استمر إسكندر في الإشارة نحو الجنوب والجنوب الشرقي بينما كان يمسك بيد سيانا. وحين استقرت كلماته في نفسها، لمحت ظلاً مشوهاً يعتلي تلة تماماً في الجهة التي أشار إليها الصبي. تركت يده وشرعت تتقدم بخطى واسعة نحو الكائن المقترب.
لقد عثر على المكان أخيرًأ. ورغم كل ما بذله العظماء من تدخلات لمنعه من تحديد مكان الدّعي والمتعلم ونسلهما غير المستحق، فقد وجد هم. كان الفضل كله يعود إلى إرشاد السيدة. وفي هذه الأثناء، كان الذراع الذي مُنح إياه قد التهم نصف وجهه وجذعه، محولاً الجلد واللحم إلى الكتلة الدوامية نفسها من الدم والقوة. كانت نشوة عارمة من الجبروت تملكه كلما امتدت أكثر عبر جلده، وكان يعلم أنه حين يلتهم الجسد بأكمله فلن يقف في وجهه شيء.
سيصبح مجسداً مسلوخاً للسيدة الماكرة. وعندما اعتلى التلة الواقعة خلف حافة الأشجار للغابة التي ركض فيها طوال الساعات القليلة الماضية، رأى نوغيل الحانة الصغيرة في الأفق إلى جانب الشكلين المقتربين.
قال مخاطباً نهر القدر: "لقد باركتني".
فقد أتاه في النهاية بكل ما سعى إليه. رفع نوغيل ذراعه اليمنى الملطخة بالدماء في الهواء، وكان حجمها الهائل سلاح دمار، ثم لوّح بمخالبها إلى الأسفل، فضربت التربة الكثيفة للتلة ودفعت جسده بأكمله إلى الأمام كقذيفة. وبينما انقضّ على الشكل المقترب، استمتع بفكرة سلخ جلدها ومعاقبتها على ظنها نفسها مختارة النائحة. استدار جسده وامتد الذراع المشوه والمخلب نحوها، لكن انفجراً قوياً من الهواء لطمه عن مساره، مرسلاً إياه ليصطدم بجمهرة قريبة من الأشجار الرقيقة العارية من الورق.
تحطم جسده ضد جذوعها، لكنه بدأ بالتعافي بالفعل بحلول الوقت الذي تقدمت فيه سيانا نحوه، مرسلة صواعق اهتزازية قوية إلى داخل جسده، ممزقة جلده ولحمه، ومحطمة أحشاءه في الوقت ذاته. أعاد إليها، بضربة من ذراعه، دستة من رصاصات الدم بينما كان سائل حياته يتدفق من عدد لا يحصى من الجروح والفتحات والطعون المفتوحة.
رفعت سيانا يدها لمحو القذائف المرسلة نحوها، ثم وثبت إلى الأمام بضربة نازلة بحافتها المهتزة. صدّ الكائن المشوه ضربة نصلها الخفي بيده المخلوبة الضخمة، متجنباً بطريقة ما أن ينشطر نصفين. وبيدها الطليقة قبضت سيانا على الهواء داخل خاصرته اليسرى السليمة فتكوّن تجويف هائل بينما حطمت قوتها الممنوحة كل ما لمسته باهتزازاتها المدمرة. ورغم الجرح القاتل في خاصرته، ضربها الكائن بدوره بذراعه اليمنى الضخمة والخالية من الجلد، بينما كان الهواء ذاته يغني لحناً دنساً وهي تتحرك مبتعدة عن متناوله.
ومع وجود مسافة بينهما، أطلق الكائن المزيد من سحر الدم، وشظايا بلورية دقيقة من الدم القاني تنطلق من العضض المتضخم بشكل بشع. تراجعت سيانا للورق بينما كانت تدمر بانتقائية كل واحدة من القذائف التي التوت عبر الهواء محاولة الإيقاع بها من نقطة عمياء، لكن إدراكها لمحيطها كان تاماً وكأنها ترى كل شيء دون الحاجة إلى النظر إليه مباشرة. أهكذا يبدو شعور المرء حين لا يُقهر؟ استخدم الكائن مخلبه الضخم ليدفع جسده إلى الأمام مجدداً، لكنها رأت مقصده وأسقطت ضربة من نصلها الخفي مباشرة نحو منتصف جسده، قاطعة الأجزاء التي لا تزال بشرية وسليمة من جسده.
وحين انفصل خصره عن جذعه، انطلقت دستة من المحاليق من ذراعه القانية بينما هوى جسده على الأرض. امتدت المحاليق نحو سيانا كأفواه عوالق متعطشة للدماء، لكنها، بحركة ماسحة من يدها الطليقة، حطمتها إلى ضباب تبخر على الفور. ثم أرجعت الحافة المهتزة لتتلاشى في الهواء ووجهت كلتا يديها نحو الكائن الممدد والممثّل به، تاركة كامل ثقل سحرها يهبط على شكله البائس. وبينما بدأت ذرات كيانه بالذات تهتز تدميرياً، تلاشت الأجزاء البشرية الملتصقة بالجسد إلى لا شيء، لكن شيئاً لم يحدث لتلك الكتلة الدوامية من الدم التي شكلت ذراعه اليمنى ونصف جذعه ووجهه.
وحتى عندما زادت من حدة قوتها، محولة التراب حول الكائن القاني إلى غبار ناعم الحبيبات، بدا أن شيئاً لم يحدث، وكأن سحرها عجز عن إيذائه. غير أنها واتصلت تطبيق سحرها المدمر، إذ إن التوقف يعني السماح للكائن استعادة موطئ قدم. ثم سمعت وقع خطوات الصبي الخافتة وهو يقترب من جانبها.
قالت من بين أسنانها المطبقة، بينما بدأ إجهاد الحفاظ على الهجوم الصوتي يستنزف مخزونها: "إسكندر، اخرج من هنا!"
لكن الصبي لم يستمع ومشى نحو كتلة المادة القانية المشوهة.
قال: "لا يمكن للنائحة إيذاء سيدها".
ثم نطق بعبارة فاختفت كتلة المادة القانية.
"انهِ القيود التي تربطك بهذا العالم".
ومثل ضغط كبحه قوة مكافئة، تعنى اختفاء الكائن غياب أي هدف لسحر سيانا، فانطلق مباشرة نحو الأرض محدثاً فجوة هائلة وهو يبخر العشب والتراب قبل أن تتمكن من إيقافه. التفتت لتنظر إلى الصبي بذهول جاحظ العينيين، في الوقت المناسب تماماً لترته يهوي على الأرض، فاقداً وعيه.
عجز نوغل عن تصديق الأمر. انهزم رغم كل شيء، رغم القوة الجبارة التي امتلكها. لم يملك سوى ومضة قصيرة للتفكير، حتّى أدرك أنه ما زال على قيد الحياة بطريقة ما، مع أن بصره كان حالكاً وتخدّدت حواسه. ثم استشرى في جسده ألم بارد ولاهب جعله يتمنّى الموت الحقّ. امتلأ رأسه بصراخ وعويل بلا كلمات، وحجبا عنه كل فكرة كان يمكن أن تخطر له. جلا ضوء أحمر قاني ظلمات بصره، فوجد نفسه في جوف مخلوق عملاق، جدرانه المنحنية النابضة محاطة بأطراف ممدودة تعج بالمخالب والأفواه.
لو ملك القدرة لتوسّل أن يُريحوه من عذابه، لكنّه عجز حتى عن ذلك. عجز عن مجرد الحركة، عارفاً بفطرته أنه بلا جسد حقيقي، بل مجرد كتلة مشوهة من مادة الروح الهيولية.
أخذ الصراخ في أفكاره يكتسي شكلاً، حتى تشكّل كلمات: "فاشل".
"ضعيف".
"عديم الفال".
"عديم النفع".
"قبيح".
"ثير للشفقة".
واصل الصراخ والعويل تعنيفه بآلاف الكلمات المختلفة، وشعر بالمسافة بين كل كلمة وكلمة كأنها سكين تُنتزع من جسده، قبل أن تغرزها الكلمة التالية في موضع جديد وتجلب معها ألماً طازجاً. أراد أن يتوسّل إلى الأصوات. تمنّى لو يثبت أنه لا يستحقها. لكنّه خذل السيدة المسلوخة. وهي لا تتحمل الفاشلين.