رَفَعَ لِيام أوشي يَدَهُ عَنْ كَتِفِ ابْنِهِ وَوَقَفَ بِلَا مُسَاعِدٍ. بِحَرَكَةٍ أُخْرَى مِنْ مِعْصَمِهِ، أَمَرَ الصَّبِيَّ بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْقَلْعَةِ. تَرَاجَعَ كُونُورُ بِضْعَ خُطُواتٍ، وَلَا أَكْثَرَ.
قَالَ الْمَلِكُ: "لَمْ آمُرْ بِهَذَا".
تَقَوَّسَ ظَهْرُ الثَّعْلَبِ وَانْتَفَضَ مَرَّةً أُخْرَى. تَهَادَتِ الشِّرَاكُ، حَدِيدِيَّةً وَثَقِيلَةً، عَلَى حِجَارَةِ الرَّصِيفِ.
أَعَادَ الْمَلِكُ: "لَمْ آمُرْ بِهَذَا".
حَدَّقَ الثَّعْلَبُ فِي وَجْهِهِ. لَمْ يَرْتَجِفِ الْمَلِكُ، مِثْلَ ابْنِهِ الْأَكْبَرِ.
قَالَ الْوَحْشُ الْعَظِيمُ: "يَا لِلْأَسَفِ. لَوْ كُنْتَ أَنْتَ، لَحَصَلْتُ عَلَى ذَيْلِي قَبْلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ. أَنْتَ تَعْرِفُ مَا فَعَلْتَهُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ أَظُنُّكَ تَعْرِفُ".
ضَغَطَ الثَّعْلَبُ بِوَجْهِهِ قَرِيباً فَتَرَنَّحَ الْمَلِكُ عَلَى قَدَمَيْهِ. لَمْ تَكُنِ الشَّجَاعَةُ هِيَ مَا مَنَعَهُ مِنَ التَّرَاجُعِ، وَلَا الْحَمَاقَةُ أَيْضاً. أَدْرَكَ آرُونُ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ خَطَا خُطْوَةً، لَسَقَطَ. هَذَا كُلُّ مَا فِي الْأَمْرِ.
قَالَ الْمَلِكُ: "سَنُحَارِبُكَ".
تَجاهَلَهُ الثَّعْلَبُ.
"عَلَيَّ الْآنَ أَنْ أَصْطَادَكُمْ جَمِيعاً، وَاحِداً وَاحِداً. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَضْمَنَ ثَأْرِي إِلَّا حِينَ يَمُوتُ كُلُّ رَجُلٍ فِي مَدِينَتِكَ، عَداكَ أَنْتَ، عَلَى مَا أُظُنُّ. هَلْ لَدَيْكَ أَيُّ تَصَوُّرٍ لِلْمُدَّةِ الَّتِي يَسْتَغْرِقُهَا ذَلِكَ؟ اسْتَغْرَقَ الْأَمْرُ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ عَاماً لِلْوُصُولِ إِلَى ذَيْلِي الرَّابِعِ، وَكَانَتْ تِلْكَ قَرْيَةً صَغِيرَةً بَائِسَةً. مَتَى تَتَعَلَّمُونَ أَيُّهَا الْبَشَرُ قِيمَةَ الْكَذِبِ، يَا أُوشي؟ كَثِيرٌ مِمَّا يُوْفَرُ. وَقْتِي. مَدِينَتُكَ".
أَطْلَقَ الْوَحْشُ زَفْرَةً جَعَلَتْ كُلَّ نَارٍ تَرْتَجِفُ. اسْتَقَرَّتْ كَلِمَاتُهُ فِي هَوَاءِ اللَّيْلِ، وَتَنَامَى مَعْنَاهَا بَيْنَمَا تَبَادَلَ الرِّجَالُ النَّظَرَاتِ.
بِالْقُرْبِ مِنْ آرُونُ، ابْتَلَعَ لُوكْلَانُ رِيقَهُ بِصُعُوبَةٍ وَرَفَعَ صَوْتَهُ: "أَنَا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. كُنْتُ أَنَا مَنْ..."
دَارَ رَأْسُ الثَّعْلَبِ نَحْوَ السُّورِ.
"أَكْمِلْ تِلْكَ الْجُمْلَةَ، يَا صَاحِبَ الْمِعْطَفِ الْأَحْمَرِ. أَرْجُوكَ".
مَهْمَا بَذَلَ لُوكْلَانُ مِنْ جُهْدٍ، بَدَا عَاجِزاً عَنْ إِخْرَاجِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنْ فَمِهِ. تَحْتَ نَظَرَاتِ الثَّعْلَبِ السَّوْدَاءِ، ظَلَّ الْمُلَازِمُ الشَّابُّ سَاكِناً.
تَحَدَّثَ الْأَمِيرُ أُورِينُ وَسَطَ السُّكُوتِ: "أَنَا مَنْ أَمَرَ بِهِ. أَنْتَ مُتَكَبِّرٌ، يَا ثَعْلَبُ. مَغْرُورٌ. حَقُودٌ. لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ سِوَى مَسْأَلَةِ وَقْتٍ حَتَّى تَنْقَلِبَ عَلَيْنَا. لَيْسَ فِي عَهْدِ أَبِي، ففي عَهْدِي. لَنْ تَكُونَ لَكَ قَطُّ تِلْكَ الْمَهَابَةُ التَّي تُكِنُّهَا لَهُ لَدَيَّ. أَرَى ذَلِكَ فِيكَ، كُلَّمَا تَكَلَّمْنَا".
أَرْجَعَ الثَّعْلَبُ رَأْسَهُ وَضَحِكَ، عَوِيلاً طَوِيلاً وَحْشِيّاً فِي هَوَاءِ اللَّيْلِ.
"هَذَا! أُصَدِّقُ ذَلِكَ. أَحْسَنْتَ الْقَوْلَ، أَيُّهَا الْأَمِيرُ".
عِنْدَمَا خَفَضَ خَطْمَهُ مَرَّةً أُخْرَى، لَمْ يَكُنْ يَضْحَحْ بَعْدُ.
"أَحْسَنْتَ الْقَوْلَ، حَقّاً. أَيُّ شَيْءٍ آخَرَ تُرِيدُ قَوْلَهُ؟"
يَبْحُتُ وُجُوهُ بَعْضِ الرِّجَالِ عِنْدَ مُوَاجَهَةِ مَوْتِهِمْ. يَتَعْتَعُ بَعْضُهُمْ أَوْ يَهْرُبُونَ. كَانَ أُورِينُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَتَجَهَّمُ وَجْهُهُ غَضَباً. تَقَدَّمَ الثَّعْلَبُ، مُسْتَمْتِعاً بِكُلِّ خُطْوَةٍ. كَانَ الْمَلِكُ يُحَاوِلُ قَوْلَ شَيْءٍ، لَكِنَّ نَفَسَهُ بَدَا كَأَنَّهُ خَانَهُ. كَانَ لُوكْلَانُ يُجَهِّزُ سَيْفَهُ، وَكَذَلِكَ الْحُرَّاسُ عَلَى الشُّرُفَاتِ.
كَانَتْ شِيرُو تَتَقَدَّمُ بِخُطُواتٍ بَطِيئَةٍ نَحْوَ مَكَانٍ تَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ تَسَدِيدِ ضَرْبَةٍ مُنَاسِبَةٍ. أَمَالَ آرُونُ رَأْسَهُ. لَمْ يَكُنْ أُورِينُ مَيِّتاً. مَوْتُ وَلِيِّ الْعَهْدِ، بِكُلِّ تَثَاؤُبَاتِهِ الْمَلُولَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْأُفُقِ أَبَدًا. كَانَ كُلُّ الْأَمْوَاتِ قَدْ ذَهَبُوا. دَقَّ الْجَرَسُ عَلَى الْبُرْجِ الْمَلَكِيِّ سِتَّ مَرَّاتٍ، فِي تَتَابُعٍ سَرِيعٍ.
سِتٌّ، سِتٌّ، حِيَلُ السَّهَرَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ. حَطَّتِ الْعَنْقَاءُ بِهُدُوءٍ، وَكَانَتْ جَنَاحَاهَا الشَّبِيهَانِ بِالْبُومَةِ صَامْتَيْنِ تَمَاماً فِي هَوَاءِ اللَّيْلِ. كَانَتْ عَنْقَاءَ شَمَالِيَّةً. كَانَ جِسْمُهَا يُشْبِهُ جِسْمَ نَمِرِ الثُّلُوجِ، لَوْ أَنَّ نُمُورَ الثُّلُوجِ كَانَتْ بِحَجْمٍ يَسْمَحُ لَهَا بِصَيْدِ الْخُيُولِ. التَفَّ جَنَاحَاهَا حَوْلَ الْأَمِيرِ، كَجِدَارٍ مِنَ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ الْمُخَطَّطِ.
بَدَأَتِ الثَّعْلَبَةُ -عَفْوًا- بَدَأَ الثَّعْلَبُ: "أَيَّتُهَا السَّيِّدَةُ، كَمْ هُوَ لَطِيفٌ مِنْكِ أَنْ تَأْتِيَ".
صَرْخَتُهَا لَمْ تَكُنْ بِحَاجَةٍ إِلَى تَفْسِيرٍ.
"كُونِي مَعْقُولَةً، الْآنَ. هَذَا الشَّابُّ اعْتَرَفَ بِمُحَاوَلَةِ قَتْلِ..."
لَمْ يَكُنْ آرُونُ وَحْدَهُ مَنْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ. كَانَ التَّبَادُلُ التَّالِي صَعْبَ الْفَهْمِ، حَتَّى لِشَخْصٍ مُلِمٍّ بِلُغَةِ الْمِعْزَلِ. كَانَ سَمَاعُ بَشَرٍ يَصْفِرُ بِهَا أَمْراً، أَمَّا سَمَاعُهَا مِنَ الْمَنَاقِيرِ الَّتِي نَطَقَتْ بِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَذَلِكَ أَمْرٌ آخَرُ تَمَاماً. مُسْتَوَى صَوْتٍ آخَرُ تَمَاماً. حَاوَلَ آرُونُ الْمُتَابَعَةَ، لَكِنَّ الْأَمْرَ كَانَ صَعْباً بَيْنَمَا كَانَتْ طُبُولُ أُذُنَيْهِ تُحَاوِلُ الِانْطِوَاءَ وَالْمَوْتَ.
لَمْ يُعَانِ جُونُ بِيكَرُ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الصُّعُوبَاتِ. كَانَ جُونُ، فِي الْوَاقِعِ، يُرَكِّبُ بِعِنَايَةٍ مِسْمَاراً جَدِيداً فِي قَوْسِهِ النَّشَّابِ. كَانَ مُعْظَمُ الْحُرَّاسِ وَرِجَالِ الْمِيلِيشْيَا مُتَوَتِّرِينَ، بِأَيْدٍ عَلَى الْأَسْلِحَةِ. وَلَكِنْ، كَانَ مُعْظَمُهُمْ يُوَجِّهُونَ أَبْصَارَهُمْ نَحْوَ الثَّعْلَبِ أَوْ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا تَزَالُ عَلَى الشُّرُفَاتِ.
تَسَلَّلَ آرُونُ بِنَظْرَةٍ خَاطِفَةٍ إِلَى الْمُلَازِمِ -كَانَتْ مَفَاصِلُ أَصَابِعِ الرَّجُلِ بَيْضَاءَ عَلَى مِقْبَضِ سَيْفِهِ، لَكِنَّ انْتِبَاهَهُ كَانَ مُوَجَّهاً بِكَامِلِهِ إِلَى أَمِيرِهِ. تَحَرَّكَ آرُونُ بِعِنَايَةٍ بِضْعَ خُطُوَاتٍ جَانِبًا، بِأَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الْخَفَاءِ.
تَحَدَّثَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ: "أَظُنُّ أَنَّهَا فِي صَفِّنَا".
لَمْ يُحَوِّلْ فَتَى الْمِعْزَلِ بَصَرَهُ عَنْ هَدَفِهِ.
"هَلْ تَعْرِيفُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ مَعَاطِفَهُمْ؟"
"أَسْمَعُ أَنَّهُمْ يَنْزِعُونَ جُلُودَهُمْ".
"أَحْيَاءً. أَسْمِعْتَ تِلْكَ الْجُمْلَةَ؟"
لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهَا. وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ.
"الْعَنْقَاءُ مَيِّتَةٌ بِالْفِعْلِ. أَمَّا أَنْتَ فَلَا".
خَفْضَ الْفَتَى قَوْسَهُ النَّشَّابَ إِلَى جَانِبِهِ، بِبُطْءٍ.
"فَقَطْ تَوَقَّفْ عَنِ الصُّرَاخِ"، تَذَمَّرَ الثَّعْلَبُ.
كَانَ قَدْ تَرَاجَعَ خُطْوَةً وَجَلَسَ، مَعَ انْطِوَاءِ أُذُنَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَضَرْبِ ذُيُولِهِ بِالْأَرْضِ. أَصْدَرَتِ الْعَنْقَاءُ صَوْتًا نَاعِماً، نَقْرَةً خَفِيفَةً تُعَبِّرُ عَنِ الْمُوَافَقَةِ. كَانَتِ اللَّهْجَةُ مُخْتَلِفَةً جِدّاً عَمَّا اعْتَادَ سَمَاعَهُ، لَكِنَّ الرِّضَا فِي نَبْرَتِهَا كَانَ وَاضِحاً جِدّاً. بَسَطَتْ جَنَاحَيْهَا، كَاشِفَةً عَنْ أَمِيرٍ مُحْمَرِّ الْوَجْهِ تَمَاماً يُحَاوِلُ لَا يَزَالُ الْوُقُوفَ بِكَرَامَةٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ رِيشَةٍ بَيْضَاءَ عَلِقَتْ فِي شَعْرِهِ.
ضَمَّتْ جَنَاحَيْهَا بِأَنَاقَةٍ إِلَى جَانِبَيْهَا. ثُمَّ مَدَّتْ يَدًا ثَقِيلَةً إِلَى عِظَامِ تَرْقُوَتِهَا، فَغَرَزَتْ مِخْلَبَيْهَا السَّوْدَاوَيْنِ، وَمَزَّقَتْ. كَانَ الْأَمْرُ شَبِيهًا بِفَكِّ مِشَبْكِ مِعْطَفٍ. فِي لَحْظَةٍ كَانَتِ الْعَنْقَاءُ تَقِفُ كَبِيرَةً. وَفِي اللَّحْظَةِ التَّالِيَةِ كَانَ فَرْوُهَا وَرِيشُهَا، وَسِيقَانُهَا وَذَيْلُهَا، تَتَسَاقَطُ جَمِيعُهَا فِي جِلْدٍ فَضْفَاضٍ.
وَقَفَتِ امْرَأَةٌ نَحِيلَةٌ مَكَانَهَا. كَانَتْ تَرْتَدِي دِرْعاً جِلْدِيّاً فَوْقَ قَمِيصٍ أَبْيَضَ، وَسَيْفاً رَفِيعاً وَخِنْجَراً مُغْمَدَيْنِ فِي الْجَانِبِ الْمُقَابِلِ. تَدَلَّى فَرْوُ الْعَنْقَاءَ فَوْقَ كَتِفَيْهَا وَتَرَنَّحَ عِنْدَ كَاحِلَيْهَا، قَصِيراً بِشَكْلٍ مُسْتَحِيلٍ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ لَحَظَاتٍ. اخْتَفَتْ بَعْضُ أَجْزَائِهِ تَمَاماً -الْأَجْنِحَةُ، السِّيقَانُ.
لَمْ يَكُنْ رَأْسُ الْعَنْقَاءُ سِوَى غِطَاءٍ لِرَأْسِهَا لِتَدْفَعَهُ إِلَى الْخَلْفِ. تَسَاقَطَ شَعْرُهَا الْأَشْقَرُ، مُغَطِّيًا عَيْنَيْهِ الْفَارِغَتَيْنِ فِي كَفَنٍ ذَهَبِيٍّ نَاعِمٍ.
اقْتَرَحَتِ السَّيِّدَةُ: "أَنُنْتَهِي نِقَاشَنَا بِالدَّاخِلِ؟"
"بِالطَّبْعِ، قَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ أَكْثَرَ رَاحَةً لَوْ كُنْتَ أَصْغَرَ حَجْماً".
كَشَفَ الثَّعْلَبُ عَنْ أَسْنَانِهِ.
"وَإِذَا أَوْصَلَ أَحَدٌ رَصَاصَةً إِلَى جَسَدِي؟"
"حِينَئِذٍ يُجِيبُونَنِي".
كَانَتِ ابْتِسَامَةُ الْمَرْأَةِ صَغِيرَةً؛ مُجَرَّدَ ارْتِعَاشَةٍ فِي زَوَايَا شَفَتَيْهَا. ذَكَّرَتْ آرُونُ بِابْتِسَامَةِ مَوْتِهِ. أَطْلَقَ الْوَحْشُ الْكَبِيرُ زَفْرَةً وَانْهَارَ إِلَى نِيرَانٍ زَرْقَاءَ خَابَتْ ضِدَّ حِجَارَةِ الرَّصِيفِ. فِي غﻀُونِ لَحَظَاتٍ، لَمْ يَكُنْ يَقِفُ فِي السَّاحَةِ بِالْأَسْفَلِ سِوَى الْمَلِكِ وَالْأَمِيرِ الْأَصْغَرِ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ثَعْلَبٌ بِالْأَسْفَلِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَاحِدٌ قَطُّ.
"لَا تَطْعُنِي، أَيُّهَا الْمُلَازِمُ"، ابْتَعَدَتْ شِيرُو تَبْعُدُ عَنْهُمْ جَمِيعاً.
"كِلَانَا يَعْلَمُ أَنَّي لَسْتُ مَنْ أَخْرَجَ ضَابِطَكَ. كُلُّ مَا فَعَلْتُهُ هُوَ أَنَّي لَمْ أَتْرُكْ فُرْصَةً لِلْكَذِبِ".
اسْتَغْرَقَ الْأَمْرُ وَقْتاً أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي لِكَيْ يَفْهَمَ آرُونُ. وَبِحُلُولِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَانَ ثَعْلَبٌ أَسْوَدُ يَقِفُ حَيْثُ كَانَتِ الحْرَّاسَةُ، وَأَرْبَعَةُ ذُيُولٍ مُتَّشِحَةٍ بِالْبَيَاضِ مُنْتَشِرَةً خَلْفَهُ، وَمِخْلَبَاهُ الْأَمَامِيَّانِ مَحْشُوَّانِ فِي كُمَّيْ مِعْطَفٍ أَحْمَرَ كَبِيرٍ عَلَيْهِ قَلِيلًا. قَفَزَ بِخِفَّةٍ إِلَى قِمَّةِ الشُّرُفَاتِ، مُحَاوِلًا إِبْقَاءَ أَكْبَرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ مِنَ الْحُرَّاسِ تَحْتَ بَصَرِهِ.
قَالَ، بِصَوْتٍ لَيْسَ لِشِيرُو قَطُّ: "رِجَالِي يَرْحَلُونَ فِي أَمَانٍ".
وَافَقَتِ السَّيِّدَةُ: "بِالطَّبْعِ. أَفْتَرِضُ أَنَّهُمْ سَيَرْغَبُونَ فِي الرَّحِيلِ فَوْراً. سَيَسُرُّ حُرَّاسَنَا مُرَافَقَتُهُمْ حَتَّى بَوَّابَاتِ الْمَدِينَةِ".
حَوْلَهُمْ، خَابَتْ آخِرُ النِّيرَانِ الزَّرْقَاءِ. عَادَ ضَوْءٌ أَصْفَرُ مَأْلُوفٌ إِلَى الْمَصَابِيحِ عَلَى الشُّرُفَاتِ. اخْتَفَى كَثِيرٌ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ بَبَسَاطَةٍ. وَأَثْبَتَ بَعْضُهَا، مِثْلَ أَسَدِ الْجَبَلِ الْمُجَاوِرِ لَهُ، أَنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ جِدّاً تَحْتَ ذَلِكَ كُلِّهِ. لَمْ يُعْطِ الثَّعْلَبُ إِشَارَةً يُمْكِنُ لِآرُونُ رُؤْيَتُهَا، لَكِنَّ الْمَخْلُوقَاتِ بَدَأَتْ فِي التَّرَاجُعِ، مُتَجِهَةً نَحْوَ أَقْرَبِ دَرَجٍ أَوْ مُكْتَفِيَةً بِالْقَفْزِ إِلَى الْأَسْفَلِ.
لَكَانَ الْوَقْتُ مُنَاسِباً الْآنَ لِكَيْ... لَفَّ لُوكْلَانُ يَدَهُ حَوْلَ ذِرَاعِهِ.
"أَذَاهِبٌ إِلَى مَكَانٍ مَا؟"
قَالَ آرُونُ: "يَبْدُو أَنَّ لَا".
نَادَى الْمُلَازِمُ: "سَيِّدَتِي. عِنْدَمَا تَنْتَهِينَ، هُنَاكَ أَمْرٌ بَسِيطٌ يَجِبُ عَلَيْكِ مُعَالَجَتُهُ. يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَظِرَ حَتَّى الصَّبَاحِ".
تَحَوَّلَتْ نَظَرَاتُ الْمَرْأَةِ نَحْوَهُمَا. نَحْوَهُ هُوَ. رَأَى آرُونُ وَمْضَةَ تَعَرُّفٍ فِي عَيْنَيْهَا، أُخْفِيَتْ بِسُرْعَةٍ.
"سَيَكُونُ ذَلِكَ دُوُنَ شَكٍّ سُْرُورِي، أَيُّهَا الْمُلَازِمُ فَرْغِيز".
* * *
وجدا شيرُو خلف كومة الحطب، حيث تركها آرون. كانت تصارع طريقها للعودة إلى وعيها. أسند لوخلان أحد ذراعيها على كتفيه وحدق في آرون حتى فعل المثل.
"أيها الجني الصغير؟ لم أنت..."
بدأت الفكرة لكنها ضاعت منها في مكان ما. قصدا الباب الرئيسي للقصر. هناك، أبقاهما لوخلان ينتظران بأدب ريثما يدخل الموكب الملكي ضيفه.
"كم من مدينتي يحترق حقاً، ايها الثعلب؟"
سأل الملك، مستنداً بذراعه على ذراع السيدة أثناء مشيهما.
"جزء ضئيل فحسب"، كانت ابتسامة الثعلب أصغر في هذا الشكل، لكنها لم تكن أقل اتساعاً.
"ربما ركل شعبي فانوساً أو ثلاثة في طريق دخولنا. عن غير قصد البتة، أنا متأكد".
ركزت شيرُو على صوته، وهي تضيق عينيها بقوة.
"أذاك الثعلب يرتدي معطفي؟"
لم ير آرون حاجة لتصحيح الاستنتاجات التي كانت تتوصل إليها. ولا الملازم النبيل أيضاً، على ما يبدو.