فوكس فاير، محامٍ الفصل 15

اقرأ فوكس فاير، محامٍ الفصل 15 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم تكن إفادة ليزلي كينغ المرة الأخيرة التي نضغط فيها على أحدهم من أجل هذه القضية. تلتها ثلاث إفادات أخرى، إلى جانب حضورنا للمساعدة في الدفاع عن إفادة السيد أرويو. لكن لم يبقَ الكثير لنفعله قبل أن تنفد منا المستندات لكشفها والأشخاص لاستجوابهم.

حلّت تلك اللحظة في الأسبوع الأول من تشرين الثاني، وبعد أن قدمنا للمحكمة ما يفيد بانتهاء مرحلة جمع الأدلة، تلقينا أول موعد نهائي رئيسي لنا: الدفوع السابقة للمحاكمة، وأي جلسات استماع للمرافعات بشأنها حسب الحاجة. أتعرف موعد ذلك الاستحقاق؟ الاثنين الذي يلي عيد الشكر. أمّا الموعد الذي سنرافع فيه أمام القاضي بشأن تلك الدفوع؟ الاثنين والثلاثاء، وربما (نأمل ألا يحدث ذلك) الأربعاء الذي يسبق عيد الميلاد.

كان اليوم هو السابع من كانون الأول. لقد حضر موعد تقديم الدفوع السابقة للمحاكمة ومضى. وأمام مكتب جلس كلّ من خوليو وفاطمة.

وكانا هنا لأنه وقت الحسم.

في آذار الماضي، قبل تسعة أشهر، أخبرت كليهما أنني سأقرر في النهاية من سيجلس في المقعد الثاني أثناء المحاكمة. أردت في البداية الانتظار لفترة أطول قليلاً، لمنح كليهما فرصة للمرافعة ضد بعض دفوع المدعى عليها السابقة للمحاكمة، واتخاذ قراري بعد معاينة ذلك. للأسف، قضت بعض العوامل الخارجية على هذه الخطة قبل أن تبدأ من الأساس.

أولاً... لن أكون متفرغاً حقاً في اليوم الأول للمرافعات السابقة للمحاكمة. كانت هناك قضية أخرى أنا محاميها الرئيسي ولديها يوم كامل من الوساطة في ذلك الاثنين ذاته. وبما أن الأمر يتعلق بقضية خاصة بمحكمة المطالبات الفدرالية، وكانت المحاكم المختلفة تملك عادة سيئة تتمثل في عدم الرغبة في التعاون مع بعضها البعض، فلم ينجح أي قدر من طلبات تغيير الموعد في حل هذا التعارض في المواعيد.

هذا يعني أنني أجبرت على التدخل، وكان عليّ تفويض بعض المسؤوليات إلى أحد محاميي المبتدئين. وتحت معظم الظروف، لكان ذلك القرار سهلاً! لكنت اخترت فاطمة، نظراً لامتلاكها خبرة أكبر كمحامية في مواقف أكثر، ولكتابتها بالفعل لأكثر من نصف النصوص التي قدمناها في النهاية لدقوعنا السابقة للمحاكمة!

باستثناء، ثانياً: خلال فترة الأشهر التسعة التي استغرقتها هذه القضية، كان كل من خوليو وفاطمة يعملان على قضايا أخرى أيضاً. وفي الأسبوع الأخير من تشرين الأول والأسبوع الأول من تشرين الثاني، ذهبت فاطمة إلى المحاكمة. وبصفتها المحامية الأقدم في فريق تلك المحاكمة، كانت هي المسؤولة، وكان من التقصير ألا آخذ ذلك في الاعتبار عند اتخاذ قراري.

المشكلة الوحيدة كانت التأكد من فهم كليهما للاختيار... وحسناً. ألا يتفاعلا بشكل سيء.

قلت غير قادر على إخفاء استيائي: "... إذن يكفي القول، إنني لن أكون متاحاً على الإطلاق في ذلك اليوم. كنت أود مراقبة كل منكما أثناء مرافعات الدفوع هذه واتخاذ القرار بعدها، لكن ذلك لن يكون ممكناً حقاً."

تجرأ خوليو بالقول: "أعني، ألا يمكنك ببساطة أن تجعلنا نتشارك العمل نصف مناصفة يوم الاثنين وتتخذ قرارك بناءً على ما تراه يوم الثلاثاء؟"

كان يتحرك في مقعده، ويعبث بغطاء الورق المقوى الصغير على كوب القهوة الخاص به ليخفي توتره.

قالت فاطمة، وهي جالسة بساقين متقاطعتين ويدين مستقرتين في حجرها بتهذيب شديد: "هذه ليست فكرة جيدة."

كان هناك جو من الحماس المكبوت في الأمر كله، فعلى الرغم من أنني لم استطع رؤية طريقة اهتزاز قدمها، إلا أنها كانت تنقر بخفة على مقدمة مكتبي بشكل متكرر بما يكفي لكشف الحركة. ومن المحتمل أنها كانت تعلم ذلك أيضاً، بالنظر إلى طريقة اهتزاز أذني المستمر في هذا الاتجاه كلما لامست قدمها المكتب.

"علينا أن نعرف من هو المسؤول قبل أن ندخل، وإلا سنقف في طريق بعضنا البعض طوال الوقت."

تسطحت أذناي قليلاً، مما أظهر مفاجأتي الخفيفة لإجابتها. من السخرية أنها استوعبت المشكلة دون أن تفهمها حقاً.

"خوليو."

اعتدل في ججلسته عندما نطقت اسمه.

"كنت تعمل على بعض القضايا مع داريل، أليس كذلك؟ أنت وهو فقط؟"

قال خوليو: "لا شيء رئيسي للغاية. مجرد بعض حوادث السيارات وزوج من قضايا سوء الممارسة الطبية."

بدأت بالقول، بينما سمحت لأذني بالاسترخاء وأنا أعرض عليه ابتسامة خفيفة: "وكم تقيم حجم العمل الموزع؟"

لقد أصبح خوليو بارعاً في قراءة الجوانب الأقل بشرية من لغة جسدي، لكنني شككت في أن حتى استرخائي سيساعد فيما كنت على وشك سؤاله عنه.

"إذا كان عليك إعطاؤي نسبة مئوية، فكم من العمل تؤديه أنت مقارنة بداريل؟"

تمتم خوليو: "امم..."

وفرك مؤخرة رقبته وأشاح بنظره لفترة وجيزة.

استطعت أن أرى أنه كان غير مرتاح لفكرة محاولة تحديد حجم العمل الذي قام به أي منهما في القضية، ولنكون صادقين، كان هذا الانزعاج علامة جيدة! كان تقسيم المسؤوليات أمراً أساسياً، لكنك دائماً ما تواجه خطر تخصيص القليل جداً من العمل حتى لو بدا كثيراً، أو إعطاء شخص واحد الأعمال السيئة بينما يحصل الآخر على الأجزاء المختارة.

"أعتقد أنه كان يحاول الوصول إلى نسبة ستين للأربعين؟ مع قيامي أنا بالأربعين لتسهيل الأمور عليّ؟"

"أرى ذلك..."

دوّنت الإجابة على دفتر ملاحظات، والتفتُّ نحو مساعدي الآخر، وانخفضت أذناي بينما تراجع مرحي توقعاً للمكان الذي ستتجه إليه المحادثة.

"فاطمة: محاكمتك في نهاية تشرين الأول. ما الذي سار بشكل خاطئ؟"

نظرت فاطمة إلى خوليو، الذي بدا أن انزعاجة قد تضاعف بألف مرة بسبب سؤالي، وقالت: "ذلك— نعومي، أتسألين بجدية عن هذا؟"

قلت: "أنا جادة، لأنني خسرت محاكمات أيضاً، وكانت إحدى تلك الخسارات خلال هذه القضية، وفي كل مرة كنت أجري مراجعة شاملة لمعرفة ما سار بشكل خاطئ. إذن، يا فاطمة."

نقرت بقلمي على الطاولة.

"ما الذي سار بشكل خاطئ؟"

أدارت فاطمة وجهها تماماً كما فعل خوليو، لكن ملامحها كانت تختلف بوضوح. فبينما كان هو ينضح بالانزعاج والقلق، بدأت طيات الغضب والاستياء ترتسم على جبين فاطمة وتشد زاويتي فمها نحو الأسفل. نقرت بقلمي على الطاولة، ثم مرة أخرى، ومرة ثالثة، محصية الثواني التي لم تجب فيها فاطمة. نقر. نقر. نقر.

نقر.

قلت كاسرةً الصمت المتوتر المتصاعد الذي أحاط بعجز فاطمة عن الإجابة: "حسناً، لا داعي لأن تخبريني. كنت أعرف بالفعل على أي حال".

اتهمتني فاطمة وقد وجد غضبها أخيراً هدفاً غير نفسها: "... لكنك لم تكوني هناك".

"لم أكن بحاجة لأن أكون هناك".

مدست يدي نحو هاتفي، وضغطت زر استعادة المكالمة التي أبقيتها في الانتظار طوال الدقائق الخمس عشرة الماضية، وكل ذلك تحضيراً لهذه اللحظة.

"آسفة لإجعالك تنتظر يا أمير. الآن، ماذا كنت تقول عن المحاكمة؟"

قال الرجل على الطرف الآخر من الخط: "إن محامية المدعية الرئيسية لم تستمع إلى زميلتها في الفريق".

كان الصوت يعود لأمير المصري، المحامي الشرس الداخلي لشركة ألتستيت. لقد كان صديقاً قديماً، وحليفاً أحياناً وخصماً أحياناً أخرى، واحداً من أكثر محامي المحاكم إخافة ممن رأتهم عيناي.

وكان هو نفسه المحامي الذي سحق فاطمة في المحكمة قبل شهر واحد فقط.

"كان واضحاً لي أنها لم تكن على إحاطة بكل جوانب القضية بقدر باقي المحامين في فريقها. لكن بدلاً من تفويض المهام، حاولت عوضاً عن ذلك تولي المحاكمة بأكملها بنفسها. لو أنها سمحت لأحد الآخرين بتولي استجواب شهودي خصوصاً، لربما نجحت تماماً في إقناع هيئة المحلفين بأن قضيتي تبدو أضعف مما كانت عليه في الواقع".

قلت: "أرى ذلك. وهل لديك أي نصيحة للآنسة عثماني؟"

قال أمير: "إنها مثلي، لذا سأعطيها نفس النصيحة التي احتجت لسماعها عندما كنت في مستواها: أظهري مزيداً من الثقة في باقي فريقك. حتى الآن، لا أحاول تولي المحاكمات المعقدة بمفردي. إن كانت هيئة المحلفين لا تستمع إليّ، فيجب على شخص آخر التحدث إليهم. وإن كان الشاهد عدائياً أو دفاعياً، فأنا لست الشخص المناسب لنزع فتيل هذا الموقف. احتضني نقاط قوتك، لكن اعترفي بنقاط ضعفك، وأحيطي نفسك بأيادٍ مساعدة".

قلت: "رائع. شكراً لك مرة أخرى على مساعدتك يا أمير. أه! قبل أن أنسى، هل ما زلنا على موعدنا يوم السبت؟"

"بالطبع! لكن يجب أن أعلمك: ابنتي في المدينة أيضاً، وقد أححضرت الأطفال".

قلت له: "وصلت الرسالة بوضوح تام؛ سأخبز الكعك وأخرج الثعلب من وكره. أراك إذن!"

وعندها، ضغطت على زر مكبر الصوت لإنهاء المكالمة، وعدت بنظري إلى محاميّيَّ المبتدئين. بدا خوليو غير منزعج البتة، وقد قدرت أنه خاض محادثات مشابهة مع خصوم سابقين بما فيه الكفاية خلال سنوات عمله كمدافع عمومي.

أما فاطمة، فبدت من جهة أخرى مندهشة تماماً. كانت تقف في منطقة ما بين الذهول والغضب والخزي، عاجزة عن صياغة جملة تامة وسط غضبها.

قلت لهما معاً: "كان أمير يفعل هذا قبل أن يدخل أي منكما المدرسة الابتدائية. لقد نسيت ذاكرته عن كيفية أن تكون محامياً للمرافعات أكثر مما قد يعرفه معظمنا طوال حياته. ويكفي أن أقول إنه عندما كان يخبرني بالمكان الذي أملك فيه مجالاً للتحسن، كنت أستمع بإنصات شديد".

التفت نحو فاطمة.

"بصرف النظر عن المشكلة التي رصدها، كنت ما زلت سأجعلك تجلسين في المقعد الثاني. لكنني لن أكون موجودة ليوم واحد على الأقل من مرافعات ما قبل المحاكمة، ولأجل قضية بهذا الحجم؟ لا يمكنني بضمير مرتاح أن أتركك مسؤولة إن كانت مشكلتك الأساسية هي عدم القدرة على العمل بروح الفريق".

لم تجب فاطمة.

بل دفعت كرسيها بعيداً عن مكتب، ونهضت، وغادرت مكتبي، صاقعة الباب خلفها في طريق خروجها لزيادة التأكيد.

تنهدت قائلة: "تباً".

والتفت نحو خوليو.

"يكفي أن أقول إن الأمور لم تسر بالطريقة التي أردتها. تهانينا يا خوليو. ستجلس في المقعد الثاني، مما يعني أنك المسؤول عندما لا أكون هنا. كنت أمنى أن لا تكون الأمور بهذه الفوضى، لكن، حسناً".

تنهدت، وتدلت أذناي بخيبة أمل.

"لا يرغب الناس غالباً في سماع ما يحتاجون إلى سماعه".

قال وهو ينهض من مقعده: "نعم... نعم، أنا أدرك ذلك. على أي حال، أنا، أمم. سأذهب لأحصل على مزيد من الوقت للعمل على تلك الدفوع، وعلينا معرفة نهجنا".

عرضت قائلة: "إن كان بإمكاني تقديم اقتراح؟"

وتوقف خوليو.

"اجعل فاطمة تدافع عن دفوعنا التمهيدية. لقد كتبَت معظمها، وأنا بحاجة حقاً لأن أمنحها حقها وأتيح لها إظهار مهاراتها".

"وما البقية؟"

قلت له: "فقط ثق بأفضل تقدير لديك. وهل أقول يا خوليو؟"

سأل خوليو متوقفاً ويده على مقبض الباب: "نعم؟"

قلت له: "تهانينا على جلوسك الأول في المقعد الثاني بدعوى مدنية. لقد استحققتها".

"‐ شكراً لك يا نعومي".

رمقني خوليو بابتسامة وأدى التحية بكوب قهوته.

"هذا يعني لي الكثير".

ثم غادر مكتبي، تاركاً إياي وحدي مرة أخرى. تنهدت، ومنحت نفسي لحظة قصيرة للاسترخاء، ثم عدت إلى حاسوبي وفتحت بضعة مستندات أخرى كانت بحاجة إلى مراجعة سريعة. ويا للعجب، لا راحة للمتعبين. لحسن الحظ أن عطلتي عيد الميلاد والرأس السنة تقعان قبل المحاكمة. اعتادت حياتي الاجتماعية أن تموت ميتة بائسة طوال فترة المحاكمة، لذا فإن الحصول على هدنة لطيفة قبلها كان نعمة، خصوصاً مع ما خططت له.

أسبوع المنتجع الصحي مع الفتيات سيجدي نفعاً كبيراً، ويا للهول، ما تفعلانه لفروي...

مرّت العطلة سريعةً بلا ضجيج يُذكر. أمضيتُ عيد الميلاد برفقة غورو في السفارة اليابانية حيث غَمَروه بالاهتمام وبعض الهدايا. وحين اطمأننتُ إلى استقراره حتى ليلة رأس السنة، اصطحبتُ أعزّ صديقتَي كيمي وكيه لأسبوع استجمام في النادي الصحي. جنّة خالصة، يا للهول. استرخت عضلاتي، وصفت بشرتي، وصار شعري وفروي ناعمين ولامعين. وبّخني غورو قليلاً لأنني سمحتُ لأحد غيره بلمس فروي، لكنّه اعترف بنفسه بأنّ النتيجة كانت مبهرة بحقّ.

كان اليوم الثلاثاء، الخامس من كانون الثاني/يناير سنة 2021. يفصلنا عن يوم التنصيب أسبوعان (فاز المرشح الديمقراطي بولاية جديدة، لا شيء خاصّ)، ورغم أنّ القاضي فريدمان كان حريصاً بوضوح على إنجاز المحاكمة قبل ذلك التاريخ، لم يرغب أحد، ولا حتى هو، في عقد جلسة يوم الاثنين الذي تلي رأس السنة. قال رسمياً إنّ تأجيل الجلسة يوماً إضافياً سيكفل حضور عدد كافٍ من المحلفين لقضية بهذا الحجم.

وهكذا استغللتُ وفريقي يوم أمس بوصفه آخر جلسة لترتيب الأمور والاستعداد. وها نحن نجلِس الآن في قاعة المحكمة بانتظار البداية. امتلأت مدرجات القاعة عن آخرها بالمحلفين المحتملين، وهي عادةً ما تضمّ الفضوليين أو أصحاب القضايا المنتظرين لأدوارهم. ولمّا كنتُ لا أتوارى عن اقتناص أيّ فرصة تتاح لي، فقد كنتُ واقفةً عند طاولة المحامين كي يرانِي الجميع.

كانت قاعة المحكمة التي سنترافع فيها أصغر حجماً بعض الشيء. لا تسع المدرجات سوى أربعين شخصاً تقريباً. وتعني خصائص الصدى فيها أنّك إن لم تكن في دائرة المحكمة والقمة ملأى، فلن يسمع معظم الحاضرين حرفاً مما تقوله.

لكن، حسناً. لم أكن معظم الناس.

تجسست أذناي يمنة ويسرة، وامسحتا أرجاء القاعة لألتقط أكبر قدر ممكن من الهمسات والأحاديث الجانبية. كنتُ محطّ فضول عارم، وكما توقعت. فكم مرة يرى المرء شخصاً له أذنان حيوان حقيقيّ وذيل؟ وما احتمالية إيجاد مثل هذا الشخص داخل قاعة محكمة؟

أقرّ بأنّ سماعي المحامين الآخرين يتذمرون من عملية اختيار المحلفين كان بمثابة صدمة مزعجة لي في البداية. يواجه معظم المحامين صعوبة بالغة في إيجاد محلفين يكترثون حقاً، أو يرون في واجب المحلفين عملاً مقدساً ينبغي أداؤه لا عبئاً يتمنون التخلص منه. غير أنني لم أعانِ من ذلك، ولا حتى لمرة واحدة. واجهتُ مشكلة مختلفة تماماً عن البقية؛ مشكلة تحديد المحلفين الذين يرون فيّ مجرد حيوان في حديقة حيوانات، فهؤلاء هم من يراقبون كل حركة تصدر مني متجاهلين في الوقت ذاته كل كلمة أنطقها.

لذا، استعنتُ بعضو رابع مؤقت لفريقنا القانوني. لقد سبق لنا توظيف محامية مساعدة جديدة للعام القادم، وهي خريجة حديثة من كلية الحقوق. لكنّ تلك المحامية المنتظرة ما زالت طالبة ظريفة ورائعة في السنة الثالثة، تعمل بدوام جزئي في المكتب بغرض نيل الساعات الأكاديمية (ما يُعرف بالتدريب الخارجي) وتقاضي أجراً زهيداً.

ذهبتُ إذاً إلى أليس وأخبرتها بأنني سأعير طالبة السنة الثالثة، وأحضَرتُ كيسي ألين، الطالب المحامي الصغير الظريف، إلى المحكمة للمشاركة في اختيار المحلفين.

قلتُ له في السيارة أثناء القدوم: "مهمتك هي اتخاذ مكان لك في المدرجات بحيث تقع أنا والمحلفون المحتملون في نطاق رؤيتك. أريدك أن تراقب ما إذا كانوا يحدقون بي، وإلى أين تتجه نظراتهم تحديداً. أي محلف يحدق في صدري، استبعده. أي محلف يحدق في ذيلي، استبعده. أي محلف يحدق في أذني... حسناً، الأمر هنا أكثر تعقيداً بعض الشيء. عليك في هذه الحالة أن تركز على لغة جسده؛ أيبدو وكأنه يحاول حقاً تبين ما أقوله بأذني؟ أم أنه يحدق لمجرد التسلية؟"

كان كيسي يجلس الآن في الزاوية الخلفية اليمنى للمدرجات، مرتدياً سترة سوداء فضفاضة تجعله عادياً لدرجة كاملة جعلت المحلفين المتوافدين إلى القاعة يتجاهلونه تماماً. وعندما سأل شرطي المحكمة عما يفعله كيسي هناك، اكتفت ملاحظة جهزتُها مسبقاً بجعل الشرطي يتركه وشأنه.

امتلأت المدرجات أخيراً. وبعد ثلاث دقائق من الهمس والتمتمة، أخذ الحاجب مكانه أمام المنصة وصاح بصوت عالٍ.

"قوموا جميعاً!"

كنتُ واقفةً بالأصل، لكن الجميع انضموا إليّ، وكان بعضهم أسرع من بعض.

"نقدم لكم حضرة القاضي ماركوس ليروي فريدمان. نُهيب بكل من لديه دعوى أمام القاضي وهذه المحكمة الانتباه، فقد انعقدت الجلسة الآن!"

قال القاضي فريدمان وسط ضحكات خافتة من المدرجات: "أوه، لا داعي لتكلف عناء الانتظار من أجلي. هيا، اجلسوا، اجلسوا!"

استجاب الحضور للدعوة سريعاً، ومع حفيف الأقدام على السجاد، استقرت المقاعد بالمؤخرات واتجهت الأبصار نحو المنصة.

"كما تفضل الحاجب العزيز بالقول في مقدمته، اسمي ماركوس ليروي فريدمان، وأنا أحد قضاة محكمة العاصمة العليا هنا. لقد استُدعيتم للمثول بوصفكم محلفين محتملين في قضية دِستيني إيرين بانكس ضد شركة ويليام سي. سميث وشركاه وآخرين، وهي دعوى مدنية تُعرف بدعوى القتل الخطأ. نشأت هذه القضية عندما احترق مبنى سكني بعد ظهر السابع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر سنة 2019، وتُوفي شخصان في هذا الحريق."

تبخرت أي أجواء مرحة في القاعة بلا همس. كان القاضي فريدمان يعرف تماماً كيف يفرض سيطرته على قاعته، وكان منظراً يستحق التأمل.

قال: "حرصاً منا على اختيار محلفين نزلاء وحياديين تماماً، ينص القانون على حق المحكمة ومحامي الطرفين في طرح الأسئلة على جميع المرشحين لعضوية هيئة المحلفين، في عملية ندعوها باستجواب الأهلية. حين تجيبون عن هذه الأسئلة، ستكونون تحت القَسَم بقول الحقيقة، الحقيقة وحدها، ولا شيء غير الحقيقة، تحت طائلة عقوبة شهادة الزور. سنقارن إجاباتكم باستمارات استبيان المحلفين، ولن نتردد في التحقق إن ظننا أن أحداً عدّل إجابة ما".

قال: "بعد انتهاء الاستجواب، يحق لكل طرف استبعاد ثلاثة منكم. إضافة إلى ذلك، وفي أي وقت خلال عملية الاختيار، يحق لي استبعاد أي منكم لسبب قانوني موجِب. يعني هذا، بناءً على إجاباتكم ووقائع هذه القضية بالذات، أنني أرى شخصياً صعوبة في التزامكم الحياد. اطمئنوا، ليس في الاستبعاد عار؛ بل يعني فحسب أن هذه القضية ليست من نصيبكم لتسمعوها. أرجو ألا تشعروا بأي استياء تجاه أي سؤال يُطرح عليكم، مهما كانت طبيعته. مع احترامنا التام لحقوقكم في الخصوصية، هناك أمور يجب على المحكمة معرفتها: أنتم كأشخاص، والحياة التي عشتوها، وآراؤكم، وما شابه ذلك. أي من هذه الأمور، أو كلها، قد تؤثر في قدرتكم على الخدمة في هذه الهيئة".

بدأت همهمة خفيفة تسري في قاعة الجمهور مع حديث القاضي، لكنها هدأت تماماً قبل أن يفرغ من كلامه.

قال: "أولاً: إذا كان أي منكم على معرفة شخصية بالمدعية، السيدة بانكس، فليرفع يده".

لم ترتفع أي يد.

قال القاضي فريدمان، وهو يقلب صفحات دفتر ملاحظاته ويستل ورقة من الغلاف الداخلي: "إذن، أُتابِع مجموعة الأسئلة التالية. بناءً على وقائع هذه القضية، اتفق المدعي والمدعى عليهم على بضع أسئلة عامة يريدون طرحها على الجميع قبل الانتقال إلى الاستجواب الفردي لبقية الأسئلة. تحدد هذه الأسئلة مصادر التحيز الأكثر احتمالاً، والتي نرغب في استئصالها قبل المضي قدماً. هل لدى أحد استفسار بخصوص هذه العملية، أم أننا جاهزون للمتابعة؟"

رفعت امرأة في قاعة الجمهور يدها، فأشار إليها القاضي بالحديث. وقفت أولاً، ثم تنحنحت وسألت:

"ماذا إن لم نكن متأكدين من كيفية الإجابة عن السؤال؟"

أوضح القاضي قائلاً: "ستكون جميع الأسئلة بصيغة نعم أو لا. إن لم تكن متأكدًا أإجابتك نعم أم لا، فارفع يدك معلناً النعم بغض النظر عن الشك. نفضل في هذه الظروف وقوع خطأ إيجابي على تفويت خطأ سلبي. هل أجبت عن سؤالك؟"

قالت: "نعم يا سيادة القاضي".

ثم جلست، وتنحنح القاضي.

قال: "حسنًا، لنبدأ. السؤال الأول: الرجاء رفع اليد لمن يقيم حالياً في مسكن مدعوم الإيجار أو مدعوم حكومياً، باستثناء مساكن العسكريين".

رفعت ثلاثة أيدي. ومما لم يكن مفاجئاً، لم يكن أي منهم أبيض البشرة.

قال القاضي فريدمان: "أيتها السيدة والسادة، أنتم مستبعدون من هيئة المحلفين. شكراً لمنحكم وقتكم للمحكمة هذا الصباح، مهما كان قصيراً".

لم يضيع الثلاثة وقتاً في المغادرة، وتقلص عدد الحضور في القاعة إلى ستة وثلاثين محلفاً محتملاً.

تابع القاضي: "ننتقل إلى التالي. الرجاء رفع اليد لمن تقاضى إيجاراً في أي مرحلة بوصفه جزءاً من دخله".

ارتفعت يدان أخريان، واستبعدهما القاضي فوراً هو الآخر.

"الرجاء رفع اليد لمن سبق له مقاضاة مالك عقاره، في الماضي أو الحاضر، لأي سبب عدا عدم رد تأمين الإيجار".

علت ضحكات خافتة في القاعة عند سماع ذلك، وارتفعت أربع أيدي أخرى.

قال: "شكراً لصدقكم، أنتم مستبعدون".

انتظر القاضي حتى غادروا القاعة، ثم استأنف: "الرجاء رفع اليد لمن سبق له فقدان منزله بسبب حريق أو فيضانات أو زلزال أو أي حدث مشابه".

لم ترتفع أي يد هذه المرة.

"أخيراً وليس آخراً، الرجاء رفع اليد لمن يعمل في إنفاذ القانون أو خدمات الطوارئ، مثل مكافحة الحرائق أو الإسعاف الطبي".

ارتفعت ست أيدي. صرفهم القاضي فوراً، ليتبقى لدينا إجمالي أربعة وعشرين محلفاً محتملاً للاستجواب.

بدأ القاضي حديثه قائلاً: "حسناً، بصراحة، هذا العدد أكبر مما توقعت".

ترددت بضع ضحكات طيبة النوايا، وتركهم القاضي فريدمان حتى خفتت أصواتهم قبل أن يشير إلى الحاجب. تقدم الأخير في الممر نحو مؤخرة القاعة، واتخذ موقعه عند الأبواب.

قال: "لبقية عملية اختيار المحلفين، سننادي عليكم فرادى. الرجاء اتباع الحاجب إلى غرفة الانتظار، والتأكد من تجهيز أرقامكم".

وقف المحلفون بالهيئة غير المنظمة المتوقعة من أشخاص يتدافعون لاحتلال مواقع في مساحة ضيقة، وغادروا القاعة في غضون دقيقتين صاخبتين. لم يبقَ في القاعة سوى المسكين كيسي، طالب السنة الثالثة في الحقوق، ولفت ذلك انتباه القاضي.

قال القاضي فريدمان: "أيها الشاب، لقد غادر باقي المحلفين".

قلت وأنا أقف: "في الواقع يا سيادة القاضي، السيد ألين معنا. إنه طالب قانون متدرب في مكتبنا، وأردت ضمان حصوله على تجربة أجواء المحكمة قبل التخرج. سنحضره أمام منصة المحكمة فور انتهاء اختيار المحلفين، لكنني أردت أن يرى كيف تبدو عملية الاختيار من الخارج قبل أن يرى هذا الجانب من الأمور".

"وهل تحمل الأوراق الخاصة بذلك؟"

"نعم يا سيادة القاضي. أأستطيع التقدم؟"

"مقبول".

سحبت بضع أوراق من ملف قضاياي وتقدمت نحو المنصة، فناولتُها للقاضي بابتسامة.

قال: "يبدو... أن كل شيء على ما يرام"، ثم التفت نحو حيث تجلس كيسي في مؤخرة القاعة.

"يا له من إنجاز عظيم بين يديك أيها الشاب. أحسن استغلاله، أتسمع؟"

هتف كيسي: "ح-حاضر يا سيدي!"، واقفاً بانتباه شديد في مؤخرة القاعة.

قال القاضي فريدمان وهو يضع الأوراق بعيداً خلف المكتب ويلوح لي بالعودة إلى طاولة الدفاع: "ممتاز. الحاكم مايك لديه قائمة بمن تبقى من المحلفين المحتملين، لذا سأمنحكم ثلاثين دقيقة قبل أن أبدأ في استدعائهم. أمتفقون؟"

تداول محامو الدفاع الجالسون على الطاولة نظراتهم، وتمتموا بكلمات متبادلة، ثم أومأوا. أومأت بدوري للقاضي، ثم نظرت إلى مؤخرة القاعة وأشرت لكيسي كي ينضم إلينا.

بدا مندهشاً بوضوح، قبل أن يشير إلى نفسه كمن يقول: "أنا، ماذا؟".

أدارت عيني وطلبت منه الاقتراب بحركة أشد إصراراً هذه المرة.

أشرقت عينا طالب السنة النهائية كطفل دخل متجراً للحلويات. كان حماسه وطاقته معديين حقاً، وسرعان ما شاركتنا موكلتنا نفسها في تفحص استبيانات المحلفين.

لم يكن لدينا سوى نصف ساعة للتحضيرات الأخيرة على أي حال. فلنستغلها جيداً إذن.