هه. وقفت تشاو ليان إير بضحكة باردة وأتمت قصتها.
"منذ ذلك اليوم، استقررت. في ذلك الفناء، رافقت الفتيات الأكبر سنّاً. الصباحات لتعلم الغناء والعزف والرقص. والظهيرات لممارسة شتى الحركات الغريبة... مرت سنوات هكذا. نضج جسدي تماماً. صرت شابة فاتنة. حان الوقت لأبدأ استقبال الزبائن. هاهاها..."
ضحكت، وارتسم التوحش على وجهها.
"كانت أعين أولئك الرجال كأعين الكلاب الضالة. تحدق بي بطمع، وألسنتها دلاة تلحس شفاهها، كأنهم يريدون ابتلاعي حية. ذكرني ذلك بيوم ممطر على قمة التل. الكلب الضال بأنيابه الحادة ولسانه الأحمر القاني وهو يلعق بذور العشب من بركة الماء. وذكرني أيضاً بدا تشانغ، وهو جاثم فوق تلك الحفرة، يمص يد العم يانغ. اللعاب يقطر، يقضم بأسنانه البيضاء، مهشمًا عظام الأصابع، ثم يمص النقي. تلك الصورة... هاها، كانت جميلة..."
مرت ومضة من إثارة غريبة على وجه تشاو ليان إير، فبدا محطماً ومتوحشاً.
"لكنني كنت أصغر من أن أدرك شيئاً. لم أعرف سوى أن الكلاب الضالة تطاردني. خفت. أردت العودة لأمي. ركضت. كنت أجيد الهرب دائماً. لم يقبض عليّ كلب قط. هاها. قصدت السيدة وانغ، العجوز ذاتها التي جلدتني من قبل. جلدتني مجدداً، بقسوة، وهددتني بحبسي في مخزن الحطب وتجويعي ثلاثة أيام. لا! أقسمت لنفسي ألا أجوع أبداً. أبداً!"
احتدمت تشاو ليان إير، وتأجج الجنون في عينيها.
"إذن أرادوني اللهو مع الكلاب الضالة؟ هاها، حسناً. سأجاريها. سأروّضها، وأحولها من كلاب ضالة إلى جراء مطيعة. سأجعلها ترفع ذيولها للتغوط. ولن تجثم مجدداً أبداً. هاهاها. أدركت أنني أشبه أبي تماماً. كذاب بالفطرة. أمام أولئك الكلاب الضالة، صغّرت نفسي، متظاهرة بأنني نملة حقيرة. وأغدقت عليهم المديح، ناعتة إياهم بكائنات عظيمة تليق بالأباطرة السماويين. فطاروا جذلاً. كنت ممثلة بارعة أيضاً، تماماً كأبي. أضع مسحة حمراء على وجنتي لتتوردا. وأدع عيني تلمعان بالدموع، بخجل ووداعة، كزهرة متفتحة. كل رجل يراني يشعر برغبة في حمايتي. أنحني لصدره وأبثه بعض الشكوى، فيرقّ قلبه لدرجة تعجزه عن لمسي. هاها. كانت تلك موهبتي الخاصة. لم تستطع أي فتاة أخرى تعلمها. ربما كانت السيدة وانغ مصيبة. لم أكن عشباً برياً قط. كنت زهرة لوتس بيضاء ولدت في الوحل. كل من رآني أشفق عليّ ولم يطاوعه قلبه أذيتي. كانوا يطوفون حولي، بألسنتهم المتدلية وجثومهم، يتشمسون أصابعي بأنوف رطبة، وذيول تهتز بسعادة. هاها. كنت ملكتهم. *أيها الكلب الطيب. يا فتاي الجميل.* كانو مطيعين للغاية. يسلمونني أموالهم جميعاً. وبعضهم أراد شراء حريتي. هه. كأنني بحاجة لمساعدتهم. كنت أدخر طويلاً. أوشكت على بلوغ غايتي. القليل فقط، وأشتري حريتي. وحينها، أتعبه أبي العزيز، لم كان لزاماً عليك الظهور؟ لماذا ركعت أمامي باكياً، معتذراً وندماناً؟ أظننتني ما زلت تلك الطفلة الساذجة؟ أظننتني سأصغي إليك بعد؟ هه. لقد بارد قلبي منذ أمد بعيد. وبرد دمي معه. لم أملك لك سوى كلمة واحدة: ارحل! لكن لمَ قلت إذن: *يا ابنتي، يا ابنتي العزيزة، أمك طريحة الفراش مريضة. لا أملك مالاً للدواء. ولم يبق لها الكثير. أرجوك، أنقذي أمك!* دفئ قلبي ودمي مجدداً. كانت هي أكثر من أحبني. من حمتني من سوط أبي بجسدها. من ضمتني إليها حين حاول أبي خداعي لأرحل، مترجية إياي ألا أذهب. لو أنني قلت: *لا يمكنني تركك يا أمي*، عوضاً عن: *ارحل، أيتها العجوز الشمطاء*، أكنت سينتهي بي المطاف هنا؟ هه. منحت مالي لأبي. كم كنت حمقاء. لأن... ذلك النذل أخذ الفضة التي ادخرتها بعرق جبيني وأنفقها على الخمر وبائعات الهوى الأخريات! أظننتني لن أكتشف أمرك لمجرد ارتيادك بيوت دعارة أخرى؟ كل فتاة في كل مأونس بهذه المدينة قصدتني طلباً للنصيحة. كنت أعرفهن أفضل مما تفعل! وحين خسرت كل شيء في صالة القمار، أتعود تزحف إليّ؟ كيف تجرؤ على إظهار وجهك! ارحل! صرخت في وجهه. فرفع يده تاركاً بصمة حمراء على وجهي. هاها. كيف تجرؤ على ضربي؟ أتعتقد أنني ما زلت جزءاً من عائلتك؟ رأتني السيدة وانغ وأنا أتعرض للضرب فأحضرت العشرات من الخدم الأشداء. ودون كلمة، انقضوا على أبي. *أيها العجوز النذل! كيف تجرؤ على ضرب كاهنتنا الأولى! أنت تبحث عن الموت!* رقد أبي على الأرض ينوح بأسى، مترجياً الصفح. موضحاً أنه عقب أخذ المال للمنزل، كانت أمي قد فارقت الحياة في فراشها. ففجع وغرق في الخمر. ثم استدرج إلى بيوت الدعارة ودور القمار ليخسر كل شيء. أماتت أمي؟ ووووو. أمي العزيزة، لم لم تنتظريلي؟ حتى أربح ما يكفي لأخذك لحياة أفضل. وووو... لان قلبي مجدداً. تركت أبي يرحل ومنحته المزيد من المال. هاهاها. كم كنت حمقاء. لقد خدعني أبي العزيز مجدداً. في ذات صباح باكر، أيقظتني السيدة وانغ مخبرة إياي أن قريباً لي ينتظر بالأسفل. نزلت ورأيت أمي! كانت تحتضر. قال الطبيب إنها جاعت طويلاً؛ ومعدتها لم تعد تحتمل الإنقاذ. عجزت عن هضم أي شيء. حدقت بي أمي بعينين غائمتين هامدتين، كأنها تريد قول شيء. لكنها صمتت. مدت يدها اليابسة فقط ولمست جبيني. ثم أغمضت عينيها ورحلت بسلام. احتضنت أمي راكعة على الأرض، أبكي. أمي، لا ترتحلي. لا تذهبي. اللعنة عليك يا تشاو العجوز الثامن. تستحق الموت! مذ ذلك اليوم، توقفت عن ثقتي بأي أحد. هاهاها. عليّ شكر موت أمي لأنه أيقظني، وجعلني أرى هؤلاء النمل القبيح على حقيقتهم. أتعلم ما جرى حقاً؟ أرسلت السيدة وانغ رسالة لأبي تخبره بامتلاكي للمال. ودفعت من يحضه على قصدي، ليسلبني مالي وينفقه برمته، كي لا أتمكن أبداً من مغادرة هذا القفص النتن المشمئز! هاهاها. هكذا إذن. لم أكن زهرة لوتس بيضاء قط. كنت مجرد عشبة ضارة بين راحتي أحدهم، يُلعب بي. هه. أظننتني سأدعهم ينالون مرادهم؟ صرت كلباً ضالاً. وكان حريّ بي فعل ذلك منذ أمد بعيد. لم أكن عشباً هشاً. كنت أشبه بدا تشانغ، كلباً ضالاً طماعاً جاثماً فوق حفرة، يقضم العظام. لا عظام الذهب. بل عظام الدماء!"
اندلعت في عيني تشاو ليان إير ومضات متأججة، كالتنينين الناريين المنطلقين! صعد غضبها المكبوت طويلاً كالجبل، ثم انفجر كالبركان، ليشمل كيانها بلمح البصر! وفي تلك اللحظة، التهمها الغضب العارم! وفي الآن ذاته، تباين تجسيد الدارما خلفها باستمرار بين زهرة لوتس ووجه ضاحك. ومع كل تبدل كان ينبعث تدفق من الطاقة. وثقل الهواء حولها وسكن، كأنه على وشك التمزق في أي لحظة... رأى فانغ تشينغ هذا فهتف بحماس.
هاهاها، اقتربنا، اقتربنا. الوجبة الطازجة على وشك التقديم...
"ليان إير، يا ابنتي العزيزة، واصلي! لا تتوقعي! أخرجي كل الشر الكامن داخلك!"