جلست إليزابيث متصالبة الساقين على عرش نُحت من الأرض والأوراق. بدا الهيكل كأنه نبت لا بُني. صعد الحجر في منحنيات ملساء مدروسة. وتشابكت فيه كروم حية جُرّفت لتبدو في أشكال أنيقة وداعمة. كان العرش مريحاً على الرغم من أصله. وبشكل ملحوظ حقاً. فقد أثبت مرؤوسوها جدارة تفوق التوقعات.
قالت بصوت هادئ وموزون يَسهل عبوره في الفراغ الساكن: "لم يَبقَ سوى دقائق معدودة...".
ركع شخصان عند قاعدة العرش. قزم يدعى تود. ومخلوق مجنح من النسل الوحشي يدعى فيليكس. انحنى اثناهما بعمق وانحشرت رؤوسهما في خشوع لا لبس فيه.
"أجل، يا مولاتي".
حولت إليزابيث بصرها نحوهما. ملامحها هادئة ووقفتها بلا تكلف.
قالت بلطف: "لا داعي لأن تخفضا قامتيكما هكذا تماماً. لم أدّعِ قط ذلك اللقب الذي تصران على منحه إياي".
رفعا رأسيهما قليلاً. لم يهن النور في عينهيما. تعصب أعمى. ساطع ولا يُسأل عنه. لم تعره اهتماماً.
بادر تود بالحديث، وكان صوته ثابتاً ولا يتزعزع في إيمانه: "تواضع مولاتي مبهر كالعادة، لكنه في غير محله. ما كان لنحو الجميع في تدريبنا أن ينجو لولا قيادتك وحدك. لقد جلبتم النظام حيث لم يكن هناك نظام، وصنعتم الوحدة من الفوضى، ورقيتمونا من أفراد متفرقين إلى كيان... متماسك".
انحنى أكثر.
"تقلصت الإصابات إلى الحد الأدنى. وتعظمت الكفاءة. وكل فعل تم تحت إمرتك أتى أُكله. لقد ازدهرنا بفضلك".
توقف برهة.
ثم بيقين مطلق: "أُقدم ولائي لك، ولك وحدك، يا ملكتي".
أسهل من اللازم. مرت الفكرة في ذلها دون مقاومة. كان هؤلاء القوم متوقعين تماماً. مع ذلك... ابتسمت. بنعومة واتزان. ملامح صُنعت بعناية ومسحة خفيفة تشبه الحزن.
أجابت إليزابيث: "إذن فهو ولاء سيُختبر لبعض الوقت للأسف. فقد أوضح النظام نيته. لن نبقى معاً".
انحرف بصرها قليلاً كأنما تفكر في أمر بعيد.
"بقيتُ بشرية. ولم تبقَ أنت. تنتشر في صفوفنا أعراق بلا حعد، ومتغيرات لا تُحصى. سنُشتت عبر أستيريا بناءً على تحولاتنا العرقية".
أعادت اهتمامها إليهما.
"ستفترق طرقنا".
تحدث فيليكس هذه المرة، وصوته حازم برغم التوتر فيه: "مع ذلك، يا مولاتي، سنصبر. وسنزداد قوة. وإن سمح القدر بلقائنا، سنقف مستعدين لخدمتك مرة أخرى".
تأملته إليزابيث لحظة قبل أن تحني رأسها انحناءة طفيفة للغاية.
قالت ونبرتها دافئة تبعث اطمئنانًا يبدو صادقًا تمامًا على السطح: "لا شك عندي في أنكم ستنجون. لقد اكتسبتم جميعًا أكثر بكثير مما بدأتم به. وهذا وحده يضعكم فوق المتوسط بكثير".
نهض الاثنان على قدميهما.
ضرب تود صدره بقبضة مغلقة، ووقفته مستقيمة، وقناعته مطلقة: "أقسم بذلك. حققنا تحت توجيهاتك ما لم تحققه أي مجموعة أخرى. لا مجال لأن تكون أي كتلة تدريب أخرى قد أدت أفضل من كتلتنا".
واشتعلت عيناه يقيناً: "أما عن الأفراد، فلا شك في ذهني أنك تقفين في القمة تماماً".
أطلقت إليزابيث ضحكة خفيفة. بالكاد تُسمع. بالقدر الكافي لقطع اللحظة. تعثر تود، ومر الارتباك سريعاً على ملامحه.
"مولاتي...؟"
رفعت يدها دافعة القلق بحركة سهلة ومرنة: "معذرة. لم أكن أود المقاطعة. إنه مجرد... افتراض ممتع".
وظلت ابتسامتها. هادئة ومؤدبة، وملامحه مسيطر عليها تماماً.
تابعت ونبرتها مستقرة: "لا أشك في أنني أحتل مرتبة متقدمة. كانت نتائجى... مرضية".
تقليل شديد للشأن. فبينما تركت نقاط قتلها ما يُشتمل عليه، لامست إنجازاتها حدود العبثية. انخفض بصرها قليلاً نحو بكرة خيوط مستقرة في يدها. تحركت الخيوط بدقة من تلقاء نفسها، وتلوت بحياة هادئة تحت أصابعها.
قالت بهدوء: "تكفي بالقدر الذي يسمح... بشراء سلاح روحي خاص بي".
وقفة خفيفة.
ثم: "لكنني لست الأولى".
حّد بصرها قليلاً.
"أنا متأكدة تماماً من وجود من تقف فوقي".
تلا ذلك صمت قصير.
ثم بيقين هادئ: "وليس لدي أدنى شك في أنها هي من حازت تلك المكانة".
تحدث القزم مرة أخرى: "إن استأذنت في السؤال، يا ملكتي... من تكون تحديداً هذه التي تتحدثين عنها؟"
لامست ابتسامة باهتة شفتي إليزابيث. ليست الملامح المدروسة التي ارتدتها حتى الآن. ابتسامة حقيقية. لانت أطرافها.
أجابت: "صديقتي. رغم أننا تفرقنا، للأسف، قبل أن يبدأ هذا كله. اسمها لين".
تركت الاسم يتردد لحظة.
"فتاة صغيرة، بالمظهر وحده. بشكل مخادع. إنها بالتحديد من النوع الذي يعتبر هذا التدريب بأسره... قابلاً للتفاوض".
انحرف بصرها قليلاً وفقد تركيزه لجزء ضئيل من الثانية: "أتخيل أنها، بالبيئة الملائمة، ستفككه".
حل صمت قصير بينما ألفت بنظرها أنحاء الكهف. حركة الناس، والتنسيق الهادئ، والإيقاع الثابت لنظام بنته وصقلته.
ثم: "رغم أن ذلك"، أضافت بخفة، "يعتمد إلى حد ما على ظروفها. إن حطت صدفة في مكان كهذا مثلاً، حيث يتمثل التهديد الأساسي في العث."
ارتفع كفتا كتفيها قليلاً جداً.
"أظن أن أداءها ربما كان... مخترقاً".
تبادل تود وفيليكس نظرة. وازداد ارتباكهما عمقاً.
بدأ تود بحذر: "إن سمحت بهذه الجرأة، أهي استثنائية إلى هذا الحد؟ و... عث؟"
عاد انتباه إليزابيث إليهما، واستقرت ملامحها مجددًا في وضوح هادئ: "إنها كذلك"، قالت ببساطة.
بيان. ليس رأياً.
"الفرد الوحيد الذي اعتبرته قط نداً لي في الذكاء، برغم تخصصنا في مجالات مختلفة تماماً".
أشارت بخفة بإحدى يديها: "كما تعلمون، تكمن نقاط قوتي في الهيكلة. التخطيط طويل الأمد. التنظيم. التوزيع الكفء للموارد والأفراد".
انحناءة خفيفة لرأسها.
"أنا... كافية في القتال".
ادعاء متواضع. ومقصود.
"أما هي، فتتفوق في الآنية. يعمل عقلها بوتيرة استثنائية، صانعة حلولاً في الوقت الفعلي بكفاءة تقارب العبث. حيث أبني أنا أنظمة، تفكك هي مشاكل".
حدّ بصرها قليلاً، وتسللت لمسة إعجاب عبر نبرتها الخاضعة للسيطرة بخلاف ذلك: "في عالم تترجم فيه القدرة على التكيف مباشرة إلى قوة -إلى مهارات، وتقنيات، وتحكم مصقول- أجد صعوبة بالغة في تخيلها تؤدي بشكل سيئ".
وقفة.
ثم بنبرة أنعم: "إن كان ولا بد، فتوقع العكس".
سمحت لنفسها بنفَس ممتع صغير آخر: "أما عن العث..."
مر وميض من أمر ما -عاطفة ربما- سريعاً عبر ملامحها.
"فهي مرعوبة منه".
صدرت الكلمات برباطة جأش تامة. وهو ما زاد الأمر سوءاً بشكل ملحوظ.
"خوف غير منطقي البتة، برغم وصفتها إياه بأنه «مشبوه للغاية»، وهو ما يقال لي إنه مبرر كاف".
عادت إليزابيث فشبكت يديها بدقة في حجرها مرة أخرى: "باختصار، نعم. إنها بذلك الاستقرار".
عادت ابتسامة باهتة. خفيفة ومؤكدة.
"وإن لم توضع في القمة تماماً..."
ارتفع بصرها قليلاً، متفكرة.
"لكنت أكثر قلقاً بكثير إزاء من كانت هناك".
بينما استوعب اثناهما كلماتها، اختار النظام تلك اللحظة ليتدخل. تجلت نافذة زرقاء أمامهما. دقيقة واحدة متبقية. سرت الرسالة عبر الكهف مع تفتح نوافذ النظام في رؤية الجميع دفعة واحدة، لتنعكس بشكل غير مباشر فقط عبر عيون متسعة، وأنفاس حادة، وسكون مباغت. تبدل الجو في اللحظة ذاتها. ما كان منظماً صار... مشدوداً. لا فوضوياً. لم يكن فوضوياً أبداً. بل... محتقناً. انتشر الترقب كتيار عبر الجموع المحتشدة، فقطعت المحادثات، وبطأت الحركات، والتفت الانتباه للداخل بينما استقرت حقيقة ما سيأتي فوقهم جميعاً.
نهضت إليزابيث. كانت الحركة سلسة وغير مستعجلة. مدروسة وفورية. اتجه كل بصر نحوها. كل واحد منهم. نحو عشرة آلاف فرد، تجمعوا عبر التنظيم والانضباط وتوجيهاتها، يتركزون الآن تماماً على نقطة واحدة. عليها هي. شعرت بثقل الأمر. وقدرته. وتقبلته. نسبة إصابات بواحد بالمئة. ضمن الحدود المقبولة. لم تتغير ملامحها. أخذت إليزابيث نفساً هادئاً وخطت متقدمة من عرشها، بينما بقي الهيكل الترابي خلفها كرمز مُلقى لا كشيء تعتمد عليه.
لم ترفع صوتها. لم تكن بحاجة لذلك. حين تحدثت، حملت كلماتها ثقلها. استقرت سمة القيادة لديها في مكانها. لم تكن قسرية أو ضاغطة، بل لا تقبل الجدل. تعزيز دقيق أضفى وضوحاً واتجاهاً وثقلاً على كل مقطع صوتي.
بدأت ونبرتها هادئة، رصينة، وتصل بسهولة إلى أقصى أطراف الكهف: "أيها الرفاق، نقف على عتبة أمر أعظم بكثير مما تحملناه هنا".
وقفة. موزونة. لتسمح للكلمات بالاستقرار.
"لم يكن التدريب عالماً. بل اختباراً. بيئة محصورة صُممت لتشكلنا، وتصقلنا، والأهم من ذلك، لتكشف أينا سيتكيف".
جرف بصرها الحشد المحتشد. من دون إطالة. رؤية وفقط.
"لقد فعلتم ذلك بجدارة".
وقفة أخرى، أخف هذه المرة: "لم يكن البقاء مضموناً قط. ومع ذلك تقف الغالبية الساحقة منكم هنا، لم تتحملوا فحسب، بل نموتم أيضاً".
ظلت وقفتها مستقيمة، وحضورها ثابتاً.
"ليست هذه بحظ. بل كفاءة".
تبدلت نبرتها بخفة.
"ما ينتظرنا بعد هذه اللحظة لن يكون منظماً بهذه الراحة. لن تكون هناك ضمانات بالسلامة، ولا سلطة فردية لتنسيق أفعالكم، ولا تأكيد على أن من حولكم سيتصرفون ومصلحتكم الفضلى نصب أعينهم".
احتدم التوتر. وركز.
"ستُشتتون. وتُفصلون بالمسافة، وبالظروف، وبالقدر نفسه".
استقر بصرها.
"لكن ذلك لا يقلل مما أنجزتموه هنا".
انحناءة خفيفة لرأسها.
"احملوا ذلك للأمام. واصلوا التكيف. وواصلوا النمو. والأهم من ذلك، واصلوا البقاء".
وقفة أخيرة. أطول. أثقل.
"إن تقاطعت طرقنا مرة أخرى..."
لامست ابتسامة باهتة، تكاد تكون غير محسوسة، شفتيها.
"أتوقع أن أجدكم أقوى مما أنتم عليه الآن".
تلا ذلك صمت. تركت إليزابيث الصمت يطول لحظة أخرى قبل أن تخفض بصرها قليلاً، في اعتراف خفيف بمن هم أمامها. ثم: صار العالم أبيض. لم يكن هناك انتقال، ولا تحول تدريجي من مكان لآخر. في لحظة كانت تقف ضمن هيكل نطاقها المنظم، وفي التالية، اختفى كل شيء في سطوع يخلو من الملامح. وحين عاد بصر إليزابيث، عاد نقياً. امتد حقل قمح لا نهائي أمامها، ذهبي ويتموج تحت سماء ظهيرة صافية. علقت الشمس عالية، ملقية بظلال طويلة عبر الامتداد المتموج بينما مر الريح بتيارات طبيعية ثابتة.
لم تتحرك فوراً. بل راقبت. وقفت شخصيات بالجوار. الآلاف منها. وجوه مألوفة، متجمعة في تشكيل فضفاض، ووقفتها غير متأكدة لكنها سليمة. مرؤوسوها. ليس كلهم. أكد مسح سريع النمط بسرعة: بقي البشر والنسل الوحشي، بينما غاب الآخرون، ومنهم الأقزام. وقف نحو ثلاثة آلاف فرد في النطاق. اصطفت أفكار إليزابيث فوراً. جمعهم النظام معاً. حسب العرق، أو ربما التوافق. وهو ما يعني أن هذه المنطقة تدعم على الأرجح البشر والنسل الوحشي، وأن وصولهم كان...
منتقى. انتقال مراقب صُمم للحفاظ على درجة ما من التماسك. ميزة صغيرة. سمحت لنفسها بابتسامة خفيفة وموافقة. ارتفع بصرها بإيجاز نحو السماء، كأنما تبحث عن شيء وراءها. هل تغيرت لين أيضاً؟ يتناسب التكيف العرق عموماً مع الشخص. طريقة تصرفهم، والطريقة التي ينتهي بها مطافهم في القتال. ثعلبة ربما. قطة. شيء أنيق، شيء سريع. تنين، إن وُجدت أشياء كهذه هنا. أو ربما شيء آخر تماماً. بقيت عيناها معلقتين للحظة قبل أن تنخفضا مجدداً.
لم يكن ذلك مهماً. سيلتقيان مجدداً. لم يكن ذلك تكهناً، بل يقيناً. وستكون إليزابيث من يجدها، لا العكس. رغم أنها كانت تفكر بلا شك بالمثل. تحول انتباهها للخارج، ماسحة الأفق. حركة. اقتربت مجموعة. بشر مألوفون، يتقدمون بخطوات حذرة. كشفت تعابيرهم أكثر مما كشفته وقفتهم. راقبتهم إليزابيث عن كثب، وقد حّد بصرها قليلاً وهي تتعقب موضع وقوع انتباههم. على النسل الوحشي. والشعور خلفه - كان خاطئاً.
ليس خوفاً ولا تردداً. بل اشمئزازاً. واضحاً وصريحاً. آه. إذن هكذا تسير الأمور. تشكل الاستنتاج فوراً. لن يكون هذا الموقع ملائماً للاستقرار طويل الأمد. ستوفر منطقة محاذاة مع تجمعات النسل الوحشي كفاءة أكبر بكثير، وصراعات غير ضرورية أقل، وتماسكاً إجمالياً أفضل. سيتطلب الأمر إعادة توطن. استدارت بسلاسة، رافعة يداً واحدة. استجاب الجيش فوراً، متحركاً بانضباط هادئ، واشتد تكوينهم بينما تقدموا بلا تردد.
ليس نحو المعركة. ليس بعد، على الأقل. المعلومات أولاً. دائماً. استقر بصر إليزابيث على أفراد عديدين ضمن المجموعة المقتربة. أولئك الذين اهتزت رباطة جأشهم، وتصاعدت عواطفهم لأقصى حد، وتلك الأفكار التي تكون قراءتها أسهل. مثالي. لانت ملامحها، لتستقر بعناية فائقة في هيئة هادئة ومقتربة ومدروسة تماماً. ثم خطت متقدمة لملاقاتهم - وبدأت.