امرأة.
صغيرة السن. في الخامسة أو السادسة والعشرين. نحيلة، هزيلة، صلبة، سريعة. تمسك بخنجر بمرونة، بثقة، ببراعة بين أصابع طويلة يربط بينها جلد أسود.
كانت تتقدم نحو الاميرة.
حوض الماء منقلب. إبريق الماء مفقود—ألقي—أخطأ—اصطدم بالجدار الخلفي. وضعت الاميرة طاولة بينهما؛ فتاة ذكية. لكن هذا لن يبطئ حركة المرأة. رأت المرأة الحرس؛ فلم تتراجع. كانت صرخة الاميرة حادة، عالية، بكامل قوتها؛ مقطوعة الانفاس، تلهث، وتتلاشى. توتر طفيف في يد المرأة الحاملة للخنجر.
كانت القاتلة ميتة قبل أن تاخذ الاميرة نفساً آخر.
دفع الفتاة لتترك الطريق. الكدمات على الارض افضل من نصل في الرقبة. كانت المرأة سريعة: كوع في ضلوع آرون، تتخبط، بأيديها وأقدامها وركبها وخناجرها. أسرع منه. لكن عينيها تركزتا فيما وراء القتال: تركزتا عليه. انفتح فمها—
"آر—"
خنجره ينزلق بين ضلوعها. لا دم الا بعد ان خرج مجدداً. رجل أمامه—
قال الملازم متراجعا خطوة أمام نصل آرون: "مهلا. مهلا. بهدوء".
عاد تركيز آرون. كانت الأميرة خلفه وتنهض مترنحة. كانت الجثة أمامه وقد سقطت حديثا. وصل الملازم فارغيس ورجال المعاطف الحمراء إلى الغرفة للتو. استغرق القتال كل ذلك الوقت. استغرق الجاد منها ذلك القدر دائما.
قالت مُميتة الفتاة وهي تبتعد عن الجدار: "لا بد أنك تمازحينني".
كانت عيناها على جثة القاتلة. كانت تحدث نفسها. تحولت عينا آرون إليها قبل أن يتذكر أنه يجب ألا ينظر. يجب ألا يراها. رأى الملازم الحركة وتبعته نظْرته. شد قبضته على سيفه لحظة. ولما لم ير شيئا استرخى ببطء تدريجيّ. كانت مُميتة الأميرة نسخة مطابقة تماما للفتاة نفسها. كانتا بنفس العمر والطول وكل شيء حتى طريقة التفاف عباءاتهما حولهما وهما تقفان. كان هناك فارق ملموس جدا بينهما: الفتاة خلفه كانت صغيرة.
الفتاة أمامه كانت عجوزا. أكبر عمرا مما تجرأ آرون على تخمينه رغم أنه ظهر في عينيها وحدهما.
قالت المُميتة الصغيرة وهي تنكز جثة المرأة بقدمها ذات الحذاء الجميل: "وها هي أُمسية تضيع. وكأن لم يكن لدي ما هو أفضل لأفعله سوى انتظارها".
سحبت قدمها لركلها ركلة تافهة أخرى. لم تقع قط.
"أتمانعين؟"
ظهرت مُميتة القاتلة دون إنذار. عبست حتى تراجعت مُميتة الأميرة خطوة وكتّفت ذراعيها وهي تتأفف. ركعت الوافدة الجديدة بجوار الجثة وبسطت يدا رقيقة لتزيح خصلة شعر عن وجه المرأة الميتة. طالما عانت صعوبة في إبقائه مرتبا بين الهيئات. مئة ربطة شعر ضاعت على أرضيات الكهوف. انتزع آرون نظره بعيدا عن الجثة ليعيده إلى الملازم الذي كان يصدر الأوامر لرجاله. أُمر أحدهم بالعودة إلى أسفل البرج وحشد الحامية، وآخر بإطلاق الإنذار في طابقهم وإبلاغ الملك.
وكلّف الحراس الباقين بتأمين أجنحة الأميرة الخاصة. نظر إلى آرون الواقف بينه وبين أميرته وبيده خنجر لكنه لم ينطق بكلمة. كان سيف الرجل نفسه مسلولاً ولم يُغده. استحسن آرون ذلك.
سألت مُميتة المرأة: "ما الذي حدث؟".
كتّفت مُميتة الأميرة ذراعيها على صدرها: "أفترض أنها التموجات والأشباح وميل البشر الرائع إلى إفساد كل شيء علينا. أَتدرين ما كانت لتكون حياتها التالية؟".
"أأبلغتِ البلاط؟"
"لم أصل إلى هنا إلا قبل وقت قصير جدا مقارنة بك. ما برأيك؟"
أطلقت الفتاة الأبدية تنهيدة طويلة: "شجرة. لكانت عاشت ألفا واثنين وثلاثين عاما. لا ثلاثة عشر. لا أستطيع التقاط أنفاسي حتى عندما يموت الكائنات في سن الثالثة عشرة".
قالت مُميتة القاتلة وهي ما زالت منحننة فوق مخدوعتها: "يجب أن يعلموا".
حدقت بمجازفة متعمدة نحو زميلتها: "صنوبرة جبلية صغيرة وقزمة أبعد في الشمال مما يمكن لأغلب الأشياء الأخرى البقاء فيه. لَمَا رأيت مُميتة أخرى لقرن كامل".
"أنا ذاهبة".
"حسنا. اذهبي".
كان آرون يتوقع المزيد لسبب ما: فعلا مرئيا للمساعدة في عبور الروح. لم يتسق له إمعان النظر فيما تفعله المُميتات إبان هجوم الثعلب؛ فقد كان مشغولاً بعض الشيء. ما ناله بدلاً من ذلك كان مُميتة القاتلة وهي تلوح بحركة بذيئة لمُميتة الأميرة. ثم اختفت ولم يَبق على الأرض سوى جثة ككل جثة أخرى التقاها. ترقبت مُميتة الأميرة لحظة أخرى وما زالت ذراعاها مكتوفتين وشفاها مشدودة في خط رفيع.
كانت تحدق في الأميرة. تساءل آرون ولو قليلا عما إذا كان السكين الذي بيده سيجد نفعا هنا.
قالت المُميتة لفتاة لا تستطيع السمع: "لكنتِ أُمنية كشجرة".
ثم اختفت هي الأخرى. لاحظ آرون أن مميته الخاصة قد ظلت متعمّدة بعيدة عن الأنظار في الرواق. لم يمر وقت طويل حتى بدأ جرس يدق من فوق رؤوسهم؛ الإنذار الأول للعام الجديد التقطته أبراج أبعد بسرعة. عاد رجال المعاطف الحمراء الذين كانوا ينقبون بحثا عن جردان أخرى حول أجنحة الأميرة لتقديم التقرير بعد ذلك بقليل.
"الأمر آمن تماما يا ملازم".
"الأمر آمن هنا سيدي".
تبادل آرون والملازم نظرة. حينها فقط بدأ آرون يسترخي. انحنى هُنيهة. التقطت الأميرة أنفاسها بفزع حين مسح نصل سيفه على سجادتها وأعاده تحت كنزته. لم ينطق لوكلان بكلمة. عمد إلى غمد سيفه فقط وفتّش الجثة. عثر الملازم على خنجرها. قلبه بين يديه بحذر من النصل. تتبع إصبع الجديل الذهبي عبر لفافة المقبض السوداء.
"أتعرف ما يعنيه هذا؟"
هز آرون كتفا واحدة ردا على ذلك. مالت الأميرة عليه وعيناها على المرأة.
همست فوق الجثة: "ألا تَهيم روحها".
دفعها عنه قبل أن يدرك تماما ما كان يفعله.
"إن تعرضتِ لهجوم آخر فسأحتاج إلى تلك الذراع طليقة".
رأى في عينيها أن تفسيره لم يسعفها.
"أمستعرض لهجوم آخر؟"
دست يديها في طيات عباءتها وقربت النسيج إليها. كان كلامها موجها له لكن عينيها لم تغادرا الجثة. جثة المرأة التي حاولت قتلها والتي كانت تبلل سجادة غرفة نومها بالدم الآن. غوين— كان عليه ألا يفكر في ذلك. لقد انقضى كل شيء ومات وما كان عليه فعله الآن هو ما يبقيه حيا. كان باب الرواق الذي تركوه مفتوحا في عجلة يعج بالحراس قبل أن يستطيع التفكير بوضوح مجددا.
"أغرفة النوم مؤمنة؟"
كان هذا السؤال الأول من فم قائد الحراس.
أجاب لوكلان: "نعم سيدي".
"والأميرة؟"
"غير مصابة سيدي. كان هناك—"
قال القائد: "أعلم".
وفي النَفَس ذاته: "لقد هاجموا ولي العهد".
هدأرت الأميرة بجانبه. رفعت يدا وأمسكت بكنزته بقوة مع الحرص على ترك يد السكين طليقة.
شرعت تسأل: "أهو...؟"
قال صوت: "لقد تعاملت مع الأمر".
وأقحم شاب جامد ذو شعر بلون الصدأ الأحمر نفسه بين صفوف حراته. ولي العهد نفسه. كان الدم الوحيد عليه جليا أنه ليس دمه.
"شكراً على الإنذار يا ملازم فارغيس. لقد كان في وقته".
انفصلت الأميرة عن جانب آرون وركضت تحتضن أخيها الأكبر.
وبخها أورين: "ليس ذراع السيف يا روز. إن وقع هجوم آخر فسأحتاج إليه طليقا".
لم يكن آرون يريد حب العائلة المالكة. لم يكن يريد ذلك حقا.