أخذ فانغ تشينغ موقع قرية زو جيا من لي مينغ هاي ثم غادر يامين وغير مظهره ليعود إلى هيئته التنكرية.
وما إن خرج من بوابة يامين وهمَّ بالطيران في الهواء حتى اقترب منه فجأة عجوز بزي مزارع وسد عليه طريقه وسأله بصوت خفيض: "أيها الشاب، تبدو غريباً هنا. أأنت عون جديد في يامين؟"
"لا، أنا مجرد عابر سبيل."
لوح فانغ تشينغ بيده.
ضحك العجوز خفيفاً وقال: "ظننت ذلك. بتلك الميئة أنت من خارج المدينة، أتبحث عن عمل في مدينة جي شوي؟"
تأمل فانغ تشينغ العجوز بشيء من الريبة. ثمة ما لم يكن مريحاً في هذا الرجل.
"ألن تعرض علي سبائك ذهبية؟"
فوجئ العجوز وقال: "لم أقل شيئاً بعد. كيف عرفت؟ أاقترب منك أحد من قبل؟ أيها الشاب، لا تذهب معهم. تعال معي وسأمنحك سبيكتي ذهب إضافيتين. هذا اثنتا عشرة سبيكة بالمجمل. تكفيك لتنعم بالطعام والكساء طيلة حياتك. بل يمكنك الزواج وإنجاب طفل سمين..."
استرسل العجوز في الحديث مستخرجاً سبيكة ذهبية لامعة من ثيابه ولوح بها أمام فانغ تشينغ. أومأ فانغ تشينغ لنفسه. هذا العجوز أُرسل قطعاً من قرية زو جيا. ممتاز. يمكنه التظاهر بأنه مجند جلبه هذا العجوز والتسلل إلى قرية زو جيا واستطلاع الوضع والانتظار حتى يعود ممارسو الشر أجمعون ليقضي عليهم دفعة واحدة.
هكذا أومأ فانغ تشينغ وأخذ السبيكة الذهبية من العجوز وقال: "خذني إلى هناك سريعاً. أنا أعشق السبائك الذهبية. إنها سبائك ذهبية شهية. تكفي مجرد التفكير بها ليسيل لعابي. أنا أسكر برائحتها. هاها، ششلوف".
ولما رأى أن فانغ تشينغ وافق أشرق وجه العجوز فرحاً.
ثم استرد السبيكة الذهبية من فانغ تشينغ وقال: "هذه السبيكة الذهبية لي. وسبائكك لا تزال عند الوكيل ذي الرتبة الأولى. هيا، اتبعني لتأخذها..."
"انتظر، ما هو الوكيل ذو الرتبة الأولى؟"
حك فانغ تشينغ رأسه.
أوضح العجوز قائلاً: "الوكيل ذو الرتبة الأولى هو رئيسي المباشر. الاسم الكامل هو وكيل رتبة أولى لاستقطاب المواهب وتوزيع السبائك الذهبية. أما أنا فوكيل رتبة ثانية. عن كل شخص أجلبه أحصل على أربع سبائك ذهبية إضافية. أيها الشاب، أنا أحدثك بصدق تام. سنقتسم السبائك الإضافية مناصفة. ألديك أقارب أو أصدقاء يمكنك جلبهم أيضاً؟"
تظاهر فانغ تشينغ بأنه فهم الأمر.
"أهكذا إذن، تريد جعلي وكيل رتبة ثالثة. آسف، لكن أقاربي جميعهم أموات. ولدي بضع أصدقاء لكنهم ليسوا هنا."
بدا على العجوز خيبة الأمل. وإذ رأى الوقت يداهم لم يكلف نفسه عناء البحث عن مجندين آخرين في المدينة. بل أمسك بفانغ تشينغ واتجه غرباً. وفي الطريق تعارفا. كان لقب العجوز زو وكان الابن السادس في أسرته لذا دعاه الناس زو السادس العجوز. وبحسب الأقدمية جاز لفانغ تشينغ مناداته بالأخ السادس. لم يذكر فانغ تشينغ اسمه الحقيقي بل اكتفى بالقول إنه الابن الثاني في عائلته ليتمكن الأخ السادس من مناداته بالثاني.
بعد ساعة وصلا إلى الضواحي الشرقية لمدينة جي شوي. كانت ثلاث أو أربع عربات تجرها الثيران مصطفة جانب الطريق. جلس بضع عشرة مزارعاً على العربات فبعضهم استلقى وبعضهم استند إلى الوراء. وكان نفر منهم يتناولون الحصص المجففة ويتبادلون أطراف الحديث بينما يدخن بعضهم الغليون ويجلس آخرون في دائرة يلعبون الورق. وقف رجل في منتصف العمر قرب العربة الأمامية وكان في نحو الأربعين وبوجه ملتحٍ كثيف.
لمح فانغ تشينغ الرجل عن بعد ورأى أنه ممارس من مرتبة منخفضة. فقمع هالته سريعاً وتظاهر بأنه شخص عادي. لم يكن الرجل الملتحي ماهراً بما يكفي ولم يلاحظ أن فانغ تشينغ ممارس.
ولما رأى أن زو السادس العجوز قد جلب أحدهم تقدم نحوه فوراً وقال بحرارة: "يا أخ سادس، عمل ممتاز."
أشار زو السادس نحو فانغ تشينغ وقال للرجل الملتحي: "أيها الوكيل ذو الرتبة الأولى، هذا هو المجند الذي جلبت. احرص على تسجيله."
ضحك الرجل الملتحي وربت على ذراع زو السادس.
"لا تقلق، كل شيء مسجل. لن تنقص سبيكة واحدة."
ابتسم زو السادس برضى وأشار إلى فانغ تشينغ.
"هذا الشاب قادم من خارج المدينة ولقبه فانغ وهو الثاني في أسرته."
أومأ الرجل الملتحي برأسه وأخرج سبيكة ذهبية من ثيابه ووضعها في يد فانغ تشينغ.
"أيها الأخ فانغ، طالما أنك ستعود معي إلى قرية زو جيا فأنا أضمن حصولك على التسع سبائك الباقية دون أن تنقص سبيكة واحدة."
أمسك فانغ تشينغ السبيكة الذهبية بيديه مظهراً علامات السرور.
"نعم، نعم. سألتصق بك تماماً أيها الوكيل ذو الرتبة الأولى. هاها، أنت تفوح برائحة أزكى حتى من السبائك الذهبية. شهية، شهية حقاً... ششلوف... هس، هس، هس."
لم يلحظ الرجل الملتحي أي غرابة في فانغ تشينغ.
فقط ربت على كتف فانغ تشينغ بابتسامة وقال: "جيد. أيها الأخ فانغ، اذهب مع الأخ السادس واصعد إلى العربة. ستتاح لنا فرصة للحديث لاحقاً."
أومأ فانغ تشينغ برأسه وتبع زو السادس إلى عربة ثيران. كانت العربة قديمة لكن متينة وقد فُرش حصير من القش فوق ألواحها الخشبية. بدا الجلوس عليها مزعجاً للوهلة الأولى لكنه صار مريحاً بشكل مدهش بعد قليل. تلكم هي روعة جسد الإنسان؛ إذ بمقدوره تحويل الانزعاج إلى متسة. جلس عجوز في نحو الخامسة والأربعين متربعاً على العربة ومستريحاً مغمض العينين. كان ذلك تشاو الثامن العجوز ومن قرية زو جيا مثل زو السادس.
وحين سمع الجلبة فتح تشاو الثامن عينيه. ولما رأى أن زو السادس جلب غريباً بدت عليه نظرة حسد.
"يا أخ سادس، لا أصدق أن الحظ حالفك."
ضحك زو السادس وقال: "ماذا عساي أقول؟ لقد حالفني الحظ. ظن الجميع أن مدينة جي شوي الأقرب إلى قرية زو جيا قد أُفرغت من أهلها تماماً. هاها، لم أظن أنه بقي شخص واحد."
ولما رأى زو السادس يتباهى أطلق تشاو الثامن سخرية من أنفه.
"حظي التعيس. كلانا سيء الحظ. كلانا من قرية زو جيا وإخوة من العشيرة ذاتها ولكننا الآن نعجز حتى عن نيل منصب وكيل رتبة أولى ناهيك عن وكيل عام."
"لا مفر من ذلك. لقد غادرنا القرية مبكرراً لنبحث عن عمل في المدينة."
هز زو السادس كتفيه بعجز.
"أولئك الذين مكثوا في القرية لابد أنهم يسبحون في الثروة الآن. ربما يملكون أقبية مليئة بالسبائك الذهبية."
"صحيح."
أومأ تشاو الثامن موافقاً.
"هؤلاء المقيمون في القرية يستلقون ليأكلوا ويشربوا ويضمنوا حياتهم للأبد. ولا حاجة بهم لأن يكونوا وكلاء عامين أيضاً."
ساورت زو السادس فكرة مفاجئة.
"هي، عندما نعود إلى القرية، ما رأيك لو طلبنا من أولئك المقيمين أن يتوسطوا لنا لدى زعيم الجمعية؟ لنرتقي إلى رتبة وكلاء عامين. ما رأيك؟"
أشرق وجه تشاو الثامن حماسة. وفرك يديه بعضهما ببعض.
"هذه فكرة ليست سيئة! لقد أمضينا عقوداً في تلك القرية أيضاً. وحتى لو لم تكن لنا إنجازات عظيمة فلدينا عمل شاق. ينبغي أن يعتنوا بنا..."
أنصت فانغ تشينغ لحديثهما ولم يستطع منع نفسه من الضحكة.
"يبدو أنكما لم تعودا إلى القرية بعد؟"
سخر تشاو الثامن قائلاً: "لو عدت مبكراً هل كنت لأجلس على العربة ذاتها معك؟"
"هي، يا أخ ثامن، انتبه لطريقة كلامك. الثاني هنا هو مجندي. وسيعمل معنا من الآن فصاعداً. كن مهذباً."
توسط زو السادس ضاحكاً. نقر تشاو الثامن لسانه لكنه لم يقل شيئاً آخر.
التفت زو السادس إلى فانغ تشينغ مبتسماً وأوضح له: "الثامن رجل صريح لكن نيته طيبة. فلا تأخذ الأمر على محمل شخصي. التزم معنا وسنحصل لك على منصب وكيل رتبة أولى يوماً ما..."
هز فانغ تشinغ رأسه دون أن يجيب. وحدث نفسه قائلاً: أولئك المقيمون في قرية زو جيا ماتوا منذ زمن طويل وأكلهم ممارسو جمعية المساعدة الذاتية حتى آخر قطعة ولم ينجُ منهم أحد على قيد الحياة.
ولما رأى زو السادس فانغ تشينغ يهز رأسه ظن أنه لا يصدقه فأردف قائلاً: "يا ثاني، لا تستهن بي. يختلف وضعي عن الثامن. فقد انتقل هو للعيش خارجاً بعد أن تزوج. أما عائلتي فمكثت في قرية زو جيا لثلاثة أجيال. وأجدادنا هاجروا إلى هنا من سلالة تشنغ العظيمة. ويقال إننا ننحدر من العائلة المالكة لسلالة تشنغ العظيمة. وهذا يجعلنا ملوكاُ بأنفسنا."
شعر تشاو الثامن أن ثمة خطباً ما. كان زو السادس يحاول رفع شأنه فوق الثامن في تراتبية القرية. وهذا ما لا يصح. فهو بحاجة إلى أقدميته تلك لنيل منصب الوكيل العام.
لذا رد عليه مسرعاً: "يا أخ سادس، أنت تهذي. إن كان كونك من عائلة زو يجعلك من أملوك سلالة تشنغ العظيمة فإن كوني من عائلة تشاو يجعلني قريباً للعائلة المالكة لسلالة لي العظيمة."
أجاب زو السادس: "من يدري؟ قد تكتشف إن تفحصت شجرة عائلتك لثمانية عشر جيلاً مضت أنك قريب حقاً للعائلة المالكة لسلالة لي العظيمة."
ضحك تشاو الثامن بسخرية.
"لو عدنا ألف جیل للوراء لوجدنا أن أجدادنا البدائيين كانوا إخوة أيضاً يعيشون في القبيلة ذاتها وينامون مع المرأة ذاتها ويربون أطفالهم معاً."
"يا أخ ثامن، إن واصلت الجدال هكذا فلن يكون بيننا ما نقوله."
بدا زو السادس عاجزاً عن الكلام بعض الشيء.
فالتفت إلى فانغ تشينغ بدلاً منه وقال: "يا ثاني، حتى إن لم نتحدث عن الأنساب فقد أنجبت قرية زو جيا شخصيات شهيرة في السنوات الأخيرة. أنت تعرف زو يوه تشانغ أليس كذلك؟ ملك مدينة زهرة بيضاء السابق. أنا قريب له. وحين كان طفلاً صغيراً ساعدته حتى على التبول. هاها، أظن أن هذا يعني أنني لمست بعض الطاقة السماوية. آه، لقد كان سيدنا زو دائماً سميناً ولطيفاً..."