مصحوباً بتلك الضحكة المتعطشة للدماء، هبط حضور رهيب بغتةً، محاملاً بضغط لا يُفنى اجتاح الأرض كمد بحريّ، كأنه سيابتلع العالم بأسره. تحت تلك السطوة الساحقة، أُخرجت تشاو ليان إير من ذهولها. رفعت رأسها فرأت، فوق السموات التسع، عنزاً أسود ضخماً يهبط ببطء عبر الهواء. بدا جسده الهائل كأنه يملأ السماء كلها، ومغطى بطبقة من الحراشف شديدة السواد تلمع بضوء أرجواني بارد ومخيف.
وبرقت عيناه القرمزيتان بالقسوة والتوحش والخبث. نظرة واحدة إليه أرسلت قشعريرة في cột فقراتها. ارتجف جسدها كله، وتعثر عقلها، وحتى تنفسها صار متعسراً. أدارت تشاو ليان إير رأسها بصعوبة لتنظر إلى فانغ تشينغ المجاور لها. وإذ رأت أن التغير الوحيد فيه كان ابتسامة أوسع والمزيد من اللعاب، شعرت بنوع من الاطمئنان. حين تسقط السماء، يحملها الأطول. على الأقل حتى يسقط فانغ تشينغ، كان بإمكانها النجاة وألا تسحقها هذا الوحش المرعب.
ولكن حتى مع ذلك، لم تجرؤ على رفع نظرتها مجدداً إلى العنز الأسود في السماء، خوفاً من أن تكون أول من يقع عليه بصره. تشو العجوز السادس، وبصفته الفاني العادي الوحيد الحاضر، لم يتحمل الضغط أبداً. بصق كفتاً من الدم، وانقلبت عيناه إلى الخلف، وانهار. لحسن الحظ، ترك فانغ تشينغ أثراً من هالته ليحميه من الضغط. وإلا لَسُحق حتى صار كومة من اللحم. الآن، قد يسأل سائل: من يكون هذا العنز الأسود؟
إنه ليس سوى كائن واحد بين عوالم لا تحصى، صغيراً لكن عظيماً. وقد أضفت عليه الجماهير لقب الشيطان السماوي، لكنه في الحقيقة ليس سوى مخلوق عادي بلغ الخلود عبر مسار غير مألوف.
"أبارا بو ياغي."
كان هذا اسمه.
وبتعابير اللسان القديم، كان يعني "نهراً متعرجاً في المرج".
"باء-او!"
أسمعتَها؟ صرخات خافتة في الظلام. نحول أبصارنا فنرى العبارة العظيم يخرج من رحم أمه. بوصفه رضيعاً، كان يملك رأساً قبيحاً ومشوهاً، تعلوه خمسة قرون حادة. كانت تلك القرون حادة كشفرة الحلاقة. لقد مزقت بطن أمه. أطلقت النعجة الممتلئة والناعمة بضع ثغاءات موجعة، ثم سكنت وتوقفت عن التنفس. كانت تلك أول عملية قتل لأبارا. زحف على جثة أمه، وفتح فاه، وكشف عن أنيابه، وغرسها في عنقها دون تردد، ماصاً الدم بنهم وشراهة.
وبصفته أصغر الطفيليين، أكل ببطء، مثل نبيل أنيق، مستمتعاً بالوجبة قطرة قطرة، قسماً بقسم. وما إن جفف آخر قطرة حتى لعق شفتيه برضا باقٍ، وزحف عن بطن أمه، واختبأ تحت جثتها.
"باء، باء، باء..."
أطلق أبارا سلسلة من الصرخات الضعيفة، كحمل وليد، ناعمة ومليئة بالبراءة. وتسرب الصوت إلى الخارج، من القريب إلى البعيد. استيقظ مالك المزرعة من نومه. وسماعاً لتلك الصيحات الرقيقة واللطيفة، ارتدى ملابسه بسرعة، ودفع الباب، وخرج إلى حظيرة الأغنام. ورؤية النعجة ميتة جراء ولادة عسيرة، شعر بوخز من الأسى وتنهد. انتظر. كان هناك خطط ما. كان الدم يملأ كل مكان، وبطن النعجة ممزقاً.
لم يبدُ الأمر كولادة عسيرة. بل بدا كعملية قيصرية. اللعنة. لا بد أن وغداً ما قد اقتحم المكان ليلاً قتل شاته!
"باء، باء، باء..."
أخرج الثغاء الضعيف مالك المزرعة من غضبه. تتبع الصوت فوجد حملاً صغيراً يختبئ تحت النعجة الميتة. بدا واهناً للغاية، يرتجف جسده، وأطرافه منكمشة، كأنه على وشك الموت في أي لحظة. عند تلك الرؤية، غمرت قلب مالك المزرعة موجة من غريزة الحماية. ودون تفكير ثانٍ، اندفع، رافعاً جسد النعجة، ماداً يده للداخل، ومخرجاً الحمل. وضعه على ركبته، ثم انحنى وقبل جبهته، كأنه طفله الخاص. في الوقت ذاته، نظر مالك المزرعة إلى النعجة بإعجاب.
يا لها من أم عظيمة. حتى في الموت، حمت حملها الصغير الثمين، واقية إياه من العدو بجسدها، ومقنعة حياته.
"هذا عظيم بحق. حتى مزارع خشن وفجّ مثلي متأثر ومذهول!"
وقبل أن يدري، كان مالك المزرعة قد هوى على ركبتيه وساجداً للنعجة، مرتطماً رأسه بالأرض. لم يكن في ذلك بأس. كانت هذه روح الأم النعجة العظيمة، الجديرة بالاحترام والتبجيل من كل روح حية تمتلك ضميراً. هاهاتها... ولم يكتفِ بالسجود، بل انطرح باسطاً جسده كله على الأرض، لا سيما عنقه. لأنه فحينئذٍ فقط يمكن لأبارا الجميل والهش أن يبلغ عنق المزارع الطري. ببطء، فتح أبارا فاه، خارقة أسنانه الحادة شريان المزارع السباتي برفق.
وبدأ يتذوق الدم الطازج...
"باء!"
"ممم!"
صارت صرخات أبارا أسرع، وأعلى، وأكثر حماسة. لم يستطع كبح نفسه عن الغناء.
"أيها المزارع العظيم، شكراً لك على عطيتك السخية. دمك يمنحني متعة وقوة لا تنتهيان. يا مزارعي، يا أبي، أنت شجاع وطيب مثل أمي!"
"هاهاتها..."
لحظة خروج الكلمات من فمه، انفجر أبارا ضاحكاً. بقوة أبيه، غدا أقوى. تمايلت أطرافه، لكنه نجح في الوقوف. لم يكن قادراً على الرقرقة بعد، لكنه استطاع القيام. احتاج إلى المزيد من القوة. كانت أمه وأبوه قد جففا تماماً. لم يتبقَ شيء. لذا غادر حظيرة الأغنام وتوجه إلى قن الدجاج المجاور. استيقظت الدجاجة العجوز في رعب. وبرؤية المخلوق المرعب أمامها، تغوطت وتبولت خوفاً، مفرفة جناحيها وراكدة بأقصى سرعة استطاعتها.
لم يستطع أبارا لحاق الدجاجة العجوز، فوجه أنظاره إلى الكتاكيت عوضاً عن ذلك. كانت هذه الكتاكيت الصغيرة الممتلئة أشهى من أمه وأبيه.
"هاهاتها..."
ضحك أبارا بابتهاج، مستيقظاً الكتاكيت. لقد صاحت خوفاً. يا أم، أين كانت الأم؟
"الأم هنا تماماً! قاق، قاق، قاق..."
قلد أبارا صوت الدجاجة بإتقان. ظنتا الكتاكيت الحمقاء أنه أمهن وتسرعن بسعادة إلى جوفه. وتحول زقزقتهن من فمه إلى معدته، متحللتين في الحمض الكثيف.
"تجشؤ!"
"تجشؤ!"
أكل أبارا الكتاكيت كلها وأطلق تجشؤاً مرضياً. نامت قوته. بدأت بشرته تتغير، توهج أرجواني خافت أولاً، ثم امتد بسرعة عبر جسده. صار أقبح لكنه أشد ضراوة، مشعاً بهالة مرعبة. وبرقت عيناه بشراهة دمية شريرة، وألصقت به أثر خافت من طاقة الوحش البدائي. مستحماً بضوء أحمر، نمت حراشف سوداء وقشور صلبة من تحت بشرته، متداخلة بإحكام كبدلة شياطين غير قابلة للتدمير، محيطة بجسده بالكامل.
بدأ هيكله يتضخم، وعضلاته تنفخ وتتعقد إلى كتلة ملتوية وبشعة من القوة الخام. وطلع شعر أسود خشن على طول عموده الفقري وأطرافه، منتصباً كعرف خنزير بري، مشعاً بكل خصلة بطاقة دنسة وغير مقدسة. صار رأسه أشد قباحة. وامتد خطمه وضاق، وتنحفت شفاه ليتبين صفوف من أنياب مشرشرة، ملوثة كل منها بدم جاف داكن. وصار لسانه طويلاً ونحيلًا، مشقوقاً كلسان أفعى، مرتعشاً باستمرار لتذوق الهواء، كأنه يستمتع بعطر الدم الباقي.
وذابت أذناه، مستبدلتين بزوج من الأذنين الطويلتين والملتويتين الشبيهتين بالأذن المعزية، المنحنيتين إلى الوراء واللتين ترتجفان بلا انقطاع، ملتقطتين كل صوت خافت في الهواء. واشتعلت عيناه كالكبريت، متوهجتين بذهب داكن جحيماً، ومقلتاه مشقوقتان كأفعى، وفي عمقهما، بدت أرواح معذبة لا تحصى تلتوي وتصرخ. وغاصت محجرتا عيناه في عمق جمجمته، وبرزت عظمتا حاجبيه، ملقيتين بظلال ثقيلة على وجهه، مما جعل تلك العينين تبدوان كدوامتين عميقتين للخطايا، جارتين كل من يجرؤ على ملاقاة نظرته إلى دوامة من الرعب.
وفوق حاجبه، التفت خمسة قرون بزوايا بشعة، نامية ببطء أطول وأسمك، نابضاً كل منها بطاقة شيطانية خام وجوع متعطش للدماء. التوت وتشابكت في اتجاهات مختلفة، مشكلة تاجاً من الظلام الخالص، وأشار أعظمها مباشرة نحو السماء، لامعاً بضوء أسود أرجواني نذير. بدأ جسده السفلي ينحرف ويتغير. وانحنت ساقاه إلى الوراء، متحولتين إلى ساقي معزى قويتين ومعكوسة، وغدتا قدماه حوافر مشقوقة ضخمة بأظافر سوداء حالكة ومشرشرة قادرة على تمزيق الحجر.
وامتد ذيل سميك وعضلي من قاعدة عموده الفقري، على شكل رأس سهم في طرفه، مغطى بحراشف ناعمة، ملوحاً جيئة وذهاباً كإبرة عقرب. صار الهواء كثيفاً برائحة الكبريت، ومع كل نفس يتنفسه، اهتزت الأرض، كأن الأرض نفسها خافت من هذا المخلوق الزاحف من الهاوية. ألقى رأسه إلى الوراء وعوى، كأن صوته بوق الجحيم، حاملاً أنين ولعنات أرواح ضائعة لا تحصى. كان وجهه عتيقاً وشريراً، قديماً قدم الزمن نفسه، دنس لدرجة أن النجوم نفسها بدت باهتة أمامه – كائن دنس التهم عوالم وصمد عبر الدهور.
وبين قرونه الخمسة، فرقع برق أسود والتوى، ومع كل نفس، التوى الهواء حوله وتهشم، كأن الواقع نفسه لم يطيق وجوده.