"أبو الوحش" (متاح أيضًا على أمازون) الفصل 70

اقرأ "أبو الوحش" (متاح أيضًا على أمازون) الفصل 70 باللغة العربية على مانجا تايم.

طفق يتجول في أروقة طالما جابها متحمساً في صباه، لكنه رآها اليوم خاوية من الحياة والدسائس التي كانت تكتنفها في ذلك الزمن. باهتةً أضحت المعلقات والأ رايات ومهمَلة، تُركت وحدها تخبو بريقاً، كأنها نموذج مصغر للمدينة ذاتها. بدا جلياً أنه يتحمل وزر هذا الحال. أدرك كيف يُنظر إليه وكيف يتحدث الناس عنه حين يظنون أنه لا يسمعهم. كان معلوماً للجميع أن أياً من مهارات أبيه الماكر العظيمة في تجميل الصورة العامة لم تنتقل إليه، لكن من حوله كانوا واهمين.

حتى المستشار العجوز الحكيم ذاك لم يكن يقيم له وزناً. غير أن باتريش صار رجلاً آخر. تطلب الأمر موتاً شنيعاً وبعثاً منكراً لنفض الغبار عن المواهب التي غرسها فيه أبوه، وتلك الدروس هي التي دفعته لقتل أبيه العزيز وانتزاع المدينة وأراضيها لنفسه. لم يبدُ أن أحداً غيره يشعر بالأصوات التي يسمعها باتريش ولا بالرؤى التي يراها. رأى كيف تنبت تلك القرون الساطعة والشريرة من فرسان القديس الثامن، وأيقن أنها دنيئة ويجب طردها من ملكوته.

بالطبع، لم تكن لديه سبل لمعرفة أن الأمر سيؤول إلى صراع مهول كهذا الذي تحول إليه. سقط مئات من جنوده بالفعل في مناوشات مع المحاربين الأتقياء الأوغاد المتقاعسين في الرذيلة. عرف باتريش ما عجز قلة عن إدراكه بعد: الطهارة رذيلة. كان حتمياً أن يسقط القديس الثامن ويغدو جزءاً من مجمع الخطاة. نظرة واحدة إلى السحر الذي يمارسه أتباع القديس والهيئات التي تشكلت بها أجسادهم جراء الرذيلة العارمة التي استسلموا لها، كانت كفيلة بإظهار شرهم الجلي.

بدأت فرق حرسه الملكي الأوعَد التي توغلت في الإمارة تعثر على مقابر جماعية وآلآت إبادة بحجم أخرس باتريش تماماً. حقاً، انضمت مملكة هايمدال إلى صف الإمارة حين أثيرت الشكوك حول استخدام هيلمزغارت للشياطين. سيهزم باتريش دوق الأرشيدوق ويعرض أدلة أفعاله على كل من اعتقد أن هيلمزغارت هو الشرير في هذه القصة. لقد ساعد أبوه، الملك العجوز المحبوب أوبريك، الإمارة، ولا شك في ذلك، وتلك كانت إحدى أسباب كثيرة استدعت قتله.

لو لم يكن المستشار العجوز الشخص الوحيد القادر على الاستبصار في حاشيته، لصار هو الآخر ضحية على مذبح التغيير الذي سيصنعه باتريش لأمته وشعبها. نأمل أن يجد بديلاً قريباً، فقد ملَّ صمت العجوز وطرقه الفظة في معالجة كل شيء. أدان هو والملكيون تحت إمرته في الآونة الأخيرة عدداً من القرى والبلدات بالفناء التام، وكل ذلك للقضاء على شيطان واحد أثيم... بات جلياً أن الأمور يجب أن تتغير.

همسات الصوت أخبرته بذلك.

ووقف أربعة من الحراس الملكيين يحرسون المدخل عند قاعدة الدرج.

قال أحدهم ملاحظاً إياه: "جلالتك؟"

وأدى الثلاثة الآخرون التحية فوراً وشدوا أﻛﺗﺎفهم مصطنعين الجد واليقظة مع أن باتريش كان قد للتو رآهم يتكاسلون.

"ماذا تفعلون هنا؟"

رد باتريش بحزم من دون أن يكلف نفسه عناء النظر في عيني الحارس: "ألا يحق لي مخاطبة أجدادي؟"

وكان هذا أحدثهم عهداً لذا لم يتعلم مكانه بعد لكن باتريش كان يتوقع الأفضل من رفاقه الثلاثة.

"أنا، همم، لا بالطبع يا جلالتك، يحق لك."

وجعلته إحدى الهمسات يفطن فجأة إلى أن ثمة خطباً ما.

"لماذا يقف أربعة منكم هنا للحراسة؟"

"بأوامر من العقيد تريس يا جلالتك."

"العقيد؟ منذ متى؟ أهي في الداخل؟"

وبينما هم القادم الجديد بالرد لاحظ باتريش تلك الأمور في أعينهم. وتبين له بنظرة خاطفة أن الأربعة جميعاً يشتركون في ذلك الشذوذ. لقد حدث ذلك مجدداً بطريقة ما... حقاً، كانت مملكته بحاجة إلى تغيير. فمؤسسته العريقة من الحراس الملكيين تفسد بسهولة هكذا بتأثيرات شيطانية حسبما استنتج بموضوعية وهو يشد عضلات ساقيه وذراعيه المفتولة. وبدا أن الوقت يتباطأ إذ لاحظ الجميع التغير في جسد باتريش باستثناء القادم الجديد لكن ذلك لم ينقذهم مع ذلك.

وكمعزفة رعد انطلقت قبضته اليمنى لتسحق وجه القادم الجديد ضد الجدار الحجري من خلفه. وانحنى تحت نصل ملوح بعشوائية يستهدف رأسه ثم سدد قبضته اليسرى صعوداً إلى الضفيرة الشمسية للمقاتل. وبينما بدأ سياف يميل إلى الأمام هوى باتريش بمرفقه على مؤخرة رأسه مهشماً هامته على الأرض الحجرية حيث ارتدت مرة واحدة قبل أن يسكن جسده. وكان الاثنان الباقيان في منتصف تلاوة تعاويذ هجماتهما عندما استدار باتريش على عقبيه وتقدم منقضياً بركلة من ساقيه القويتين صدعت بلاط الأرضية تحته.

فبلغ مداهما قبل أن يتمكنا من الانتهاء ثم قبض على رأس أحدهما بيده اليمنى فاعتصره حتى هشم بينما رفع الآخر من حلقه مبطلاً تعويذته في الحال. وبعد أن فك قبضته اليمنى وضع يده على حلق الرجل الأخير وأخذ يعصره ببطء متصاعداً أطقطق وتقرمش من عنقه بينما حاول جاهداً المقاومة ضد قوة باتريش غير البشرية. ثم انتهى كل شيء. وتأمل الجثث الأربعة الملقاة فلم يشعر إلا بالإحباط. هذه المرة لن يترك أمر التنظيف لسيريليوس.

بل سيقضي هو على أي دنس خبيث استوطن مدينته. وبخطوات قوية شق باتريش طريقه عبر السراديب إلى المكان الذي يعلم أنه سيجد العقيد تريس فيه. وبعد دقائق معدودة من قتل الحراس الذين تركتهم خلفها عثر باتريش على الخائنة في غرفة الطقوس التي ظلت لعقود غرفة تحنيط للعائلة المالكة ونخب مقيدة من سلالات الأشراف.

قالت تريس وهي تلقي نظرتها في عينيه: "في الموعد تماماً."

وكانت تقف في الجانب الآخر من الغرفة خلف إناء القرابين للكيان الدنيء الذي أبقى باتريش حياً. وقبل أن يتمكن من بلوغها شقت ذراعها اليسرى وسمحت لتدفق من الدماء الكريهة بالهطول في وعاء الطقوس المنتظر حيث تراقص لهب أسود زيتي بقلب من زرقة باهتة متألقة حياة خاصة به. وما إن لامست دماءها المدنسة الإناء حتى تغيرت الغرفة بأسرها. وتفتح صدع في الأرض تحتهما وتضخم اللهب الدنيء متخذاً لوناً قانياً مطلقاً كالدماء التي احتساها.

ثم برزت خيوط من الدماء القانية من قلبه المتألق وانطلقت خارجة لتغرس نفسها في جدران الغرفة كأنما ترسو بقوة. والتقط خيوط الكيان الفاسد العقيد ودفعها إلى جوف اللهب حيث التهمت في الفور. ثم أرسلت موجة عارمة من الألم باتريش راكعاً كأن روحه نفسها كانت تسحب نزعاً من ذلك الشيء البغيض الذي سيطر على الشيطاني ذاته. وإذ ركع هناك على الأرض الحجرية للمقبرة شعر بيد عابثة تمر على طول عموده الفقري وصولاً إلى خده حيث داعبته كمحب.

وكان ليرفع رأسه لو ملك القوة. وظن أن تلك المشاعر لم تكن سوى عرض جانبي لوعيه الآفل لكنه سمع بعد ذلك وقع خطوات رطبة بقدمين صغيرتين بينما خرج الكيان الذي كان في عقده إلى الواقع وماثل أمامه. وانتقلت اليد الحانية من خده وعبر شفتيه تاركة أثراً من سائل دافئ خلفه كدماء سالت حديثاً. ولبرهة فارقت اليد وجهه فشعر كأنه فقد لتوّه شيئاً ثميناً غير أنها مرت بأصابعها الكثيرة خلال شعره.

وتوقفت اليد ثم التفّت محكمة قبضتها حول خصلة من الشعر فجذبت رأسه إلى الأعلى لينظر. وشعر بالألم يغمر عينيه كأن ألف إبرة بدقة الشعر قد دُقّت فيهما معاً وفي الوقت ذاته وحين حاول تأمل الهيئة من خلال رؤية ملطخة بالدماء بدا له كأن جسده بأسره يضرم بالنيران وتتقاطر منه كتل من الجلد والدهن المذاب مصدرة صخباً من أصوات الارتطام والتخبط في أذنيه.

ورغم أنه بالكاد كان يرى وتملكه هذيان ناتج عن الألم فقد تنبه عندما حركت الكائنة فمها إلى أذنه المسلوخة وهمست: "اعبدني."

"أدللني."

"امداح اسمي."

"أعجب بفظاظتي."

"أنظر وأنا أسلو."

"وأنا أذبح."

"وأنا أهدم."

"كل ما تعز."

"آه أيها العزيز باتريش."

"كم سنمرح."

بعد ساعات قليلة، عاش أسوأ كوابيسه، حين استخدم الكيان الذي أفسد تريس وحرّاسه جسده دمية، بينما لم يملك سوى أن يشاهد بعينيه المحطمتين ويسمع صرخات التوسل، وصيحات الأطفال، وأصوات الموت المؤلم. ومع ذلك، في خلفية مقطوعة الكوابيس الموسيقية، كان يسمع صوت جلده وشحمه وهما يذوبان عن جسده. تخ. طش.