ستّ، ستّ، حيلُ إيقاظ المتأخّرين. رنّت الأجراس بانتظام، وسرعان ما التقطتها أجراس أخرى حول الحصن. لم تكن الإشارة التي تخبر الناس بما يجب ترقّبه. لكنّها أخبرتهم بألّا يطلقوا النار فوراً على كل شيء غريب، وهو أمر سيُقدّره آرون قريباً. كانت السيدة قد ذهبت لتُبدل رداءها بآخر يناسب الهبوط على المنحدرات. وجّه آرون خطواته نحو روز وغلان. بدا أنّ أي إيجاز متسرّع شاركا فيه قد شارف على النهاية، إذ تفرّق من حولهم لنقل الرسائل والمؤن بين دفاعات الحصن.
قال آرون: "يمكنني البقاء هنا ومساعدتك، أو يمكنني فعل شيء لن يعجب شقيقك".
سألت روز: "أسيساعد ذلك؟".
"إن أحسنت تدبيره".
"أسيساعد إن كنتُ معك؟ أم غلان؟".
أجاب: "لا، وقاطعاً لا".
لم يردّ عليه أيهما، لكن نظراتهما حملت المعنى ذاته.
سأل: "ماذا؟".
فقالت الأميرة: "يا آرون، نواصل تركك تغيب عن أعيُننا، وتواصل العودة ميتاً".
"لكنّني أعود".
استمرّا في التحديق إليه.
قال غلان: "ستفعل شيئاً غبياً".
قال آرون: "تفصلنا يوم أو أكثر عن وصول الإمدادات. والتنانين أقل من ذلك، قبل أن تحرق من المنجنيقات ما يكفي لتزحف عبر النوافذ. ولا أدرِي إن كنتُ قادراً على إبقائكما على قيد الحياة إن اصطحبتكما عبر الغابة. لذا عليّ إبقاء الناس أحياء هنا بدلاً من ذلك".
لم يكن ذلك غبياً، بل كان ما يجب فعله. أغمض غلان عينيه برهة وأطلق نفساً طويلاً، كأنّ في كلام آرون خطأً متأصّلاً.
سألت روز بمزيد من العملية: "ما الذي ستفعله ويبقينا أحياء؟".
التمعت عيناها آرون في جميع أفراد الفصيل المحيطين بهم. تباادلت الأميرة وقائد فرقتها نظرة. أومأ لها غلان، ثم استدار نحو آرون. عدّل الرجل كتفيه كأنّه يمثل أمام قائده.
"سأرافقك".
قال آرون: "ها".
أه. أه، لقد كان جاداً.
قال آرون: "لا".
قالت روز: "الملازم الثاني فارغيز، آمرك بمرافقته. يا آرون، آمرك بأن تدعه يرافقك".
لم يكن ذلك عادلاً البتة.
قال آرون: "سيحاول إيقافي".
قال غلان: "إن كنتَ تعلم ذلك مسبقاً، فالرجاء الاعتقاد بأنّ خططك قد تشوبها شائبة".
"ليس فيها شائبة. بل هي فقط ليست..."
ألوح بيده. هنا، وهناك. نحو الملك، والنبلاء، والفصيل المهرول حولهم، وكل البشر الصارمين المهذّبين هنا. ولا يزال بالكاد يوجد أي من أهل المعازل. وهو ما كان منطقياً، بالنظر إلى أنّه من المرجح أنهم توجهوا إلى مستودع أسلحة لا يزال مقفلاً.
عرض غلان مكملاً الجملة: "لا تليق بصحبة مهذّبة؟ هل هي ممّا نرضى عنه؟ قابلة للنجاة؟ يا آرون، تواصل الموت حين تغيب عن أعيُننا".
قال آرون: "ستموت تحت عيني إن حاولت اللحاق بي".
قال الرجل: "أانت تفهم حقاً أن ذلك لا يقلل من أهمية اللحاق بك؟".
لم يفهم آرون، لكن لم يكن لديه وقت للجدال.
"بأي طريقة أخرى يفترض بي إيقاف هذا؟".
"لن تفعل. أنت— يمكنك الوثوق بنا لمساعدتك يا آرون. لا داعي لتركنا خلفك"، قال صائد الجرذان.
مع أنّه بدا غريباً، التفكير في غلان على هذا النحو.
أمرت روز قائد فرقتها مجدداً: "اذهب معه"، ثم حوّلت نظرة حادة إلى آرون.
"خذه معك. أعلم أنني لست بالسريعة التي تكفي لمجارَاتكُم، لكنني أتوقع من كليكما النجاح دوني. وألّا تموتا. أيكما".
سأل آرون: "ومن سيساعدكِ على ألا تموتي؟".
"أنا أنقل المؤن والرسائل يا آرون. نحن لا نعمل في فرق من الأساس. وإذا نجحت خطتك هذه، فلن تكون هناك على ما يبدو أي تنانين في القاعات لأقلق بشأنها".
"ما زال سيحاول إيقافي".
قال الرجل نفسه: "أنا..."، مبيّتاً كمن يعني قول شيء مثل لن أعلّق، لكنّه خفّفه إلى: "لن أفعل إن كان لديك سبب وجيه لذلك".
قال آرون: "لا يمكنني شرح الأمر في كل خطوة. لا أعرف حتى نصف الخطوات، بل أعرف الخطوة التالية، والأخيرة، ونحن نتعامل مع بشر لذا فإن البقية ستتدبر أمرها بنفسها".
أو ربما لن تفعل، لكنّ آرون كان ما زال حياً، لذا فقد كانت الطريقة تؤتي أكلها طوال ثمانية عشر عاماً صالحة ولم ير سبباً للشك فيها الآن.
سأل غلان بنظراته المشككة بواجبه: "أهكذا تعيش؟".
حدّق آرون في الرجل بغضب.
"أحتاج إلى كلمتك بأنّك ستدعني أتولى الزمام، وأنّك لن تقاطع الأمور لمجرد أنك لا تفهمها. أو تطعن أحداً لم يطعنك أولاً".
عصر الرجل جسر أنفه.
"هكذا تعيش إذن. حسناً، ما هي خطوتك الأولى هذه إذن؟".
لم يغب عن بال آرون أن الملازم لم يوافق. ولم يغب عنه أيضاً أنه لا يملك سيلة لمنع غلان من اللحاق به، سوى استدراجه إلى إحدى القاعات وضربه على رأسه على أمل تقدير الضربة بما يكفي لإبقائه طريحاً دون إلحاق تلف بدماغه، وفي الوقت ذاته فعل ذلك في مكان منعزل بما يكفي لعدم إثارة أي أجراس إنذار كاذبة، وحقاً في تلك المرحلة كان اصطحابه معه أسهل.
قال آرون: "سنعحث عن صانع المعارك".
"والخطوة الأخيرة؟".
كانت من النوع الذي لا يوافق عليه أي جندي محترم في الفصيل. بدأ آرون بالمشي بدلاً من ذلك. وتبعته خطى الملازم عند عقبه. كان صانع المعارك خارج مستودع الأسلحة، إلى جانب عدد لا بأس به من أهل المعازل، وابنها إلى جانبها. إذن فقد توجهوا للبحث عن الأسلحة. وهو ما يعني ضمناً أنهم لم يكونوا يعلمون أنه، حين يتعلق الأمر بهجوم حقيقي، كان سيّدهم ينوي تركهم بلا دفاع. كان معظم أهل المعازل صغاراً في السن؛
خدم القلعة المعتادين. وغاب آباؤهم الذين يعملون في الحقول ويعيشون في البيوت الطويلة بالخارج. ولم يكن ذلك يبشر بالخير لما كان يجري خارج أبواب الحصن. كان هناك حارسان على باب مستودع الأسلحة. كانت إحداهما قد سلت سيفها بالفعل. بدا أن الأخرى تدرك تمام الإدراك كيف ستؤول الأمور لكليهما إن تحول الأمر إلى عراك، وكانت تحاول تهدئة الحشد بوعود بأن المفتاح في طريقه. أكانت تصدق ذلك بنفسها أم لا، فتلك حدس يعود لأي شخص.
لكنها توقفت عند رؤية آرون وغلان، واسترخت كتفاها لدى رؤية حليفين. حليفين اسميين.
قال آرون، محققاً أول نظرة جانبية من غلان الذي بقي صامتاً لحسن الحظ مع تقدم الأمور: "نحن هنا لنعفيكم".
لوّح آرون بمفتاح القائد دون أن يكسر خطواته. وسّع أهل المعازل الطريق لهما، متنادين من لمس رداء الغريفين الخاص به تماماً كما يفعلون من تلمس يد ميتة. حدّقت الحارسة في المفتاح. وحدّقت فيه. توقفت عن الاسترخاء. آه. إذن فهي تعرف شعور قائدها حيال تسليح أهل المعازل إذن؟ ربما ما كان عليها قضاء وقتها في الكذب بشأن ذلك إذن. سيجعلها ذلك بالتأكيد في موقف حرج إن أرادت وصفه بالكذب، تماماً أمام كل هؤلاء المعازل الغاضبين الذين استقروا للتو.
قالت: "مفترض بنا حراسة المكان حتى تستقر الأمور".
"إن لم يقصد أن أتولى الأمر، فلماذا بحق الجحيم أمتلك مفاتيحه؟".
كان هناك نوع معيّن من البشر، أذكياء وسريعو البديهة لدرجة تمكنهم من رصد الفخاخ بأبسط صورة. حتى وإن كان رصد الفخ هو ما يفعله. لأنه وبما أنها ارتابت، كانت ذكية بما يكفي لتدرك أنها وشريكتها وحيدتان هنا. ومن المستبعد أن يكون أي شخص متجاوزاً لهذه القاعة —هذه القاعة الجميلة المسدودة— يعلم بما يحصل. لذا كانت خياراتها إما الوقوف هنا للمواجهة، أو المسايرة على أمل مغادرة هذه القاعة بحياة تكفي لإخبار شخص بما يجري هنا.
اختارت المسايرة. ذكية جداً.
قالت، مبذولة جهداً مثنياً لعدم رمي نظرتها نحوهما إلى نهاية القاعة: "طالما أنكما تتحكمان بالأمور هنا".
"أنا أسيطر عليها تماماً".
ابتسم وأصدر صريراً بالمفاتيح.
بدأ شريكها قائلة: "ألا ينبغي لنا—؟".
لكن الحارسة الذكية جداً أمسكت بذراع المرأة الأخرى —وليست ذراع سيفها— واقتادتها بعيداً. ولم تركض حتى. أحسنت صنعاً بخروجها حية. حافظ على ابتسامته والتفت إلى صانعة المعارك.
عارضاً: "المفاتيح؟ لم أسنح لي الفرصة لاختبارها، لكني متأكد تماماً أن أحدها سيفتح الزنازين التي تبقي مثير الشغب لديكم محبوسين أيضاً".
سألت الصانعة: "أي لعبة تمارسها؟".
لكنها أخذت المفاتيح على أي حال.
قالت: "نفس اللعبة التي مارستها دائماً"، وتجاهل سطوة استياء غلان خلفه.
"أوالآن ستنتظرين أولئك الاثنين للإبلاغ لدى قائدهما، أم ستسلّحين شعبك؟".
كانت صانعة المعارك أطول منه بكثير، بفارق واضح. وأكدت النقطة بانحنائها. مباشرة نحو وجهه، كأنّ ذلك مفترض به أن يفعل أكثر من جعله يرغب بغريزته في نطحها برأسه. امتنعت عن ذلك بلباقة.
سألت: "أحقاً توقعين مني بدء هذه المعركة هنا، والآن، لأنك أعطيتني بعض المفاتيح؟".
قال آرون بصوت خفيض لا يسمعه سوى الأقربين منهما، أي: ابنها وغلان: "لم تستطيعي منع شعبك من الشغب بسبب رنة".
لم يكن متأكداً بعدُ من مدى كونها قائدة، لكن أحداً لم يحب التشكيك بسلطته علناً.
"أحقاً تتوقعين القدرة على إيقافهم الآن؟ أن تكوني من يمسك بالمفاتيح، ولا يستعملها؟".
وكاستعارات، لقد جعل هذه واحدة حرفية تماماً. عبست بوجهها، لكنّها بالكاد استطاعت دحض النقطة.
هس ابنها: "لا يمكنك إجبارنا على الغباء".
قال آرون: "لا أحد يجبرك على ذلك".
وتابع، قبل أن يتسنى للفتى استيعاب ذلك: "أعِدها لبعض الجنوبيين إن شئت. لكنك تمليكت أفضل إلهام قد تنالينه يوماً. إنه الربيع؛ ألا تشعرين برغبة في التغيير؟".
قالت المرأة: "لن نسيطر على الحصن لأجلك. شعبنا بالخارج؛ وهذا الأمر لا يخصّنا في شيء. ولن أجعل شعبي يموت لإبقاء الملك أورين في السلطة".
قال آرون: "لا أطلب منك ذلك. افعلي ما هو الأفضل لشعبك. سيكون ذلك هو الأفضل لشعبي أيضاً".
وإن كانت تمتلك فكرة مختلفة عمن هم خاصته حقاً، حسناً. سيكون هناك وقت لتسوية سوء التفاهم هذا لاحقاً، إن تمكن الغريفينات من نيل استقلالهما هنا. كان عبوسها انعكاساً أعمق تجاعيد لعبوس ابنها. لكنها كانت تدعه يتكلم، وحيث كان يبدأ دائماً. حلّ رداء الغريفين وطواه على ذراع واحدة. ثم سلّمه لها هو الآخر. وعندما تكلّم تالياً، كان ذلك موجهاً للحشد بأكمله.
"أثق بأن البعض منكم على الأقل يعلم أنني كنت أُعيد رفات شعبكم، بالقدر والقدرة التي أستطيعها. وهذا آخر ما تبقى بلا جلد مسلوخ على ظهره".
أخذ نفساً، وتوقف عن استخدام لسان الملك.
زقزق قائلاً: "لدي مقترح لكم جميعاً"، وتابع الزقزققة بينما سكت أهل المعازل بسرعة كبيرة.
"شعبكم بحاجة إليكم؛ فلا تقتلوا شعبي وأنتم تفعلون، وسأرى كيف يرحلون عن هذه الأراضي".
قالت صانعة المعارك: "لا يمكنك التحدث باسم ملكك".
ولم تغير اللغات معه، كأن القوانين المانعة لذلك كانت تهم الآن. عاد للتبديل، بكل سهولة كأنه وُلد عليها.
قال آرون: "لماذا، قد تظنين أنني بحاجة لإذن الملك؟".
تنّهد غلان من خلفه.