كلما أمضت أزولا وقتا أطول مع شينغ اضطرت إلى الاعتراف بأنه رجل يستحق الاحترام بجلاء. نازلته وخسرت أمامه مرتين أخريين ورغم وضوح أنها تتأقلم مع أسلوب قتاله كان جلياً بالقدر نفسه وجود هوة سحيقة تفصل بينهما. لم تعبأ أزولا بوصف تسديده للنار بالقبيح أو غير اللائق. فقد أتى أثره وكان شديد الفعالية. مهما حاولت التعلم بمراقبته عجزت أزولا عن التحرك أو التفكير بالسرعة الكافية لرد الفعل. صحيح أنها وجهت بعض الضربات غير أنها لم تردعه عن إيقاف قبضته على بعد بوصة من وجهها أو تفجير حفرة أخرى جوار عنقها مباشرة. دريا معاً أنه لو كان صراع أهني حقيقياً لخرج شينغ ممشياً على ساقيه وحده. عجزت طاقة النار التي عرفتها وسادتها وجل الناس عن مجاراة طاقة شينغ متى اقترب. كان الأمر مثار إعجاب رؤية كيف يوجّه تلك النيران الضارية من دون الحركات المنسابة أو الدائرية المعتادة لضبط طاقة تشي وإطلاقها. حاولت أزولا محاكاة ما يفعله غير أنها لم تبلغ سوى ألسنة اللهب الواهنة المعتادة للكمات النار. بدا محبطاً أن طاقة شينغ تخصه وحده على ما يبدو. أقر ضباطه بأن أحداً غيره عجز عما بلغ دون أن يعني ذلك خلو حركاته من فائدة تجعل تبنيها واجباً إلى حد ما. الواقع أن مراقبة الجنود الجدد وهم يدربون على معايير الفوج الحادي عشر - الفوج الحادي عشر التابع لها - بدت بالغة الإثارة. مارس مقاتلو النار وعديمو الطاقة شكلاً من أشكال قتال شينغ القائم على ارتطام القبضات والمرفقين والركاب وغيرها من أعضاء الجسد بأعمدة خشبية. كان الرجال والنساء يحطمون أنفسهم ماديّاً على تلك الأعمدة لساعة أو ساعتين. شرح القائد كاي بنبرة مفيدة وإن شابها شيء من التعالي: "الأمر لصلابتهم في وجه محركي الأرض. إن اقتربنا بشدة عجزوا عن قذف الصخور بيسر ما لم يبالوا بإصابة رفاقهم. لكنهم ينجحون أحياناً في رفع جدار أرضي... قليل المتانة غالباً لكنه يكفي للعرقلة. نأمل أن يتمكن جنودنا الأجدد بعد الفراغ من هنا من اختراق الصخور والتراب بلا بكاء على أمهاتهم". قالت: "كم يستغرق هذا؟" قطب القائد جبينه ههنا برهة للتفكير قبل أن يهز كتفيه. "إلى أن يكسروا الأعمدة في غضون دقائق معدودات. طلب تحطيم الصخور أمر غير واقعي بالطبع". أضاف القائد ويكونغ بحماس واضح: "أجل، تلك مهمة محركي النار. سيبدأون ذلك التدريب خلال أسبوع على أمل لكننا سنقيم أكواماً من الصخور المرصوصة بالملاط وسيعمل محركو النار لدينا على تحطيمها مستخدمين هذا الشكل من إطلاق النار". لم تستطع الأميرة إلا الابتسام حيال ذلك. قالت: "أتطلع إلى معاينة هذا بنفسي". قال القائد رين مبتسماً ابتسامة ارتابت منها أزولا: "أنا واثق من أن الكولونيل يسره تعليمكِ يا سمو الأمير". لكنها فكرة صديدقة حقاً... هكذا سحبت أزولا شينغ لاحقاً ليدخلها في التدريب ذاته الذي يخضع له جنوده. للأسف سمع شقيقها بالخبر فالتحق بهما بدوره. تسبب هذا بإزعاج طفيف لكن كان عليها احترام محاولة شقيقها لتطوير نفسه ولو بحدود ضئيلة ولو كرهاً. رغم ممانعته كان شينغ معلماً ممتازاً. قياساً على المعلمين البلداء في القصر ممن يرددون ما قرأوه من اللفائف لم يعبأ الكولونيل كثيراً بالوقفات السليمة وفضل بدلاً من ذلك شرح سبب وجوب الالتفاف مع اللكمة الصاعدة أو ضرورة كساح الركلة بطريقة معينة. شرح قائلاً: "تذكروا يا سمويكم أن هذه الطريقة صُنعت استجابةً لقتال محركي الأرض. لذا ينصب التركيز على السرعة وسرعة البديهة فضلاً عن الاقتراب المزعج. علينا أخذ المبادرة وإجبار العدو على دفاع متسرع". لاحظت الأميرة أن هذا التركيز على السرعة عن قرب أسلوب ينجح بامتياز مع محركي النار كذلك. اعتمدت طاقة النار التقليدية غالباً على استخدام النيران لمد مدى الوصول ومثل طاقة الأرض لم تملك حلولاً عملية تذكر لقتال التحام لصيق بلا فكاك. اتسمت الحركات التي علمها لهما شينغ ببراغماتية قاسية. كانت هناك ضربات بالمرفق والركب يفترض شحنها بالنيران عند الارتطام فحسب وهجمات تستهدف مواطن الضعف المختلفة لتعظيم الضرر. سيستغرق إدماج طاقة النار في الحركات وقتاً لكن أزولا تعلمت سريعاً المقاربات المختلفة لكسر المعاصم والكاحل وتوجيه ضربات مشلّلة للعينين والعنق والأربية. بمعاونة بعض المتطوعين تعلمت هي وزوكو أيضاً كيفية إبقاء خصوم كثر مشغولين وقهرهم في النهاية وغالباً عبر اتخاذ أحدهم درعاً. عرض شينغ كذلك كيفية استخدام ستارة من النيران لإلهاء العدو وتركه مكشوفاً لمناورة التفافية وهو أمر عهدته أزولا مسبقاً في نزالاتها السابقة معه. كان مذهلاً ما يحققه المرء بمجرد ومضة نارية قصيرة في مساحة واسعة. يفترض أن الجنود يستغلون تلك المشتتات للإعانة في عزل مجموعات تشكيلات مملكة الأرض. وبينما كانت أزولا تمتص العلم من الكولونيل بنهم اضطرت للاعتراف بأن شقيقها يبلي بلاء حسناً في مجاراتها. قد تتخلف طاقة ناره ورائه غير أن طاقة النار هنا في ساحات تدريب الفوج الحادي عشر تعد ثانوية وتبنى زوكو حركات شينغ بالسرعة التي فعلتها تقريباً. تقريباً. ظلت تهزمه بانتظام في نزالاتهما وإن بدا الأمر متقارباً أكثر مقارنة بقتالهما بالنيران على نحو طبيعي. مع ذلك كان مدهشاً القدرة على زرع هكذا معارف ترفع من شأن مقاتلين فقراء كشقيقها إلى هذه الدرجة من الكفاءة. وأقر ضباط الفوج الحادي عشر أجمعين بأن شينغ هو مبتكر ذلك رغم ما قد يبديه من رغبة في الاعتراض (لسبب غامض) ولم يفعلو سوى إعانته في صقل التقنيات. كل ما يتعلمه جنود الفوج الحادي عشر الجدد كان نتاج عقل صبي أصغر من سن التجنيد بأشواط. تحولت أفكارها في محاولة التغلب عليه إلى رغبة في نهل المزيد منه. لذا أبقت عينيها مسمرتين عليه محاولة سبر أغوار القائد اليتيم. ركزت أزولا لدروسها حالياً. ومعلمها. باتت تفك لغز لغة جسده ببطء. كابتسامة شبحية يمنحها لضباطه أو إيماءات رضاً بدرجات متفاوتة حين يوفق أزولا أو زوكو في كشف الحركات الخفية لتقارير معركته. إحساسها بهزة من... شيء ما كلما تأملته كان مقلقاً لكنه أمر طفيف يمكن إمعان النظر فيه وقت فراغها. ثمة ما يسترعي الاهتمام بأولوية أكبر مثل التأقلم مع أسلوب قتال شينغ وفهم المعارك القديمة التي خاضها الفوج. وإثبات تفوقها على شقيقها في تلك الميادين أيضاً بطبيعة الحال. لم يضرها عدم ممانعتها الاكتواء بمديح شينغ الحقيقي الذي يقطره كلما أتت ما يستحسنه. كان الحماس الغريب لتلقي إقراره لطيفاً... ربما الطف مما ينبغي. لكن مقارنة بالكلمات التملقية الفارغة من البلاط أو تلك المتعالية من كبار الجنرالات لم يضر طلب ثناء حقيقي لمرة. ***** واقع الأمر أن إيجازات الكولونيل شينغ بدت ممتعة وبعيدة عن كونها عبئاً حتى مع حاجة أزولا المستمرة للاستعراض. وجد زوكو القائد الشان محترماً لدرجة تقرب من المبالغة ولسبب ما أثار هذا حنق شقيقته غاية الحنق. اتسم شينغ بالإيجاز في شرح استراتيجيات الفوج الحادي عشر ووجد الأمير نفسه يتعلم الكثير بشأن طرائق خوض الحرب المختلفة. ركّز الكولونيل ليداي على معارك الحشود التقليدية مفضلاً إجبار تشكيلات مملكة الأرض على الدفاع وتقطيع أواصرها إلى مجموعات معزولة يسهل التعامل معها أو سحقها عبر ميسرة مكشوفة. كان الأمر معتاداً لولا التركيز على تفضيل حياة جنوده على نصر سريع. غدت تكتيكاتهما شديدة الخروج عن المألوف حين وُضعت... اقتراحات شينغ موضع التنفيذ. تظاهروا بالانسحاب لاستدراج جيوش مملكة الأرض إلى مناطق القتل وقهروا جيوشاً أكبر بالانقضاض على خطوط إمدادهم وفرق البحث عن المؤونة. في مناسبتين شرحهما شينغ حتى الآن استدرج الفوج الحادي عشر العدو نحو مطاردة لم تسفر إلا عن ضرب عنصر ثان للمؤخرة والقضاء على قائد العدو. شرع الفوج الحادي عشر كذلك في تبني تكتيكات أشد قذارة كالغارات الليلية على معسكرات العدو لأسر الإمدادات أو إحراقها. وغالباً ما استُخدمت تلك الغارات ذاتها لاغتيال قائد العدو أو ضباطه على الأقل. وفي إحدى الحالات اختطاف جنرال العدو قبل الانسحاب وترك الخصم يتهاوى. حسبما أدرك زوكو حتى الآن اعتمدت خطط الفوج الحادي عشر بشدة على جمع معلومات دقيقة عن عدو غافل. لذا لم يكن مفاجئاً تمسك كشافة الكتيبة بمعايير صارمة وتقاضيهم أجراً يضاهي أجور الضباط تقريباً. ظهرت أسلحة مرتجلة أيضاً كجرار طينية تحوي روثاً قابلاً للاشتعال لحيوانات وحيد القرن الموكود وثيران التنين. أطلقت تلك الأشياء دخاناً خانقاً لدى احتراقها وقذفها على تشكيلات العدو وما لم يسرع محركو الأرض بدفن النيران كانت الأدخنة بليغة الحدة لدرجة تجبر الوحدات على مغادرة مواقعها. قالت أزولا يوماً وهي تقطب حاجبيها: "أندهش لعدم وصول أي من هذه المعارف إلى هنا. إن ثبتت فعالية كل هذا ينبغي لنا حمل باقي جيوشنا على تبنيه أيضاً". جاء رد شينغ شديد البساطة. "للأسف تنجح تكتيكاتنا تحديداً لعدم لجوء غيرنا إليها. تتطلب أغلب تلك التكتيكات والاستراتيجيات عنصراً قوياً من المفاجأة لتؤتي أكلها. ولهذا نحرص أيضاً على ألا نكرر استخدامها مراراً وتكراراً؛ فهذا يمنح جنرالات العدو فرصة أقل لدراسة ما فعلناه وابتكار صدّ له. باستثناء الغارات الليلية بالطبع". أومأ زوكو فهماً حينها لكن شقيقته كان لها رأي سديد. "ألا يستفيد جيش أمة النار من تبني هجماتك الليلية على الأقل؟" هز الكولونيل كتفيه بلامبالاة. "يعتمد ذلك على العقائد والتوجهات الشخصية. أعلم أن الكولونيلين شو ويانشن حققا فائدة منها لكن الكولونيل داو مثلاً يفضل مواجهة العدو وجهاً لوجه". ومضت تكشيرة استياء على وجهه. "لأسباب تتعلق بالمجد والأوسمة". سلمت أزولا قائلة: "حسناً، ثمة اعتبار كهذا"، رغم أن نظرة شينغ التي حاول إخفاءها أوحت بأنه يعد أمجاد المعارك مفهوماً مقززاً. لاحظت هي الأخرى ووجهت إليه نظرة متطلبة. "ظننتك أنت بالذات ترى المجد جداً جديراً بالسعي ورائه يا شينغ. نظراً لترقيتك". أدرك زوكو فوراً خطأ ما قال حين أبصر الغضب البارد في عيوني شينغ. توتر الشقيقان الملكيان معاً إزاء هذا التغير المباغت في المشاعر. بث شينغ بغضب: "لم أسع لتلك الرتبة. المجد هو ما دفع المنافسين الحسودين لنجاح الكولونيل ليداي إلى نبذه. المجد هو ما أدى بالجنرال شيلوو إلى إزهاق مئات الأرواح بعمى". هدأ الصبي فجأة وقدم انحناءة اعتذار. "أعتذر يا سمويكم... هذا الموضوع... مسألة حساسة بالنسبة لي". لحسن الحظ بدت أزولا مستمتعة أكثر من منزعجة فلوحت بالأمر عرضاً. ظن زوكو أنه تخيل مسحة لون في وجنتي شقيقته لكنه لاحظ بلا شك ابتسامتها الماكرة. "لا بأس يا شينغ. أعتقد أن سلبيات المجد أمر يجدر بنا النظر فيه مستقبلاً..." سأل زوكو متجاهلاً نظرة شقيقته المحنق لسبقه إياها بالسؤال: "ما الذي تنشده في النصر إذن؟" توقف الكولونيل شينغ لبرهة يفكر قبل الرد. "نصراً يحفظ أكبر قدر من أرواح رجالي تماماً كما نادى الكولونيل ليداي. كلما قلّت الخسائر التي نتكبدها اعتبرت النصر أعظم". التزم الشقيقان الصمت تاركين شينغ ليستفيض. غير أن زوكو لاحظ نظرة شقيقته الناقدة. "البشر مورد يتطلب استثماراً باهظاً. إهدارهم بلا مبالاة في سبيل أمر... مجرد كالمجد هو... إسراف. كل رامي رماح ومحرك نار يبقى سليماً بنهاية المعركة هو عنصر إضافي يمكن الزج به فوراً في القتال التالي". ابتسم القائد الشاب لتبادر فكرة إلى ذهنه على ما يبدو. "علاوة على ذلك ينبغي أن يشكل هذا دليلاً على الكفاءة والانضباط أليس كذلك؟ أن تكون كفؤاً بما يكفي لإعادة العدو خاسئاً بلا تكبد الخسائر التي يعاني منها الجميع. أن تنتزع انتصارات مؤكدة بلا إهدار لأرواح أمة النار. إن تعين علي تجويع أعدائي أو تسميمهم حتى الاستسلام عوض مناجزتهم فعلت. وإن كان اغتيال قادتهم يكسر إرادتهم القتالية فسأقود عن جدارة فرق الموت لشق حناجرهم وهم نائمون". بدت أزولا معجبة بهذا بينما منح المنظور المختلف انتعاشاً حقيقياً لزوكو رغم كشفه لجانب شينغ الأشد قسوة. النظر إلى الأرواح كمقياس للكفاءة ومورد أيضاً. لم يتحدث بهذا أحد في مجلس الحرب ولا حتى العم آيروه إن وُجد حديث أصلاً. إنه لأمر مؤسف غياب شينغ لإعانة الدفاع حين جأر زوكو بالاعتراض ضد الجنرال بوتجين.
فايرد فايير (أتلا) الفصل 8
اقرأ فايرد فايير (أتلا) الفصل 8 باللغة العربية على مانجا تايم.