أتاذى فانغ تشينغ للعدالة مرّة أخرى، وإن شاب شعورُه شيءٌ من الغرابة. لكنَّ ذلك لم يمنعه من الشعور بالفرح والفخر. ابتلع بلّورة سماوية من الدرجة الدنيا وأخذ يتنشّق رائحة الدم بشراهة. أعادته تلك الرائحة الزكية والمُسكرة إلى أيام طفولته في استمتاع بالبطاطا الحلوة المشوية. لا شيء يضاهي بطاطا مشوية في السرّ. رائحتها تخطف الأنفاس، وهي طريّة وناعمة تماماً. هاها، اكاد ألمس رائحتها.
أين ذهبت؟ احمرّت عيناه، ومزق الجلد الشاحب لثمرة البطاطا السمينة أمامه ليذوق لبّها الأحمر الساخن الذي تدلّى على الأرض. كلا، لم يكن الطعم صحيحاً. لقد نضجت أكثر من اللازم. بحث في كل مكان. دفع الباب وتوجه نحو شجرة الشاي العطرة مستنشقاً بعناية. يا للأسف. لم يكن تحت شجرة الشاي سوى قشور بطاطا طريّة بلا لبّ. دار حول المنزل إلى الفناء الخلفي. كان المكان بأسره غارقاً في تلك الرائحة الحلوة المُسيلَة للُّعاب.
أكاد أموت جوعاً لأكلها، لكنني لا أجدها. أين تختبئ؟ أين، أين؟ تُفّ، اخرجي الآن! اعتصر الألم قلبه بلا رحمة. انحنى محفوراً التربة بيديه، تماماً كما كان يفعل آنذاك حين حفر جذور البطاطا بينما كان شياو مينغ يراقب من الطرف الآخر للحقل. —أسرع يا فانغ. أرى أحداً يقترب. —قريبُ الانتهاء. اعطني دقيقتين أُخريين. التربة صلبة. كان يجدر بي إحضار معول. —أأنت غبي؟ إن حملت معولاً فسيجفل الجميع لعلمهم بسرقتنا للبطاطا.
استعمل يديك فحسب. —هاها، معك حقّ يا شياو مينغ. أنت ذكي للغاية. يا للأسف لأنك متّ. ضحك فانغ تشينغ وهو يتعمّق في الحفر. اخترقت يداه شيئاً ما بغتةً. أدخل رأسه ليرى قبوًا في الأسفل. زحف للداخل. كانت الأرض مغطاة بطبقات فوق طبقات من قشور البطاطا اللينة. جعله العبير الكثيف يشعر وكأنه يطفو. أراد ابتلاع لسانه. —البطاطا في الأسفل. أسمعها تناديني! هيهاها... ضحك بضحكة خافتة تشبه ضحكة فأر سارق، وتحرّكت يداه من جديد لتفرط في الحفر نزولاً، نزولاً، نزولاً.
لمع شيء ذهبي في القاع تماماً، متألقاً وباعثاً لذلك العبير الحلو الدافئ. استنشقه بشراهة مادّاً يده لمسه. لكن ابتسامته السعيدة سرعان ما تحولت إلى تكشيرة غضب. —تشي شانغ شوان لينغ هوا شنغ وو جي ينغ يوان شي دا تشن! نطق بالكلمات ببرود، كخالد لا تنطحه رغبات الدنيا. راوده شعور مبهم بأن هذه النسخة منه لم تكن حقيقية. رفع يده فظهر سيف الشياطين تومض على سطحه نيران أرجوانية سوداء.
ترقص نيران سوداء متقطعة على رأس النصل. —قصاص السماء، فناء الأرض! نطق الكلمات الأربع بهدوء. اظلمت السماء في طرفة عين. فقد الشمس والقمر ضوءهما. اندلعت موجة صدمة عارمة جارفة كل ما في القبو. قشور بطاطا، طين، جذور عشب، حصى. تشكلت دوامة ضخمة التلعت الجسم الذهبي. بوووم! انفجار مدوٍّ. انطلق دخان خانق نحو السماء. تحول القبو إلى ركام، ولم يبق سوى الدمار. وقَف فانغ تشينغ صامتاً وسط الأنقاض.
استعاد صفاءه بعد طويل انتظار. وفي الوقت ذاته، اجتاح رأسه ألم حارق كأنه على وشك الانفجار. ماذا فعلت للتو؟ فكّر يا دماغي المنفجر، فكّر... صحيح. قتلت جزّاراً لأرواح لا تُحصى ودمرت أدوات مذبحته. تذكره فانغ تشينغ بوضوح ما فعل للتو، لكن الأمر بدا ضبابياً كأن تلك الصور كانت أوهاماً. أشباحاً سرابية. ألقى باللوم على سيف الشياطين. لم تكن هذه المرة الأولى. توقف عن التفكير في الأمر واضعاً خطوته التالية في الحسبان.
كان لزو يو تشانغ شركاء. ويا للأسف، لم يفلح في الحصول على أية أسماء. وذلك المسؤول المرتشي. تواصل زو يو تشانغ معه عبر السيف الطائر فحسب. لم يلتقيا قط. لم يكن يعرف اسم المسؤول أو مظهره. أيفلتم هكذا؟ كلا. كإنسان صالح، لم يكن ليسمح لأي شرير بالفرار! قبض فانغ تشينغ على يديه، وأضرم الحماس في نفسه، وفتّش منزل زو يو تشانغ. بحث عن السيف الطائر أو أي أدلة أخرى تربط زميله بالمسؤول.
لا شيء. لم يجد سوى خطاب تعيين مدينة الزهور البيضاء. قطّب جبينه مفكراً. ثم لمعت في ذهنه فكرة. سيتقمص شخصية زو يو تشانغ. سيأخذ خطاب التعيين ويتوجّه إلى مدينة الزهور البيضاء بصفتها ملك المدينة الجديد. كان كل من زو يو تشانغ وهوا مزارعين تافهين من العدم. قلة عرفوهم. لم يرهما أحد. كل ما سيفعلونه هو التحقق من صحة خطاب التعيين. إن اكتشف أحدهم التنكر، فمن المرجح أنه أحد شركاء زو يو تشانغ.
حسم أمره. خلع فانغ تشينغ ملابسه الملطخة بالدماء، وارتدى ملابس زو يو تشانغ، وخبّأ خطاب التعيين قريباً منه، وخطا إلى الخارج. استعاد قرويو قرية غاليو وعيهم جميعاً. حدّقت النساء في بطونهن المنتفخة؛ وبدت تعابير وجوههن عصية على القراءة أهي دهشة أم سعادة غامرة؟ لم يستطع أحد التمييز. من جهة أخرى، حدّق الرجال في بطونهم البارزة وأطلقوا عويل اليأس. لم تكن لديهم ذاكرة عما حدث قبل قليل؛
وكأنهم حملوا بطريقة ما. لكن كيف لرجل أن يحمل؟ رأى فانغ تشينغ ضرورة الشرح. الأعمال الصالحة يجب أن تُعرف. وجّه طاقته السماوية، وصعد في الهواء محلقاً فوق قرية غاليو. —أيها القرويون، اسمي فانغ تشينغ. نعم، هو فانغ تشينغ ذاته الذي سمعتم عنه. الحارس الشهير. قتلت ملك الأرض لديكم. كان وحشاً يذبح أرواحاً لا تُحصى. اذهبوا إلى قبوه وسترون مسرح جرائمه. أه، عفواً. جرفني الحماس فدمرته.
لا يمكنكم رؤية المسرح، لكن بإمكانكم النظر إليّ. أنا من أنقذكم. أعلم أنكم ممتنون، لكنني لا أبتغي شكراً. كنت أنفذ العدالة فحسب. سيفعل أي شخص طيب القلب المثل. أنا فانغ تشينغ. تذكّروني دائماً! هبط فانغ تشينغ على إثر ذلك ومشى بخطى واثقة نحو مدخل القرية بوقار الرجل الصالح بحق. لم يحتاج قط إلى الالتفات نحو القرويين الممتنين. لكن الحقيقة أن القرويين انكمشوا على الأرض مرتعشين غير جادرين على التنفس.
حدّقوا برعب في أثره المبتعد ولم ينهضوا طويلاً. نهض رجل مستنداً إلى ساقين مرتجفتين ليهمس بكلمتين: —شيطان. ثم نهض مزيد من القرويين يبكون وينحيبون. —ملك أرضنا! السيد اللطيف زو! متَّ ميتة قاسية! —ليساعدني أحد! واااه... لقد لوّثت شرف عائلتي بأسرها. —انه شيطان. شيطان مريض ومعتوه! —صحيح! قد يبدو بريئاً لكنه بكل تأكيد أكل بشراً وشرب دماءهم من خلف الكواليس. إنه وحش بكل ما تحمله الكلمة من معنى!
حملت عيون الرجال خوفاً وكراهية، وراحت أفواههم تقذف بالشتائم. شتمت النساء معهم، رغم أن بعضهن خامرتهن أفكار أخرى، فاحمرّت وجوههن بحرارة غريبة. على أي حال، تذكر كل قروي في قرية غاليو شيطاناً يدعى فانغ تشينغ. وتذكروا كيف قتل ملك أرضهم.