما كان ماركوس ليعرف. قادت السيّدة؛ وتبعها آرون.