لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 118 — الماركيزة وأنا

اقرأ لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 118 — الماركيزة وأنا باللغة العربية على مانجا تايم.

قال كليف بحدّة: "توقف عن فعل ذلك. تلك العادة المتمثلة في ترتيب الأشياء".

أجاب آرون، متذكراً محادثة أخرى جمعته بكليف: "لك كامل الحرية في تسوية الأمر مع عائلة رافيرتي قبل عودتنا".

جلسا يوماً على مقعد خشبيّ في كنيسة ملك الإنسان، وتمدّدت ساقا كليف في حِجره، وكان يحدثه عن حاجة أحدهم لتولي زمام الأمور هنا. لقد بدا منسجماً تماماً مع أفضل معالج لدى توكين وحدادهم الوحيد، وتلك بداية لا باس بها للسيطرة على ما يهمّ حقاً. لو أنه مضى قدماً في خطته تلك، لربما قلّ عدد الحراس الذين تحمل ظهورهم طعنات خناجر بعلامات عائلة رافيرتي.

سأل لوكلان، الذي ربما كان يفكر في ترتيبات حديثة معينة بين سيد الفصول وصانعي الحصون، والتي لم يقم آرون سوى بتسريع وتيرتها: "أهذه عادة يفعلها كثيراً؟ ترتيب الأشياء؟".

قال شبيه ابن عرس: "سيخبرك بالنفي".

قال آرون: "أيمكننا التركيز هنا؟ نحن بحاجة إلى الفئران لتعمل معنا. وسيفعلون، إن وصلنا إليهم أولاً".

ابتسم كليف ابتسامة عريضة حتى بدا كأن فكه قد تجمد.

"لم يكونوا يعملون مع عائلة رافيرتي. لكنك كنت دائماً صانع السلام. أسرّك العودة، يا آرون؟".

"ليس تماماً".

ولماذا بدا شبيه ابن عرس ملسوعاً بتلك الإجابة، ولماذا أطلق تنهيدة قصيرة وحوّل نظره إلى الجانب، لمو یدر آرون. لصارت الأمور أسهل لو لم تكن روز آبهة بموت سكان الطبقة العليا؛ لو أن همه اقتصر على مجموعتنا الصغيرة وحدها. لكنها تهتم، مما جعل هذه الورطة مسؤوليته ليرتبها من أجلها، إن لم يتطوع أحد غيره.

سأل آرون وهو يحول بصره إلى الأميرة: "أيمكنك المشي؟".

قال لوكلان تحذيراً: "يا آرون".

كأن آرون لا يعلم أن المشي ليس ما ينبغي لها فعله. بدت روز متعبة. أفضل حالاً ممّا كانت عليه حين كانت تنزف على الجدران، لكنها متعبة، كأنما تستطيع قضاء ما تبقى من اليوم في غفوة على فراشها الأرضي النظيف نسبياً، والكتاب في حجرها. لكان ذلك أفضل لها، لو استطاعته. لكن لم يكن ذلك خياراً مطروحاً.

أجابت وهي تحرك قدميها كأنها تختبر الفكرة: "...ربما".

"سأحملُك مجدداً إن لم تستطيعي. المسافة ليست بعيدة، والطريق أسهل. أغلبها التواءات فحسب".

بإمكانه تركها هنا. لكن لوكلان سيبقى إذن لحراستها. وحينها سيُترك أوشيه المصاب بمرض نادر بين مخالب الراكون، وصائد فئران في دكان الحداد. وفي دكان كليف أيضاً، لكن كليف لا يعمل إلا لمصلحته الخاصة. وللحداد عائلة كاملة تقف خلفها، وجنديّ بزِيّ أحمر يقف أمامها مباشرة ويعرف الكثير عن ولاءاتها بينما هي تنهي اللمسات الأخيرة على ذلك القوس المركّب. تفقدت منظار التسديد، ولم يكن لوكلان منتبهاً حتى لما إذا كانت تفعل ذلك بسهم في السلاح أم لا، لأنه لم ينشأ شديد الوعي بمن يحمل الأسلحة ومن لا يحملها.

آرون يثق بكل شخص في هذه الغرفة. وهو يثق بالقطط مع الفئران أيضاً، ولكن ليس على نحو ينتهي بشكل جيد للفئران. اتضح أن روز قادرة على المشي. غير أنها لا تمشي جيداً، ومن الواضح أنها لا تستطيع فعل ذلك طويلاً. خطت خطوات قليلة. ثم نظرت إلى آرون.

سألت: "الشخص الذي سنقابله، أهميّته كبيرة؟ إذن احملني حتى نصير في مرأى منه".

ستدخر ساقاها للوقت الذي يصبح فيه استعراض المظهر مهماً. عرض عليها ظهره مجدداً دلالة على الموافقة. وترك لوكلان يتولى مؤخرة الصف أثناء عبورهما الباب، إذ وجب على أحدهم أن يكون آخر من يداري ظهره لتلك الغرفة، وكان الملازم ليجعل سلامة روز أولوية لو طُلب منه ذلك.

قال آرون عندما صارا بالخارج وفي بمنأى كافٍ عن الآذن الصغيرة لتسمع بوضوح: "يا لوكلان، أرجوك توقف عن الثقة بأصدقائي. الأمور تختلف عما كانت عليه آخر مرة نزلتُ فيها إلى هنا".

خمّن الرجل بمنطقية تامة: "بسببنا؟".

لا، ليس بسببهم. غير أن الاستفاضة ستجلب الأسئلة، والأسئلة لا تفيد. نادراً ما يففع الماضي شيئاً.

"حاول التزام الهدوء. الصوت جزء من طريقة التنقل هنا في الأسفل".

كان النفق الذي وُجدا فيه أظلم من أن يُرى أبداً؛ وكان لوكلان و روز شديدي الاعتماد على إرشاداته لدرجة منعتهم من لومه على فرض الصمت. كان هدير النهر ينبع من تحت أقدامهما، مكتوماً بالحجارة وإلى جنوبهما مباشرة. مرّر آرون يده على الجدار الأيمن واتخذ الشق التالي المؤدي فوق الصوت، حارصاً على جذب معطف لوكلان حتى استدار الرجل بدوره عند المنعطف. ثم صارا في منحدر هبوط طفيف، ولو لم يُفرط آرون في التفكير بالمسار الدقيق، لوجدت قدماه الطريق بمهارة كأنه لم يغادره قط.

لربما ما كان عليه الرحيل. فلو لم يفعل، لَمَات أورين أميراً. ولتُذكِر بكل الأشياء الرائعة التي كان يستطيع فعلها، عوضاً عن أن تدنسه الحقيقة. وما كان أيّ شبيه بوجهه ليتمكن من المشي مستقيماً داخل القلعة دون إطلاق الإنذار. وربما هاجمت التنانين، لكن الناس على الأقل لما دخلوا غرفة برفقتها بكامل إرادتهم وأغلقوا الباب وراءهم. غرفة لم يرَ آرون أيّ وفيات تنتظر فيها، إذن لا، ما كانت التنانين لتهاجم هكذا.

ليس لو بقي آرون حيث ينتمي. ليس لو عاش ماركوس. لماتت روز في الليلة نفسها التي مات فيها شقيقها الأكبر، لو عاش ماركوس. وما كانت محرقة آرون سوى رماد قبل أسابيع من حدوثها، وما كان لتعرفه روز أو لوكلان أو كونور، السيدة سامرز مدبرة المنزل أو جون بيكر صانع السموم وسارق الكتب، أو حتى السيدة وايت القطة، سوى جرس واحد يقرع معلناً العثور على جثته. وهو أمر مجرد من المشاعر، لأنه حتى لو بدا كل شيء مروعاً منذ ذلك الحين ـــ ولم يكن كذلك، لكن حتى لو كان ـــ لظن حياً لأجل ذلك.

لأجل فرصة حدوثه، أياً ما كانت. إذن حتى لو تعنى هذه النهاية تدمير المدينة بأسرها، لم يستطع آرون الندم على موت ماركوس واحتراقه. لقد تطلبت جنازته دمية خشبية لمحرقتها. مع ذلك، ندم على عدم قضاء وقت أطول بالطرق القديمة، على البقاء معتاداً على أماكن كهذه؛ وندم على السماح لروز بحمل ضوء له في كل تلك المرات التي لم يكن بحاجة إليه. لأنه الآن وبعد عودة الظلام وضغطه شديداً و-- انضغطت ذراعا روز قليلاً حيث التتفتا حول كتفيه.

عناق. رفع يده إلى أعلى. ضغطها على إحدى يديها لحظة، ثم تركها تسقط. وخلفهما، تعثر لوكلان بشيء ما، لكنه تدارك نفسه بشكل جيد.

هَمَس عندما استعاد توازنه، إذ توقف آرون لأجله، وكان الصوت الأعلى حولهما هو أنفاس الملازم الجيد: "يا آرون؟".

أجاب: "لا أزال هنا"، واصل المشي.

ندم آرون على ارتداء الجعاب أيضاً. لم يستطع تمييز الأرض جيداً بوجود الجلد الملتف حول قدميه. واضطر للانحناء ليتأكد مما إذا كانت الأرضية تتحول من حجر صلب إلى تراب مسحوق بعد؛ واضطر لاستخدام يديه الفعليتين بدل أصابع قدميه للعثور على تلك الفضلات الصغيرة الساحرة بحجم الحبوب والتي يدل تركيزها المتزايد على المنعطف التالي، والذي يليه. واضطر لاكتشاف وجود صخرة صغيرة بركلها، تماماً كما فعل وجه الراكون، وابتلع ألمه وهي تتطاير بصوت عالٍ مزعج.

لأن الأمر وما فيه: لم يكن الظلام هو ما يثقل كاهله. ولم يكن عجزه عن الرؤية. بل معرفة كمّ الأشياء الأخرى هنا التي لا تحتاج كثيراً لعينيها على الإطلاق. كم منها يستطيع التسلل بمخالب صغيرة مباشرة خلفه، أو تكون موجودة بالفعل في الأنفاق المتقدمة أمام، ويكفيها الثبات والهدوء أكثر من أنفاس المرء نفسه لإخفائها حتى تصير وراء ظهر آرون. أو ظهر لوكلان. أو ظهر روز. صار الهواء عابقاً برائحة المسك.

قال آرون: "قريباً سنصل"، فانزلقت روز عن ظهره.

استغرق آرون لحظة لكي ينزع أخيرًا الغمد الذي كان يصطدم بحزامه، ليكون لدى لوكلان مكان يحفظ فيه سيفه المُعار بدلاً من الاكتفاء بإمساكه.

نصحه: "احتفظ به هناك. وأبعد يدك عنه. هذا موطنهم الذي نقتحمه، ولهم بالفعل بعض التحفظات على الألوان التي نرتديها هنا".

لم تكن روز ترتدي الأحمر. لكنها أوشيه، وهذا يكفي. قادهما آرون إلى المنعطف التالي، حيث لم يكن صوت حكّ المخالب الصغيرة في الجدران مجرد هذيان في رأسه. ثم طرق الحجر بخفة، بكل تأدب، وانتظر ليرى مدى تأدب الفئران في المقابل. بغاية الأدب، كما تبين. أرسلوا وجهاً. أرسلوا وجهاً يحمل ضوءاً. تأرجح المصباح الصغير نحوهما، محجوباً بنصفه احتراماً لمدى صدمة الضوء القوي للعيون بعد كل ذلك الظلام.

حوّل آرون نظره إلى جانب المصباح، دافعاً بصره للتأقلم دون المساومة على قدرته المكتشفة حديثاً لرؤية القادمين نحوهما.

قالت الوجه الصغيرة التي طالما أرسل الرسائل عبرها طوال الربيع وهي ترمقه بنظرة ضيقة متشككة: "أهذا أنت؟ لقد كنت وجه الذئب؟".

قال: "كنت. ولم أظنك وجه فأر".

قالت الفتاة: "لم أكن. وقررت أنني أحب الحصول على الطعام والأشياء، لذا ها أنا هنا، ولا يستطيع سيدي القديم فعل أكثر من البول في وجه الريح حيال ذلك. لم يجبروني حتى على التشبه بعد. قالوا إن الأمر يرجع لي وللصغار لإيجاد تطابق".

كانت ترتدي ملابس أفضل من آخر مرة رأاها فيها. أو على الأقل، كان معطفها أثخن وأفضل مقاساً، حتى وإن انتقل عبر أطفال آخرين قبل وصوله إليها. كان له غطاء رأس. وكان الغطاء يصر. أخرج صغار ذو وجه أبيض نصفياً رأسه، كأنما تحداه رفاقه؛ ومع أية نظرة وجهها لوكلان إليه من خلفه، تراجع ساقطاً إلى الداخل.

قال آرون: "يسعدني ذلك".

وحول وزنه، قليلاً فقط، تحسباً لحاجته لهرس عقبه على قدم الملازم الجيد. توجد فوائد للأحذية المناسبة.

سألت الوجه: "لماذا ترتدي الأحمر دائماً إن كنت واحداً منا؟ ولماذا بصحبتك جنديّ حقيقيّ بزِيّ أحمر؟".

لم تذكر الفايري المحتملين. أثار ذلك حفيظة روز، لكنه كان التصرف المهذب مجدداً.

"هذا سؤال يُجاب حين تكون المركيزة هنا. أيمكنني استعداء ذرة من اهتمامها؟".

قالت الفتاة بكتف مرفوعة: "لهذا أنا هنا".

ولصقت بآرون، وأبقته بينها وبين لوكلان بينما تقودهم للداخل. برزت خمسة رؤوس فئران صغيرة من غطاء رأسها خلفها، وإن لم تزد أبداً عن ثلاثة في المرة الواحدة. أومأ آرون برأسه لهن برهة، مما دفعهم جميعاً للانحناء مجدداً. لم يذهبوا بعيداً. شقوا طريقهم عبر صدع فحسب، إلى مكان تتسع فيه المساحة وتنتهي بطريق مسدود. كان السقف عالياً بما يكفي لآرون وروز؛ واضطر لوكلان للبقاء منحنياً.

كانت هناك بريق هنا وهناك حيث التقط المصباح بلورات صغيورة في الجدران، لكن المكان بدا في الغالب مساحة مجردة عادية. وذات رائحة كريهة، وجب عليه الاعتراف بذلك، حتى لو بدا تنفس روز ولوكلان المفرط بحذر عبر فميهما مبالغة بعض الشيء. أخبروه أن الفئران تحب تلك الرائحة. كانت هناك حافة صغيرة في الجانب البعيد، موازية للسقف تماماً. وشق رفيع عند حافتها، توجهت الفتاة نحوه بعد أن وضعت مصباحها في المنتصف حيث تركتهما.

مدت يديها، فزحف فأر عجوز طاعن في السن وسقط في كفها. التفتت الوجه نحوهما، مسندة ظهرها إلى الجدار لتشعر بالراحة، نظراً لكونها تعمل الآن عرشاً للفأر. حدقت الفئران بهما بعينين تغطيهما غشاوة إعتام عدسة العين. التقطت رائحة جيدة، واهتزت شواربها بلطف. كانت من النوع الرمادي العادي، وقد تخلل الشيب رأسها من كبر السن. وحين جلست للخلف، كان ذيلها متصلباً ومتثنياً بكسور قديمة.

قالت الفأرة كجدة تبقي الآخرين بانتظارها: "يا آرون. لقد حان الوقت تقريباً".

قاطعها آرون قبل أن يبدأ الأمر: "هذه الأميرة روز أوشيه، وليست للخلط مع فايري. والملازم ثانٍ لوكلان فيرجيز، من الحرس الملكي".

أدت روز انحناءة غير متأكدة لكنها مهذبة. نجح لوكلان في إبعاد قبضته عن سيفه. بفضل إبقاء يديه متشابكتين خلف ظهره، لكن آرون سيقبل بذلك. صفق ذيل الفأرة على يد الفتاة. لم تكن عيناها على روز، إذ لم تعد عيناها قادرتين على رؤية أي شيء، لكن سخطها كان كافياً لملء الغرفة الصغيرة.

قالت الفأرة، وهي عبارة قد يراها صائد الفئران مستبدة: "أتجلب هذه الإهانة أمامنا؟ لماذا أتيت إلى هنا، يا وجه ملك الذئب؟".

لقد غضبت منه حقاً لدرجة جر الألقاب إلى الأمور. ألقاب قديمة، ولا أقل من ذلك.

"ظننت أن عليكِ لقاءها. وعليها لقاؤكِ. تحب حكاياتها، لكني لا أظن أن لديهم أي حكايات عن الفئران في القلعة. وأعتقد أنها ستكون في صفك، لو فعلوا".

كشفت الفأرة عن أسنانها. طالما وجد آرون أسنان الفئران مروعة، لطولها والفراغات الكهفية المحيطة بها. لم تكن تشبه أسنان البشر بأي شكل، ولا حاجة لها لتكون كذلك.

"ولماذا نحتاج إلى وجودها في صفنا؟".

قال آرون: "إنها الملكة بالوكالة. وربما الملكة الفعلية. بإمكانها تغيير الأمور".

جعل ذلك أذني الفأرة ترتجفان للأمام قبل أن تستطيع العجوز منع نفسها.

"أخواها؟".

قال آرون: "ميتان، أو مفقودان".

احتبس نفس روز عند هذا التلخيص: ثلاث كلمات، لوضع تبدو قيمته أكبر بكثير بالنسبة لها.

"إذن حين تموت أميرتكم، نكون قد استأصلنا الورم بأكمله. ونحن على وشك السيطرة على كل الطعام الذي لا تسيطر عليه التنانين، مما سيقضي على تلك الميليشيا التي تفضل الموت على العمل مع أشباه الموتى. ستبدو الأمور مختلفة حين يستقر كل هذا. مما يترك المرء يتساءل لماذا جئت بآخر أوشيه إلى هنا".

اهتز الجلد فوق أسنانها مجدداً. وانحرفت نبرتها نحو تسلية مظلمة.

"أتريدها ميتة، أم مفقودة فحسب؟".

لم يحاول لوكلان طعن أي شيء. ولم تحاول روز التحدث. نظرا إليه فحسب، كأنه سيقوم بتوضيح الأمر.

سأل آرون: "لماذا نضيع رأسًا جيدًا تمامًا للتتويج؟ لماذا نغير المدينة، بينما تستطيع تغيير كل مملكة العهد الأخير؟".

أعطى ذلك الفأرة العجوز وقفة للحظة. وتلوى ذيلها خلفها، قريباً من التشنج مع كل كسوره.

"إنها أوشيه. أأثق بما ستفعله بنا، حين نكون بنصف فائدة وما زلنا فئرانًا بالكامل؟ يمكننا إيجاد رأس آخر للتتويج. ليست هي من انتظرناها".

قال آرون، واقفاً إلى جانب روز: "حسنًا، هي الموجودة هنا".

لم يكن الأمر شيئاً يحتاج للاستفاضة فيه.

قالت روز: "أنت تتصرف كأنك انتصرت بالفعل. كأنك لست بحاجة إلى الميليشيا تماماً بقدر ما قد تكون بحاجة إليك".

وأوه، بدا جلياً جداً أن روز لم تكن تستخدم سوى أدبها الخاص حين قالت قد تكون بحاجة إليك. حل الصمت مجدداً. ثم صرخات مدوية من الضحك الفأري، أعلى بكثير مما صُممت لتنتجه أجسام بمثل هذا الصغار. أفزع الصوت الفتاة، ودفع كل الصغار في غطائها للصياح بحدة. وتركت الفأرة لاهثة، ترتجف الاضلاع تحت فروها بطريقة بدت قريبة من الإيلام.

قال آرون: "أخبرتك أنها لا تعرف. لا يبدو أن أحداً من أهل الطبقة العليا يعلم".

لم تحتاج الفأرة لقول ذلك: أن لا أحد من أهل الطبقة العليا أراد المعرفة. كان النسيان فعلاً نشطاً، والجهل طفلاً يُحبس داخل منزله.

سألت الفأرة، ولا تزال جنباها تتحركان بألم: "وهكذا تطلب مني تعليمها، عوضاً عن قتلها؟".

وهنا تحركت يد لوكلان أخيراً نحو سيفه. كأنه بحاجة لأكثر من طرحها أرضاً على الحجر. كانت الفأرة عجوزاً. وتسخر منهم، وكانت تدرك أنها تسخر منهم، بعينين أو دونهما، لأنه لم يكن صعباً التنبؤ برد فعل جندي بزِيّ أحمر تجاه تهديدات كهذه. تجاه هذا الحديث بأكمله. تجاه مجرد حضور فأر، حتى قبل أن تفتح فمها وترتكب خطيئة الكلام. حرصت الفتاة على إخبارهم بمدى خلوها من شبه الأشباه. والصغار في غطائها كانوا كباراً بما يكفي للجري، وانطلاق الخمسة في خمسة اتجاهات يعني تعذر قتلهم جميعاً، وتلك هي الاحتمالات التي تفكر فيها الفئران.

لكن الفأرة الرمادية كانت أقدم من أن تجري. أقدم من أن تفعل أكثر من الجلوس هناك، وتجريب صبرهم. كانت تنظف نفسها الآن، فاركة دوائر صغيرة في شواربها بمخالب لم تتحرك بنصف جودة آخر مرة رأاها فيها، باعتبارها أزهد كتلة فرو عرفتها الإطلاق. لأنه لو قتلها أوشيه أو جندي بالزي الأحمر، فلن تسوء حال المستعمرة بشيء. لكن آرون تذكر فروها حين وجد طريقه إلى مستعمرتهم لأول مرة؛ كم كان ناعماً، وكيف قضمت أصابعه، وتسللت إلى شعره مطالبة إياه بحملها في كل مكان؛

وكيف عرضت عليه مكاناً هنا، تماماً كما اتخذت الفتاة التي تحملها الآن مكاناً لها. لم تكن فأرة صغيرة حين التقيا. لكنها لم تكن عجوزاً أيضاً. ولن تكون قابلة للاستبدال قط، مهما حسُن تذكرها.

قال آرون حين تخطى الموقف مرحلة التوتر إلى الحرج، على الأقل بالنسبة له: "إن تجاوزنا الشكليات، أيمكننا الدخول للحديث؟".

قالت مع تمدد كسر عمودها الفقري: "آه، حسنًا جدًا. لكن صائد الفئران ينتظر هنا. وحالما تدخل أوشيه الخاصة بك، لن تخرج إلا إن أعجبتنا".

قال آرون: "أظنها ستعجبكم. أنا متأكد".

لم يذكر أي منهما ما سيحدث للوكلان في أسوأ الأحوال.

ذكر الرجل نفسه: "لن أبقى هنا".

ترنمت الفأرة: "يا فتى الميليشيا الصغير، المعتاد على حرية الاختيار. ليس هنا، يا صائد الفئران".

لم تهتم كثيراً بأي شيء أراد الملازم قوله لها بعد ذلك. أدارت ظهرها فحسب، وتسللت صعوداً على كمّ الفتاة حتى عثرت مخالبها على الحجر مجدداً. عضت مخالبها الخاصة، وحينها أفصح شهيق روز المفاجئ عن فهمها لما يجرى. ضغطت الفأرة بدمائها على الجدار. تشقق من الأرض إلى السقف، متصدعاً ليفتح مدخنة، وحينها استوعب لوكلان الأمر. لكان الاثنان قد علما منذ البداية لو أعملا الفكر. ما كانت الفتاة لتمر عبر جحر فأر لاستقبالهما، ولم تكن لتجلس في طريق مسدود بمصباح مطفأ بانتظار أحدهم.

وكانا يعلمان كلاهم بالأرمان القديمة فوق القلعة، وهو أمر إضافي لم يتوفر لآرون أول ما وجد هذا المكان. لم يكن يشبه الطرق القديمة حقاً. لسبب واحد، كانت فتحة حقيقية، جاثمة بجرأة ليراها أي شخص بدل أن تكون غير مرئية حتى يعبرها المرء بالفعل. لسبب آخر، لم تكن تقود إلى أي جحر جديد بالكامل في الجدران. بل الجانب الآخر من هذه القطعة الصخرية بالذات. وكانت هناك طرق أخرى للدخول، أقل اعتماداً بكثير على أشياء قضى الرجال قروناً محاولين نسيانها.

كان هذا أكبره فحسب. ولم يكن آرون يناسب معظم الطرق الأخرى.

سألت روز وهي تلمس الحجر الخشن للمدخل: "أتعرفين كيف تستخدمين النسيان؟".

كانت الفتاة قد عبرت بالفعل بعد التقاط مصباحها، والفأرة على كتفها.

قالت الفأرة: "علمنا صديق بعض الأشياء، منذ زمن طويل".

عبرت روز، ويدها ما زالت على الحجر، متوقفة لفحص الجانب الآخر بنظرة اهتمام مهنية. تبعها آرون. وتبعه لوكلان. وصولاً إلى الفتحة نفسها، التي لم تسمح له بعبور باب الفأرة تماماً كما لم يستطع تنين يرتدي وجه أورين عبور باب روز.

قال الملازم الجيد، كأن صائد الفئران يمكن الترحيب به يوماً في قلب المستعمرة: "لا يمكنني البقاء هنا".

كانت الدهليز الفارغة في الخارج مكاناً آمناً له أكثر من عيادة الراكون؛ وهذا ما كان يهم.

قال آرون: "سأحفظ سلامتها. ابق هنا فحسب؛ ليس مكاناً يرتاده الناس، إلا إن عرفوا الطريق مسبقاً، وكانت لهم أعمال هنا أيضاً".

وهو ما لا يفعله الكثيرون هذه الأيام.

أردف محذراً تحذيراً عادلاً: "سنغيب مطولاً".

قال: "لا يمكنني البقاء هنا، يا آرون".

لكنه يستطيع. التفت آرون إلى الفتاة، والفأرة على كتفها.

"أستتركان له الضوء؟".

قالت الفأرة: "لا. لا أعتقد أننا سنفعل".

لمست الجدار مجدداً، مما أغلق المدخل في وجه صائد الفئران. حدق آرون في المكان الذي كان لوكلان يحدق فيه متبادلاً النظرات، ولم يعد كذلك. كان الملازم الجيد رجلاً راشداً وليس طفلاً: لن يضره قليل من الظلام. لكن آرون عرف مقدار عدم مساعدته له على الإطلاق.

قال آرون بنبرة عادية: "إن قتلتموه، أو سمحتم لشيء آخر هناك بفعله، فلن أنسى ذلك".

عدم النسيان أمر تفهمه الفئران. لقد أجرى محادثة معهم، ذات مرة. تلك التي علم فيها أن مجموعة من الغريفينات هي محمية، والكيرين مجلس، والقطة سيدث عصبيّة، والثعابين حساب. لقد أبدى رأيه بأن الفئران كان يجب أن تكون ذكراً لا نسياناً، عوضاً عن التنانين. الجناس وحده كان سيستحق ذلك. أخبرته الفأرة الأقل عجوزاً بكثير آنذاك.

من داخل معطفها، حيث كانت تعامل خزانة جيبه كأنها لعبة بحث عن الكنوز: "التذكر هو ما يتعين علينا فعله، إن رفض أهل الطبقة العليا ذلك. لكنه ليس ما نحن عليه. ليس ما نريد. وليس حتى طبيعتنا".

وعدت الفأرة هنا والآن: "سنفعل به ما نفعله بأميرتك".

لم يكن بالضرورة شيئاً تريده. بل شيئاً توجب عليها فعله. كان أمراً تيقنت منه تماماً مثل آرون، باستثناء الاتجاه المعاكس.

قالت روز بفم مشدود في خط مستقيم: "إذن ستقتلونه إن قتلتموني".

ما زالت واقفة. ولم تكن متأكدة من مدة قدرتها على الاستمرار.

قالت الفأرة: "سعدت جداً لفهمك، يا أوشيه. تعالوا: قابلوا المركيزة بشكل صحيح".

ربتت على كتف الفتاة. بدأت الفتاة بالتقدم، وأضاء ضوء مصباحها مرتعشاً مع الحركة خلف زجاجه حتى. على جانبي النفق الذي ساروا فيه، وعند عشرات الثقوب والحواف على جوانبه، ألقى هذا المصباح ظلالاً تتحرك بشكل بشع حول فئران لم تكن فئران. توقفوا عما كانوا يفعلون بينما مرت المجموعة الصغيرة بجانبهم. حمل بعضهم أكياس حبوب بحجم الفئران، على ظهورهم أو معاً في أزواج وثلاثيات.

سألت روز: "ظننت أنك المركيز".

قالت الفأرة العجوز: "أنا. نحن كذلك".

كانوا يمرون بمخازن الآن، والأشباه العاملون فيها ببشريتهم أو بلاها: تقف امرأة تقضم بقلق قلمها الخشبي بين تأشير النقاط البارزة التي تعمل كأرقام في ظلمة كهفهم، بينما جلب صف الفئران حولها المزيد والمزيد من الطعام لمساعديها لفرزه ووزنه وتعبئته. تراكض الصغار حول الكوام المتنامية، مبيدين بسعادة مفرطة أي سوس ومنافسة أخرى يمكنهم العثور عليها. نظروا جميعاً للأعلى، عاكسة عيونهم حمرة بينما مرت مجموعة آرون الصغيرة.

وبّخت فأرة أخرى روز بصراخ وأسنان متصكاكة حين كادت تدوس عليها، ثم عادت لتوبيخ حركة الفئران في الممر، لإبقاء كل القادمين متحركين يميناً وكل الخارجين مجدداً يساراً. بدت أماكن النوم خاوية، بلا سوى أغطية متشابكة تدل على أماكن نوم أكوام الفئران عادة. وحُمل الرضع الذين بدو بشراً على الصدر أو الظهر بينما يعمل البالغون، مع حمل نظرائهم الأكسى فرواً في كل غطاء وجيب متاح لإبقائهم بعيداً عن الأقدام.

استيقظت المستعمرة بالكامل، منخرطة في مهام مسعورة ستحدد بدقة المدة التي يمكن أن تصمد فيها البلدة السفلى ضد الحصار. لم يكن شيئاً أرادوه؛ وبالتأكيد لم يكن من طبيعتهم. لكنه تطلب التنفيذ.

"نحن الفئران نتذكر، لكننا لسنا ذكرى. وبالتأكيد لسنا أياً ما يهتم البشر بتسميتنا به. نحن ولاء. نحن ثبات. ولقد كنا، وسنظل، سواء أحبّ ذلك أي حيّ أم لا".

بلغوا قلب المستعمرة. ضوء المصابيح المنعكس عن مئات العيون. والفراء الأسود أو البني أو الأبيض أو المنقط، المتلوّي في كتلة واحدة. والذيل الملتوي والمتشابك حتى حدود الكسر، مع تحرك كل جسد من المجموع ككل. أوقفتهم الفتاة على مسافة وأنزلَت يدها. تسلقت الفأرة الرمادية العجوز للخارج. وتسللت متباعدة. واستدارت، متلوية حتى التئم ذيلها المكسور طويلاً مع الكل مجدداً. وتنوه، مسترخية لتعود إلى كامل وعيها.

تكلم ملك الفئران: "نحن المركيزة. والآن ستستمعين، أيتها الملكة بالوكالة الأخيرة، لما فعلته عائلتك. ثم ستحكمين، بصفتك ملكة بالوكالة، بما ينبغي فعله بك. وسنرَى إن كنا نتفق".

لم تكن تلك الأوشيه التي وقفوا موالين لها طوال هذا الوقت. تلوى قومها خلفها؛ ومعها. راقبوا من حولهم جميعاً. أخرج خمسة رؤوس صغيرة من غطاء رأس، بعيون شديدة الذكاء لصغار لم تتشكل بعد. سيكون لوكلان بخير، وحيداً تماماً هناك. أمّا هي وآرون فكانا بعيدين جداً عن الوحدة، هنا بالداخل.