وقف يعقوب خارج النزل يجهز العربة التي ستسافر بهم إلى هيلمسغارتن. حين عاد إسكندر. يحمل بين ذراعيه جسد سيانا الغارق في التخشب. بنظرة واحدة أدرك يعقوب أنها سليمة بدنياً. لكن شيئاً ما أصاب روحها بعطب وضيح. شعر بيده الحجرية السوداء كيف تكافح لتبقى داخل جسدها. كأنها تحاول تحطيم قوقعتها الفانية بغية الانتحار.
قال يعقوب: "ما الذي حدث؟"
وقبل أن يجمع إسكندر رداً مناسباً. وضع يده اليمنى على جبهتها وأدرك حقيقة ما أنهاها إلى هذه الحال.
بعد أن وضع ووثرم سيانا لترتاح في إحدى غرف النزل الخالية. وجد يعقوب الصبي في الخارج عند أجمة من الأشجار الدقيقة. جزء منه. ذلك الجزء الذي يرغب في معرفة كل ما في العالم وما وراءه. كأن همّ أن يسأل عن كيفية اكتشاف إسكندر القدرة على استخدام اسمه وتقديم مطالبه إلى العظام. لكن جزءاً آخر تولى الزمام أولاً. جزء نادراً ما يظهر. بيد يعقوب اليسرى. تلك التي تحولت إلى حجر أوبسيديان وصارت قادرة على تجاوز العالم المادي للتلاعب بالحجاب الميتافيزيقي.
أمسك ساعد إسكندر الأيمن وعصر عليه. سقط الصبي على ركبتيه مع صرخة ألم غاضبة. رغم أنه ربما أصبح أكبر من أن يستحق مثل هذا الاسم الآن. لكن يعقوب لم يخفف قبضته.
قال له يعقوب: "ربما تمتلك قوى تفوق الخيال! لكنك تفتقر إلى التعقل لدرء عواقب أفعالك!"
عصر بقوة أكبر وكاد جسد إسكندر يرتخي من فرط العذاب المبرح الذي ألحقه به مخلب يعقوب الأسود. إدانة الملك الشبانية كانت لأجله بقدر ما كانت لأجل يعقوب نفسه. فهو في النهاية يتحمل مسؤولية إخفاقه معلماً للصبي. فبدلاً من تعليمه كيف يزن عواقب أفعاله. كان يعقوب منشغلاً جداً بتعليم إسكندر صياغة اللحم وأمور كثيرة ظن أنه سيحتاج إلى معرفتها ليصبح مثله.
"أبتي...! أرجوك...! لم أكن أعلم...!"
صاح يعقوب وقد صبغ الغضب المحبط وجهه بالأحمر: "كان عليك أن تعلم! كان عليك أن تعلم إلى ما ستؤدي أفعالك!"
أدرك أنه لو كان هسكل هنا. لحاكمه الميت الحي على نفاق كلماته. فقد وقع هو نفسه أكثر من مرة ضحية لعواقب أفعاله. لم يكن فقدان هسكل سوى واحد من إخفاقات عديدة يحملها يعقوب معه مثل الندوب على روحه. لقد تمنا لو كان الفشل الأخير. لكن بدا أن المراقب لديه خطط أخرى.
احتج إسكندر بين أنفاسه المتألمة: "كنت تعلم... ما فقدته!"
أفلت يعقوب قبضته فتراجع الملك بسرعة ليرد ذراعه المصابة. لقد تحول الجلد على ساعده ومعصمه إلى اللون الأسود من جراء الضرر الذي لحق بروحه. لكنه سيشفى في أقل من أسبوع. فتلك هي صلابة جسده.
رد يعقوب بصياح: "بالطبع كنت أعلم! لكني أدركت أيضاً خطر أن تعي سيانا ما فقدته! ما تنازلت عنه دون وعي! قطعت لها وعداً بأن ترى أغلى أمانيها محققة. لكني خذلتها! والآن خذلتها أنت أيضاً بمنحها تلك الأمنية مجدداً ومعها معرفة أنها لن تراها تتحقق أبداً!"
"يمكنك منحها الأمنية! تمتلك تلك القوة وحدك! أم أنك صانع لحم بالاسم فقط!؟"
أطلق يعقوب زفيراً مستقراً من بخار وجهه المقنع: "لقد علمتك ما أعرف يا إسكندر. أبهذه المعرفة تري سبيلاً لتمنحها هبة الإنجاب؟"
صمت الملك. علامة على أنه يعلم الحقيقة التي نطاق بها يعقوب.
قال ببرود: "لا سبيلا لتحقيق رغبتها. حتى وإن ملكت معرفة لا توصف. لا أرى مخرجاً. لا يستطيع فان تحقيق حلمها."
أدار ظهره للصبي الذي تحول إلى رجل في غضون شهرين.
لم يبقَ في الحانة أيّ زبون. قتل إسكاندار بعضهم في نوبات غضبه العنيف المباغت واصطحب يعقوب الباقين لغاياته. تحرر صاحب الحانة من فتنة هالة إسكاندار الفطرية ولاذ بالفرار في غيابه، فلم يبقَ سوى ثلاثتهم وتماثيل يعقوب الكثيرة. وقف ميهيو عند أصل السلالم المؤدية إلى الطابق الثاني. أثار مشهده واقفاً في موضع لم يُؤمر بحراسته قشعريرة في مؤخرة عنق يعقوب لسبب ما. ربما خوفاً من اكتساب الخادم وعياً خبيثاً أو بسبب غضب مكبوت، مدّ يده المصنوعة من الأوبسيديان وضغط على شظية الروح في صدر ميهيو، فأطفأ وعيها المولود في لحظة واحدة.
وبينما انهار التمثال الطويل على الأرض وعاءً فارغاً، صعد يعقوب إلى الطابق الثالث، حيث وجد ووثترام بانتظاره خارج الغرفة التي تركا فيها سيانا.
قال: "يا وثترام. خذ جثة ميهيو إلى المختبر واستعدّ لطقس الوعي المولود."
تردّدت لحظةً واحدةً، ما لا يزيد على ربع ثانية، قبل أن شرع الغولم في العمل. لكنّ ربع الثانية ذاك من التردد أفصح عن الكثير، ولسهوة، كاد يعقوب يهمّ بمد يده ليخنق حياة غولمه القديم الخدمة أيضاً. غير أن اللحظة مضت واكتفى بمراقبته وهو يهبط الدرج متثاقلاً، قبل أن يسمع أصوات تقرقع العظام بينما حمل الغولم الوعاء الفارغ مبتعداً. سمح يعقوب للتوتر بالتلاشي من جسده قبل أن يدفع الباب جانباً.
تساءل عن بعد لِمَ قرر إسكandar حتى محاولة مساعدة سيانا، إذ بدا الأمر غريباً عن طباعه، مع أنه في الحقيقة لم يُظهر لها قط أي ازدراء، ولعلها المنافسة هي التي جعلت يعقوب يعتقد أنه يمقت الفتاة. بدا أنه لا يزال يتعين عليه تعلم الكثير عن الفتى. مع انزلاق الباب واستقرار عيني يعقوب على جسد سيانا، شعر كأن برودة تسري من قلبه وتتفرع في عروقه. بدت خطوات يعقوب خافتة للغاية وهو يعبر من الباب إلى السرير الذي تستند إليه.
ركع أمامها بعناية، مزيحاً شعرها المنسدل على وجهها، قبل أن يأناول الجناح الملقى في حجرها ويضمه بإحكام.
أهمس للقطعة المبتورة من روحها: "ماذا فعلتِ يا سيانا؟"
جعلت طريقة تزيين ابتسامة بسيطة وجهها الهامد صدره ينقبض ويتشكل فراغ محطم للنجوم في جذر بطنه. كانت سيانا لا تُقهر، هكذا قُدّر بأمر من عظيم يمتلك القدرة على دحرجة العوالم نحو الفوضى والدمار القيامة، لكن جسدها كان هامداً حقاً. عاد يعقوب للوقوف، محتضناً الجناح المقطوع بين ذراعيه. بدا متألقاً كعهد به، وظلت شظية روح سيانا حية فيه بوضوح، مع استحالة الجزم بنوع الحياة المتبقية.
باجتثاث جناحها الأثري، اكتسب شكلاً مادياً وتدلى الآن على ذراعي يعقوب كراية رقيقة من حرير بالغ الرقة. لفه حول ذراعه اليسرى، قبل أن ينحني منخفضاً ليلتقط جسدها الهامد. بدت سيانا أخف بكثير مما تذكر.