التقتْهُ جنيّة المكتبة عند برج الحراسة في الزاوية الجنوبيّة الغربيّة للقصر. كانت تضمّ رداءها وتُمسك بطرفيه حين عبرت الجدار، لكنّه استطاع أن يلمح وميض تنّورة ذهبيّة تحت حافّته. كانت مبالغاً في أناقتها بالنظر إلى وجهتهما. انحنى آرون فوق يدها وطبع عليها قُبلة طاهرة، كتلك التي يؤدّيها أهل البلاط مع سيّداتهم.
سأل: "أجاهزة أنت؟"
أومأت بصمت، ومسحة من الخجل تلون وجهها تحت غطائها.
"أتُمانعين أن أستعمل جدرانكِ غرفةً لتبديل الثياب؟ لا أظنّني بحاجة إلى هذا حين ننزل الدرج."
قالت وهي تمدّ يديها: "دعيني."
"أستطيع أن—"
"من الأفضل ألّا تفعل. إياك أن تحاول دخول السبل القديمة من دوني."
ظلّت ذراعاها ممدودتين، تنتظران في صبر. حافظ على ابتسامته حتّى وهو يناولها رداءه المطويّ. تجفّل حين رمته بلا مبالاة ليعود عبر الحجر، لكنّها كانت تعطيه ظهرها حينذاك. وحين استدارت، قدّم لها ذراعه، ولم يلتفت وراءه. بدأت أمسيتهما. كانت ليلة العزاء على العام القديم أطول ليلة في السنة. وواجهها البشر بجعلها أسطعها. أضاءت المشاعل شوارع المدينة العليا، وأشعلت النيران الكبيرة في ساحاتها.
تناثرت رقاقات الثلج فوق اللهب، وتذوب كلّما اقتربت منه. جابت الثعالب والقرود المائية والكلاب السحرية والفقمات والجنّيّات العشبيّة والجنّ الشوارع، بينما اشترى الرجال أشباه مخاوفهم من بّاعة زوايا الطرق. غطّى كلّ قناع نصف الوجه فحسب، وتركت جميعها العيون والآذان والشعر مكشوفة — وهو أمر عمليّ للغاية، ويسير جدّاً على الحرس للتأكد من عدم مجيء شيء آخر للمشاركة في حفلة البشر.
اشترى آرون شريطاً من الجلد الأسود والذهبيّ بعيني ثعلب مائلتين وأذنين مدببتين. كان طرازاً شائعاً بالنظر إلى الأحداث الأخيرة، وتقدّر آرون فرصة الاندماج بين الحشود. تتبّعت أصابع الجنيّة المعروضات، واستقرت على تنّين قبل أن تحطّ على وجه مشموع لتبديل المواليد تزيّنه وردة. كانت الزهور بلون بقع الخمر ذاته على بشرتها. وتحت ظلال غطائها، استحال التمييز أين ينتهي أحدهما وأين يبدأ الآخر.
راقب آرون التمحيص الشديد الذي اختارت به، وصلابة ظهرها وهي تربطه من دون أن ترفع غطاءها أبداً.
أعلن: "قررت. سأجعلُكِ تضحكين قبل نهاية الليلة."
حدقتْ فيه مذهولة. لقد نطقها بصوت عالٍ. لم يقصد ذلك، لكنّه لم يندم عليه. أخذ يدها وقادها هرولةً نحو درج الملجأ. وتركا صفوف الأقفاع خلفهما. كان الممرّ الضيق الهابط إلى المدينة السفلى مكتظّاً بالبشر دفقاً صاعداً ونازلاً. توقفت عند الدرجة الأولى، مجبرة الحشد على التملّص حولهما بينما مدّت يدها لتلمس الخدوش الطويلة المحفورة في الجدران المسوّدة. فركت أصابعها وكأنّها تنتظر أن تخرج ملوّثة بالسخام.
قال آرون: "إنّه قديم. حسنًا، ذلك الجزء منه."
كان نار التنين تعود لأجيال مضت. أمّا آثار زيارة الثعلب فلا تزال طريّة، وإن يصعب رصدها. مجرد بقعة صدئة بنية ملطخة على الدرجات هنا، وأثر شفرة ضد الجدار هناك، ولم يحن الوقت بعد لأيّ منهما ليعتريه البلى. لكانت دسّت رأسها في كلّ متجر في الهابطة الأولى، لو لم تلهها كلّ دعوة أخرى لمتجر أبعد في الدهاليز الحجريّة. أمسك بيدها وأبقى عينيه ساهرتين محيطهما. لم يكن الأمر كأنّ الناس لا يعلمون أنّه ما زال حيّاً؛
فبعدد رحلات التسوق التي أرسلته فيها السيّدة سامرز، ملأت رائحته المنحدرات بأسرها. لكنّ مجيء المرء إلى هنا وحده شيء، وإحضار من لا تعرف كيف تبقي رأسها منخفضاً وخطواتها سريعة شيء آخر— هذه المرة، كانت الجنيّة هي من جذبتهما للركض، تاركة أفكاره خلفها. توقفت عند صناديق القطط الصغيرة لتحدّق بذهول في كرات الوبر الموءولة في الداخل.
"أرى أن للسيّدة عينًا ناقدة. ذلك الرماديّ، عملت جدّتُه الكبرى لدى الملكة أيدنات نفسها. لقد ائتمنته على جرائها الأخيرة لجدي حين اعتلى الجلّاد العرش. كنّا نحافظ على سلامتهم هنا، حيث لا تكون عين الملك صارمة للغاية. إن كانت شابّة حصيفة مثلك لترغب بشراء قطّ حقيقيّ ببوتيه، فلا يدري أحد إلى أيّ مدى قد تبلغين—"
سأل آرون بفضول: "أتبيعون وحيد القرن أيضاً؟ من دون قرون لكي تستطيعوا إخفاءها بشكل أفضل، أراهن على ذلك."
عبس التاجر، وكادت جنيّة المكتبة تبتسم، وتدحرج القطّ الرماديّ الصغير فوق إحدى أخواته وماء.
قالت الفتاة وهما تغادران: "علاوة على ذلك، الجميع يعلم أن قطّ أيدنات كان زنجباريّ اللون. لقد كنّ المثلث الأحمر، بعد كلّ شيء. الملكة أيدنات والمعلم أيريس والقائد فارغيس."
بدا الأمر غريباً، سماع اسم "فارغيس"
وألّا يكون الملازم الطيب.
أشار آرون: "القائد الحديديّ ليس زنجباريّاً."
"لكنّ سيفها كان أحمر، أليس كذلك؟"
كان غطاء الجنيّة قد تراجع، لكنّها لم تبدُ منتبهة. وتألقت عيناها حين لمحت منصّة أخرى أسفل الدهليز وانطلقت نحوها. تناولا العشاء في الهابطة الثانية. أسياخ الخضار المشوية، وكعكات الفاصوليا المتبّلة، ولفائف الكراميل المحترقة قليلاً والتي كان معلّم جون بيكر ليطعمها للكلاب، أو ربّما لآرون. بدا مذاقها طيّباً حين كانت الفتاة التي رفقته تبتسم. توقفت ما إن لاحظ، لكنّها عاودت الابتسام حين أشاح بنظره.
دفع ثمن طعامهما معاً، شاعراً بالثراء بفضل أجور القلعة المكدّسة في جيوبه المتعددة. وكلّما كثرت كان أفضل لتفادي نشّال يسرق الكلّ. لقد أتى إلى هنا في وقت مبكر من اليوم للحصول على بعض الأغراض، وتذكّر ما يكفي ليوجهه نحو الروائح الأفضل. وبعيداً عن روائح أخرى.
"رائحة ذلك مذهلة."
لم تكن جنيّة المكتبة بارعة في إخفاء مطالبها. كان الكشك الذي تحاول جذبه نحوه يقدّم أسياخ الخضار ذاتها التي التهما قبل قليل، غير أنّ شرائح من اللحم دُسّت بينها. أنزل آرون ثقله إلى الخلف، مثبتاً إيّاهما معاً على الطرف البعيد من الممرّ.
"أيّ نوع من اللحم ترين ذلك؟"
خمنت: "دجاج؟"
"أكبر حجماً قليلاً، أظنّ."
"خنزير؟"
"أكثر هزالة."
استغرقت لحظة لتدرك. وعندما فعلت، توقفت عن الجذب، وكاد يسقط.
"ليس بشريّاً. مستحيل."
أقرّ آرون مستعيراً بغلظة لفظ المليشيا: "ليس بشريّاً تماماً. لكن انظري إلى تلك البائعة — رقع بالية عند مرفقيها، وكشك مصنوع من خشب خردة شخص آخر. كيف تستطيع تحمّل تكلفة قطع لحم فاخرة كهذه لترافق يخنة الجرذان خاصتها؟ يبدو لي أن بعض جرذانها كانت من سلالة أكبر مما ظنت أنها قادرة على اصطيادها، فجلبت نفسها إلى الهابطة الثانية حيث قد لا يعرف بعض الناس ما تطبخه."
ابتلعت الجنيّة لعابها بصعوبة. وما زالخ خياشيمها ترتجف — فالمعرفة لم تجعل الرائحة أقلّ روعة. كانت تلك حقيقة صارخة، وهي التي طالما أثارت غثيان آرون أكثر من غيرها.
"أكلّها...؟"
"بعضها جيّد، أنا متأكد. أيمكنك تمييز أيّها؟"
هزّت رأسها، وهي تحدّق في أكشاك الطعام بعينين أكثر حكمة.
"أتسمح لي بشرب الجعة على الأقلّ؟"
نخر آرون واشترى لكليهما كوباً. عبست حين شربت جعتها، لكنّها جرعتها كلّها على أيّ حال. في الهابطة الثالثة انضمّا إلى حلقة راقصين. كانت نار المخيم مليئة بالدخان أكثر مما يحتمله الكهف الذي وُضعت فيه، ولسع السخام عيونهما، وتسللت خصلات حمراء من منديل رأسها. قالت إنّها لم ترقص قط، لكنّها قاربت الأمر باجتهاد جعل المحيطين بها يبتسمون وهم يرونها الخطوات. رقصت سباعيات في صفّ، يميناً ويساراً، ورفعت ساقيها عالياً بينما صفقت المرأة التي تعلمها على الإيقاع.
بعد ذلك استندا إلى حاجز حجريّ وحدقا في الظلام، عند قلب الهضبة الرماديّ الشاحب.
همست: "إنه جميل."
وكان كذلك. ارتفع القلعة القديمة من الأعماق. وقاعها يستقر في النهر الجوفي، شاقّاً الشلال وناثراً ضباباً أبيض في الهواء لتتألق أعمدة دعاماتها. وتوسّقت الجسور ذات الحواجز الفنيّة الرقيقة فوق الفراغ، رابطة البناء بمستويات من التوكينز أعمق ممّا يجرؤ معظم الناس على بلوغه. بدت كشرنقة حشرة ضخمة، مثبتة على جوانب الكهوف، تنتظر أن تفقس. القلعة التي ختمها آل أوشي.
"أستطيع فتحها. أنا متأكدة."
مالت إلى الأمام لدرجة جعلته يخشى سقوطها.
"ربّما كان مقدّراً لها أن تبقى مغلقة."
"لكن إن استطعت فتحها، ألا يتوجّب عليّ ذلك؟"
كان الاستماع إليها مرعباً، لأنه استطاع تقريباً تصديق ما تقوله. ربّما استطاعت فعل ذلك. لقد صادف قليلاً من الناس في حياته ممن يملكون ذلك التركيز في أعينهم، وشيء في داخله أعجب بالمنظر. وأراد لهم النجاح. على الرغم من كلّ النفع الذي جناه من ذلك. أبعدها بلطف عن الحاجز واشترى عصير تفاح لمشروبهما التالي. بدا أنها تستمتع بالمذاق أكثر. كانت هناك رقصة أخرى في الرابعة. من النوع المعدّ للمشاهدة، لا للمشاركة.
دار شخص بلباس أبيض وآخر بلباس ذهبيّ في دوائر بطيئة حول بعضهما، ورفع ممثلاهما مراوح من الريش عالياً، ملقيين بظلال أجنحة على الجدران. وقوف رجال متقاطعي الأيادي وعصبيّي الأعين في الممرّ الخارجيّ، مستعدّين لإطلاق إنذار إن اقترب صائدو الجرذان أكثر من اللازم. كانت عجوز تنشر بطانيّة على الأرض أمامها، تبيع تمائم صغيرة. اشترى آرون سيف ملك البشر وتُرسَه، المنقوشين من الأمام والخلف بانعكاس مثاليّ، مكتسبين معنى مختلفاً لمن يملكون أعيناً لترى ذلك.
قد يُحظر الإلهان التوأمان من مدن البشر، لكنّ الملوك الحقيقيّة لا تحتاج إلى إذن البشر. دسّ القلادة تحت قميصه وجلس بجوار الجنيّة الصغيرة ليراقب الراقصين وهم يدورون.
همست له بصوت خفيض وكأنّه سرّ: "أذلك شبيه؟"
تتبع نظرتها نحو زوج عبر النار. كانت المرأة تجلس في حضن رجل، مرتاحة وذراعاه يطوقانها وذقنه على شعرها. لفت منديلًا حول رأسها، لكنّ أذناً رمادية انلت منها. لم يكن هذا النوع من التجمعات يكترث لمثل ذلك الأمر.
قال آرون: "إنها فأرة."
همست المرأة بشيء لرجلها، فضحك.
"لكنّه ليس كذلك؟"
قطبت الجنيّة حاجبيها.
"كيف يمكنه الاكتراث لها؟"
"يمكن للبشر الاكتراث لأي شخص يستحق الاكتراث."
سألت وهي تراقبهم: "حتّى لجنيّة؟"
"حتى لجنيّة. طالما أنّها تبتسم بين حين وآآخر."
وضع آرون يده على رأسها، وبعثر شعرها تماماً. ضحكت. لقد تحدته بغضب، بالتأكيد، لكنّها ضحكت وهي تتملص محاولة الهرب. لم ينزلا إلى ما هو أبعد. لم يكن ذلك آمناً لأيهما. حين صعدا الدرج مجدداً، كانت نيران المخيمات في المدينة العليا تخبو، وكان استعراض المساء الأخير يعرج في الشوارع تحت القلعة. جلس الملك فوق البوابات مع جنوده الحمر وعائلته، يراقب المشهد وبصبه كأس داكنة في يده.
حضر آل فارغيس: كان الملازم الطيب يقطب حاجبيه في وجه العالم بأسره بينما كانت جدته تضحك بشأن شيء ما. كان يضع قناعاً، لكنّه نزعه: استطاع آرون رؤيته مشدوداً في يده، لكنّه لم يستطع تمييز شكله. دفعت القائدة الحديديّة وجه قطّها الأحمر إلى شعرها الأبيض الفضيّ. وكان الأمراء إلى جانب والدهم، الأصغر يرتدي تنّيناً من ذهب، والأكبر من قرمزيّ. ووقفت السيّدة على بعد خطوات قليلة منهم جميعاً، مكتوفة الأيدي وهي تستند إلى الشرفة.
كان قناعها أبيض، بقرون فضية أنيقة تمتد للخلف فوق شعرها الذهبيّ. قرين. ولم يرتدِ جلالته أيّ قناع البطل. جذب آرون يد الجنيّة نحو منصّات المهرجان، لكنّها رفضت الانقياد. كان وجهها مرفوعاً نحو الشخصيات في الأعلى.
"يبدو عجوزاً حقّاً."
"تعالي. هناك شقوق في المدينة السفلى يمكنك من خلالها رؤية الغابة. لأهل الثعلب عروضهم الخاصة، إن عرفت أين تبحثين. درج شيبرد هو الطريق الأسرع للنزول."
"شكراً لك، يا آرون."
لم يفهم في البداية. ليس إلى أن سحبت أصابعها من يده وبدأت تبتعد عنه. أمسك بذراعها.
"لا يمكنك الذهاب. ما زال أمامهما ساعات حتى شروق الشمس. لنعش الليل، لنعش العام، أليس كذلك؟"
استعادت ذراعها بلطف ونزعت قناعها. وكانت تلك المرة الأولى التي يراها فيها بالكامل. لقد كانت موسومة كالجنيّة بلا شك: فقد تدفقت بقطعة خمرية من منبت شعرها، لتهبط على الخد وحول منحنى الفك، مختفية تحت نسيج فستانها. لقد كانت محظوظة لكونها نشأت بين الجنّ ولم تُترك كطفلة مبدلة في مهد ما؛ لكان الوالدان البشريان مرشحين لتركها في الغابة، أو إطعامها صدأ الحديد حتّى ينجلي طابعها.
نادراً ما يعيش الأطفال الموسومون بالجنّ ليبلغوا سنّاً كسنّها.
"عليّ العودة إلى البيت."
سأل: "إلى القلعة؟"
فأومأت. مدّ يده نحو ذراعها مرة أخرى، لكنّ يده قصرت.
"لماذا؟"
عابثت قناعها، لفه حول خيوطه الخاصة.
"لقد جعلت عائلتي تقلق."
حين تحركت لتخطو خارج الزقاق، وقف أمامها.
"لقد قضينا وقتاً ممتعاً، أليس كذلك؟ دعني أريك شيئاً آخر. لن يستغرق وقتاً طويلاً. أرجوك."
ترددت. استطاع رؤية ذلك في وقفتها، في طريقة تمريرها ليديها على ذراعيها والتفاتها للوراء نحو المدينة عوضاً عن القلعة.
"آرون، هناك شيء أنا—"
قبل أن تتمكن من الإنهاء، ترددت جلبة من بوابات القلعة؛ مجموعة من الحراس كانوا يهرعون للخروج لتخريب ليلة أحدهم. دفعها آرون أقرب إلى الجدار، مدخلاً إياهما عن الطريق ليمرّ الحراس. ولم يفعلوا.
سأل أحدهم: "أنت بخير؟"
وتساءل آخر: "أين كنت؟"
وقف آرون في وسطهم، حائراً، غير متأكد كيف يجيب.
ثم حدث أمر آخر، رددته شفاه أكثر وأكثر بينما وقف صامتاً: "سموّكِ."
"سموّكِ، أأنتِ بخير؟"
"سموّكِ، أين كنتِ؟"
"سموّكِ، هل آذاكِ؟"
أطبقت يد على ساعده، جارة إياه بعنف في اتجاه بينما راحت أيدي الطف وألطف تجذب فتاة الجنّ باتجاه آخر. رأى لوكلان بينهم ولم يفهم لماذا لم يتعرف عليه الملازم؛ لقد نسي قناع الثعلب، الذي ما زال مربوطاً فوق وجهه. حاول اتخاذ خطوة للخلف باتجاه الجنيّة ليجد نفسه على الأرض، وطنين في أذنيه. كان الشارع بارداً. وخدشت الحجارة المرصوفة كفيه، وذكرته بكل عظمة في كتفه وذراعه. وضغط مقبض خنجره على أضلعه.
وكان حارس آخر يمد يده نحوه. ربّما ارتكب آرون حماقة حينها، لكنّ صوتاً اخترق الهواء. صوتاً آمراً بامتياز.
أمرت الجنيّة الصغيرة: "توقفوا."
توقف الحارس عن مد يده. وتجمّد آرون في وضعيّة شبه جاثية، ويده معلقة. كلّ ما احتاج إليه هو انطلاقة أولى. كان الحشد لا يزال كثيفاً بما يكفي، والدرج قريباً بما يكفي. ولن يزور زنزانتهم للمرة الثانية.
كررت الفتاة: "توقفوا."
تابعت، رافعة ذقنها، مخاطبة الحراس: "لست مصابة ولا في خطر. لا علاقة لهذا الرجل باختفائي وكل العلاقة بعودتي، وستكفون أيديكم عنه."
ارتخت أعصاب الحراس بدرجات طفيفة. وبقي آرون متوتراً؛ وبقي كذلك على الأرض، رغم أنّه ثبت قدميه بشكل أفضل تحت نفسه. كانت وضعيّة أسهل لبدء الركض. وأصعب عليهم الإمساك به.
قال لوكلان، متحدثاً أقرب إلى أرنب خائف من الفتاة التي عرفها آرون: "لديّ أوامر بإعادتك إلى المنزل، سموّكِ."
وليس وكأنّه عرفها على الإطلاق.
"هذا هو المكان الذي أنوي الذهاب إليه، يا ملازم ثانٍ. سأشكرك لو رافقتني إلى أبي."
سحبت غطاءها ليعود إلى مكانه.
"أريد إحضار هذا الرجل إلى غرفة جلوسي. عليه انتظاري هناك."
وافق الملازم: "كما تشائين، سموّكِ."، محتفظاً بشكه تحت السيطرة تماماً، على الأقل طالما كانا على هذا الجانب من بوابات القلعة.
نهض آرون ببطء، مبعداً يده عن جنبه. وأعاد قناع الثعلب إلى شعره والتقى بنظرة الملازم الطيب المذهولة.
مقلداً كلمات الحارس: "كما تشائين، سموّكِ"، من دون أن ينظر إلى الأميرة أبداً.