قفز ياكوب إلى جوار إسكاندار أمام المدفن الذي وريت فيه جثة سيانا تحت شجرة برقوق مزهرة. فقدت الجسد روحها وصارت وعاء بلا حياة. وإن كان لعهد نهارلا أن يبقيها بلا تحلل فتلك مسألة لم يبت فيها. عمد ياكوب إلى دمج جناح روح سيانا بظهر حتى لا يفقدها مجددا. غير أنه تدلى هناك كشبه رداء ميت رغم أن روحها ما زالت تحيا بالداخل. أطال إسكاندار التطلع إلى كومة التراب المرتفعة فوق قبرها.
وعجز ياكوب عن تبين حالته النفسية من هيئته وحدها فوضع إصبعاً على رأسه.
حذره السيّد قائلاً: "كف عن هذا. دع لي أفكاري".
أجاب ياكوب: "أنت تناصبني العداء. لأنني انتزعت أثر روحها وربطته ببدني. لكنك تلوم نفسك قبل كل شيء لأنك سببت هذا. حتى إن جزءا منك يرمي سيانا بالضعف".
التفت إسكاندار نحوه والدموع الغاضبة تملأ عينيه.
صاح: "لم تكن ضعيفة! كانت أمي لا تقهر!"
أومأ ياكوب برأسه.
"كانت كذلك. وما زالت. وأنا أتحمل من الوزر بقدر ما تحملت أنت. لذا سأحمل روحها معي إلى أن أجد سبيلا لرد حياة كاملة إليها".
أطلق التوتر من جسده الخطر بتنفس منتظم ثم اعتدال في قامته وحدق في عيني أبيه.
"أنا مستعد الآن. لقد تصالحت مع عواقب أفعالي".
أدرك ياكوب أنه يكذب. فالمرء لا يتقبل إخفاقاته بمثل هذه السهولة. لكن السيّد كان مستعدا حقا. قارب طول إسكاندار مترين ونصف المتر وبدا في الثانية والعشرين من عمره بينما حملت عيناه وقارا يتجاوز الزمن. ومع أن جسده تطلب أسبوعا آخر ليكمل نموه فسيحدث ذلك في طريقهم إلى وجهتهم إذ لم يعد ياكوب يطيق صبرا.
محلا العربة بالدمى المصنوعة وياكوب نفسه، أمسك إسكاندار بأزمة إنفينسيبل وانطلق بهما جنوبا باتجاه هيلمسغارتن. أما الخدم الذين صعب حشرهم في العربة أو ضاق المكان عنهم فساروا هرولة خلف المركبة بخطى ثابتة. انطوت كل دمية عظمية على وعاء مولود حاكى وعاء ووثرام. غير أن كثيرا منها أظهر طباعا فريدة تلائم هيئاتها شأنها شأن طائر ووثرام وإنفينسيبل. من بين تلك المخلوقات ظهر الغول ووثرام؛
ومايهيو البشري الطويل؛ وسرب العصافير الذي عمل ككشاشات مرتبطة عقليا بوثرام إذ إن الارتباط العقلي المباشر بياكوب يمثل خطرا جسيما تعلمه منذ زمن طويل حين صنع دمية على شكل أم أربع وأربعين وربطها بنزواته؛ ودمية تشبه القنطور صُنعت من نزيل مراهق وهيكل ثقيل لطاهي الحانة؛ ودميتان توأمان بستة أطراف تحاكيتان عناكب رأس الذئب التي صادفوها قرب هيكينفيلت؛ وأخيرا سبع دمى بشرية عادية بجلد ولحم سليمين قادرة بأمر واحد على الانفتاح كزينة ورقية دقيقة لتكشف عن فم خفي في بطونها أو أطراف منجلية ملتوية على ظهورها الضخمة أو مجسات سوطية مرنة من عضلات ناعمة وطويلة في مواضع أمعائها.
باختصار، صنع ياكوب وحدة من الدمى القوية والمتعددة المهام لتكون قادرة على مواجهة أي صراع لا بد أن يجدوا أنفسهم متورطين فيه. ومع أن الجد امتلك القليل من الابداعات المصممة خصيصا فقد برع في توليد حشود من المخلوقات المرعبة من الأرحام الاصطناعية لمختبر خيمرائه. مع بلوغ إسكاندار مرحلة النضج التام تقريبا، امتلك قوة لا يضاهيها إلا قوة سيانا ولم يوجد بشري أو شبه ملك قادر على هزيمته.
بيد أن السيّد احتفظ بنقاط ضعف كثيرة قابلة للاستغلال مثل طبعه المتهور والطائش فضلا عن غروره المتعجرف بأنه أسمى المخلوقات جمعاء. وبدا جليا أن كبرياءه يسري في عروقه بغزارة وإن خالطه أحيانا حسد خبيث، وتيقن ياكوب أن جانب الغيرة في إسكاندار قد يكون سبب هلاكه أو يقوده إلى فخاخ واضحة. رغم فترة عمل ياكوب كموجه للسيّد فقد شعار بحاجة لغرس المزيد من الحكمة فيه، غير أن الفشل يبقى المعلم الأفضل؛
وربما كان خياره الأرجح هو مراقبة إسكاندار وتركه يرتكب الأخطاء التي يستطيع التعافي منها مع إبعاده عن العثرات التي تنهي حياته قبل أوانها.
"يا أبي".
همهم ياكوب موافقا.
"أسنبيد مدينة هيلمسغارتن هذه؟"
لمس القناع المعلق حول عنقه كقلادة غريبة.
"بإمكاني فعلها بسهولة".
"لا. هيلمسغارتن تبدو أثمن وهي سليمة. فالسيّد يحتاج إلى مملكة أليس كذلك؟"
"لن يقبلوني أبدا حاكما لهم".
"القوة هي الحق يا إسكاندار. والقوي لا يخاف الضعيف".
"ألم يخضع أقوياء ليلبرونر لحشود الضعفاء؟"
جادل بالمثل.
"أتظن العائلات الثرية التي سقتها إلى المحرقة قوية؟ لقد استخدموا ثرائهم سوطا، لكن تلك القوة لا تنفع إلا في عالم يدعه فيه البشر دمى للجشع. وحين تتربع على العرش ستخلق عالما تسود فيه القوة الحقيقية ولن يقدر أحد على منازعتك حقك في الحكم إذ لا أحد أقوى منك. ولا أحد يحظى باهتمام الكائنات العظمى س سواك".
"لكن لماذا تراقبنني الكائنات العظمى بهذا القدر؟"
عجز ياكوب عن استشراف المستقبل لكنه امتلك من المعرفة ما يكفي لتخمين سبب حرص الكائنات العظمى على ظهور السيّد.
ومع أن إخباره بما يتوقع حدوثه قد يبدل مجرى نهر الأقدار أو يحرف مساره، فقد اكتفى بالقول: "الوقت وحده يكفيل بالرد".
كان يشعر باقترابه شيئاً فشيئاً، حتى في مقبرته الواقعة في باطن العالم. أدرك أن مختار الخائن قد أخفق في مهمّته الأساسية، لكنه أحسّ كيف أن تقلبات الحاضرة في الأعلى جاءت نتيجة لمخطّطات السيدة المسلوخة. مع أن السيدة كانت تمقت التابعين الذين يخفقون، إلا أنها بدت وكأنها تستعدّ دائماً لمثل هذه الاحتمالات في كل مرة سعت فيها لتأثير العالم. أحسّ باضطراب الأرواح، كأنها بحر هائج من العذاب، بينما تلطم أمواجه حجارة المدينة.
أخذت كل موجة المزيد من المواطنين الذين انكمشوا خوفاً، بيد أنه بقي ما يكفي لمقاومة قوتها البغيضة والغيورة. أطلق صانع اللحم ضحكة خفيّة أمام تحدّي القوم لعظيم من العظماء. مع أنه علم أنه لو حاولت السيدة المسلوخة بسط نفوذها أكثر بكثير، فإن بعض المطلقات التي تحشدت في الفراغ بين النجوم ستلاحظ وتتحرك ضدها. كان أهل عالم البشر حبيبات رمل يعدّها العظماء ويحصونها، وكل حبة تملك نثارة ضئيلة من القوة التي امتصّوها، وكانت أكوامهم العظيمة هي أساس وجودهم ذاته.
حقاً، كان عالم البشر هوساً حالياً لعدد قليل فقط من العظماء، بينما اهتم العديد من أقرانهم بعوالم أخرى عبر امتداد الكون اللامتناهي. استند إلى أطرافه الخلفية وبشرع يمزق تلك الذراع التي تتألف من ثلاثة مفاصل والتي نادراً ما تُستعمل، مستخدماً يديه البارعتين ذوات الأصابع السبع لإعادة تشكيل اللحم والجلد والعظام إلى هيئات جديدة. ربما سلب منه المغامر ذو الذهب الوردي كل أدوات حرفته، غير أن صانع اللحم امتاز بعقل مرن دائم التطور.
وفوق ذلك، وجب عليه أن يبدو في أبهى حلة عندما يعود حفيده إلى جانبه بعد إنجاز مهمّته المكلّفة أخيراً.