لم يسبق لآرون أن غادر المدينة من قبل، لكنه وجد نفسه هناك في الحلم، داخل الغابة الممتدة تحت المنحدرات. تحرك ظل بين الأشجار، وتوسطه نوران ذهبيان. استحالة أن يكونا شيئاً آخر غير عينين. لمع البريق الفضي تحتهما: أنياب طويلة وحادة. أنياب أكثر بكثير مما ينبغي لأي مخلوق. تشكل ضباب أسود فوقه وتفكك، التوى، انفتح، ثم التئم. لم يكن ضباباً بل فروًا—ذيولاً. أربعة ذيول واضحة. كان الثعلب خيالاً أسود مقصوصاً من جوف الليل.
قال: "أفتدرك ما تفعل؟"
أراد أن يتراجع خطوة إلى الوراء. لم يستطع.
"أتدري ما تفعله يا بني؟ وما الذي غيرته؟"
كان آرون يمسك بنصل. ليس نصله؛ فقد بدا غير مألوف في كفه. تعلق في الهواء، فضياً كأناب الثعلب. عجز عن تحريك يده.
قال: "نعم"، لكنه لم يكن صوته.
التفت فم الكائن ليصنع ابتسامة يعجز أي ثعلب حقيقي عن رسمها؛ كانت عريضة جداً، منحنية جداً، وبشرية جداً.
قال: "كاذب".
ثم طفق يضحك. شق حلقه، فتطاير ظل أسود متهافكاً. ضحك. رفع السكين مجدداً— عجز عن تحريك يده. عجز عن التوقف— استيقظ آرون. تراءى له عبر الغرفة ضباب من الظلال، توسطته جمرتان ذهبيتان.
قال موت الذيول الأربعة: "لا يحب الناس الحقيقة. لم يدرك الكيرين هذا قط. ويحسن بك أن تتذكر ذلك."
عجز عن الحركة.
قال: "نضع آمالاً عراضاً عليك يا آرون. فلا تخيبها."
هبّ مستيقظاً، واهبط على الأرض متخذًا وضعية القرفصاء، وخنجره في يده— لكن شيئاً لم يكن هناك سوى الظلال الرمادية المعتادة. الأثاث، المزهريات، اللوحات. الطاولة التي نقلها هو وروز، وقد عادت الآن إلى مكانها الصحيح. سطع القمر عبر نافذته، شاحباً وخافتاً. حرك أصابع يديه، أخذ نفساً عميقاً؛ ثم أخرجه. زحف عائداً إلى الفراش، وأصغى إلى صوت خفقات قلبه وهي تهدأ. عادت إليه الأحلام من جديد.
وظل الثعلب فيها يضحك حتى اقتلع لسانه.
* * *
جلس آرون منكبّاً على المقعد ووضع ذقنه بين كفّيه.
سأله جون: "ألم تنم جيداً؟"
فأجاب ببلاغة: "ممف".
كانا في قاعة المجلس في الصفّ قبل الأخير. واقترب موعد تقديم الالتماس. جلس جون إلى جواره وبحجرِهِ السيدة وايت متكوّرةً. واختارت مابل مقعداً خلفهما مباشرة، وظلت ركبتاها النحيفتان تصطكمان برأس آرون كلما انتابها الحماس لشيء يدور بالأسفل. لم يستطع فعل شيء حيال ذلك. كانت القاعة مكتظة ولم تتوفر مقاعد أخرى للانتقال إليها. وحين يكون لدى ثلاثة عشر مَلِكاً ما يقال، لا تحتاج المدينة إلى عذر إضافي لأخذ عطلة.
التفت الفتى الأشقر في مقعده ليسأل: "أتجد وقتاً لمساعدتي في رسالة اليوم؟ حدث لي أفضل شيء في العالم البيلة الماضية. لا أظن أن رجال المَلِك يحبون طعام الشمال، فقد كانت صحونهم تعود نصف مأكولة، وأخبرني الطباخون أن النصف الآخر سيسمن الكلاب، وبعدها كان خادم المَلِك الشخصي في المطبخ، وأتيحت لي مساعدته في إعداد وجبات خفيفة لجميع رجالهم. حسناً، ليس إعداداً حقاً، بل ساعدته في معرفة مكان المخزن، ودعاني لتذوق الطعام في النهاية حين قلتُ إنه ربما أفرط في التوابل وظننتُ أنني سأموت لحظةً من شدة ما وضع منها، لكنني ساعدتُ رغم ذلك في إطعام كوكبة كاملة من نبلاء الدماء..."
فأجابت الكاتبة وهي تميل برأسها إلى الأمام بريبة: "أتظنّ هذا خبراً؟ ألم تسمع بما جرى البارحة بعد أن أوى أولئك الأجلاء إلى فراشهم؟"
تألقَتْ عيناه جون باهتمام وشغف.
"ماذا؟"
ومهما يكن ما همَّتْ بقوله، فقد وجب عليها إرجاؤه. دخل مستشارو المَلِك جماعةً قبيل دقات الساعة. معظمهم. كانت السيدة وايت تراقب الأرض بعينين شبه مغمضتين، بينما يلتف طرف ذيلها بكسل على فخذ جون كأنها تكاد تستغرق في النوم. وأرجعت أذنيها للخورا برهة حين جلست السيدة على الكرسي المنجّد. ودخل المَلِك نفسه أخيراً. ومع أن الأمير أورين كان إلى جانبه، فقد مشى جلالته بلا معونة. تشابكت أصابع آرون في حجرِهِ.
لا تسقط. ركّز في هذه الفكرة. واصل المسير. لا تسقط. بلغ المَلِك ليام مقعده بسلام. واتخذ موت ذلك الرجل موقعاً قرب الأبواب، على مسافة صبورة من مجريات الأمور. وحينها ساد الصمت بين الحشد.
"مع الاحترام"
ستكون العبارة اللطيفة لوصفه. ومع أن آرون كان حسن المظهر هذه الأيام، فإنه ظلّ جرذ كهوف. استطاع إحساسه: الطنين المحسوس في الهواء، وثقل حشد يتوقع الترفيه. انقبضت معدته على نفسها. ررفت أذنا السيدة وايت باتجاهه والتف طرف ذيلها. كان آرون يكره الحشد. وما أتى منها خير قط. فتحت الأبواب من جديد، وأعلن المنادي عن أسماء النلاء الملتمسين. ففاقوا عدداً الجالسين إلى الطائدة. وهو أثر عززه أكثر بقظهم وقوفاً طيلة فترة التماسهم.
لم يتردد الدوق سونغ في تصدرهم، وتشكّل الآخرون خلفه على هيئة تُذكّر بالجنود لا الحاشية. كان آرون قد سمع أن نبلاء الجنوب عتيقو الطراز، لكنه تخيل ذلك دائماً... حسناً، بديعاً. ملابس قديمة، وآداب قديمة، ونبلاء قدامى يتمسكون بالأساليب القديمة. لم يكن الدوق سونغ عجوزاً. ولم يكن الرجال والنساء الذين وقفوا معه بديعين. فالأساليب القديمة هي ما طرد التنانين من آخر الجزر، ودفع الغريفونات إلى جبال كراغون؛
وهي التي قتلت الكيرين والوحيدات، وقط سيذي والقطط. وتعاملت مع الجان بإنصاف لدرجة أنهم يبكون حتى الآن حين يموت خيار الرجال. كانت البشرية أضعف من أن تحتمل الرحمة. تلك هي الطريقة القديمة الحقّة. هوى الدوق على ركبة واحدة في انحناءة التماس، وهبط رجاله معه من دون فارق نبضة قلب واحدة. قبضة على الأرض وأخرى على القلب، والنظرة مرفوعة وثابتة. أذن لهم جلالته بالوقوف. وإذا كان ثمة صوت يهمس بحديث جانبي على المقاعد، أو فأرة تجرؤ على جر قدميها على الأرضيات الرخامية، فقد توقف الآن.
"يا جلالة المَلِك. يا سيّدي."
لم يتوقع آرون أن يتوقف الدوق. فلم يبدو كمن يتردد في حديثه. أو يتردد بعد أن جلب تقريباً كل لورد جنوب أونيكن زاحفاً إلى العاصمة. تفحّص الرجل بحثاً عن إشارات تدل على أنه توقف مسرحي، فلم يجد شيئاً. وهذا إما جعله صادقاً، أو ممثلاً بارعاً للغاية.
"يا ليام. أنت تعلم ما نطلبه."
لم يرفُّ للمَلِك الهزيل جفن حتى.
"تكلّم."
انتصب الدوق في قامة عسكرية مستقيمة، وربع كتفيه تحت ذلك المعطف الفضي الناصع، بينما قبضت إحدى يديه على معصمه خلف ظهره. وتكلم.
"أولئك الذين ترونهم أمثالنا يقفون اليوم، مرأى من المملكة جمعاء، نيابة عن البشر أجمعين. نلتمس التجريد الفوري لأورين أوشيا من خط خلفائكم، وإعدامه في موعد لا يتجاوز ذوبان الممرات الغربية. "إن كان هذا يرضي جلالتكم"، هكذا ختم الدوق حديثه.