سألت سيانا وهي مذهولة: "أأنت العاهل؟"
التفت جوكول نحوها كأنه لتوّه لاحظها وأرسل نظراته تمرّ على قوامها كأنه يقدرها ربما.
أجابها: "أنا نصفه الأول"، ثم التفت إلى يعقوب مجدداً.
"لم أكن أعلم أن سلالة الدوقة الكبرى سكول ستكون حاضرة".
أجاب: "سيانا رفيقتي الثابتة، لكن لم تكن لدي فكرة أن أصلها دوقة كبرى".
"سكول إحدى تابعاتي المخلصات، لكن لم أكن أعلم أنها أنجبت نصف سلالة".
أجابت سيانا: "أعتقد أن ذلك لسبب ما".
تفاجأ يعقوب بثقتها، لكن ربما كان التعايش مع ألام الماضي أسهل باستخدام نجاحات الحاضر لتبريرها.
أومأ يعقوب: "لقد هَدانا المراقب إلى هذه اللحظة".
عقّب جوكول: "لم يكن المراقب وحده من وضع يديه في هذا".
مشي سيد الشياطين في القبو قليلاً كأنه منبهر بعادية محيطه. ثم وجد النقوش الطقسية على الأرض وركع على ركبة ليقسّم الرموز.
كشف قائلًا: "إنها المرة الأولى التي أُستدعى فيها. جُعلتُ أؤمن أن الأمر سيكون مختلفاً".
أجاب يعقوب: "عادةً ما يُستدعى روحك فقط".
"رائع. تستخدم بوابة المراقب ورمزي ورمزك لتقليد التعويذة".
نظر يعقوب إلى الرمز الثالث، ذلك الذي لم يستوعبه لكنه علم أنه حاسم لنجاح الطقس.
"هذا رمزي؟"
"الباحث، هكذا يقول".
نظر إلى الرمز وقد غمره الفخر والدهشة بدرجة متساوية. أن يكون المرء على قدر من الأهمية يكفيه ليحظى برمزه الخفي الخاص به فهذا أمر جلل. لم يكن بقرب تعقيد الرموز الأخرى التي استخدمها، لكنه حين تأمل فيه مطولاً لم يستطع إلا أن يشعر بإحساس غريب من الألفة تجاهه، كأنه يعلم بالفطرة أن الرمز يجسده تماماً.
بينما كان يعقوب مشغولا بالانبهار برمزه تجوّل جوكول نحو الرسم غير المكتمل الذي تركه يعقوب عندما استدعاه هو وسيانا الصخب في الأعلى. بإشارة بسيطة استدعى سيد الشياطين رياحاً قاطعة أنهت خطوط الرسم، بحيث انضم رمز البئر بلا قرار إلى عين نهارلا المتشابكة والأذن المقلوبة في حماية القبو من كل الأعين المتطفلة والمراقبين الطامحين. نهض يعقوب من حيث كان راكعاً ليحدق مطولاً في رمز الباحث.
ذكّر سيد الشياطين قائلاً: "قلتَ إنك النصف الأول من العاهل. من يكون نصفك الآخر؟"
عاد جوكول إلى صحبته. كان من الغريب أن يبدو كائن بهذه القوة الهائلة خجولاً ومتواضعاً إلى هذا الحد، رغم أن محياه لم يوحِ إلا بالهيبة والإجلال فضلاً عن وعوده بأهوال لا توصف لمن يعصيه. أدى سيد الشياطين إشارة موجهاً كفه نحو الأرض الحجرية المجاورة لحيث أقيم طقس استدعائه، ومرة أخرى جاءت الريح لتنفذ أمره وتنشئ نسخة شبه مطابقة لنقوش الطقس، رغم أن الظل المحيط بالدوائر السبع كان أقرب إلى شكل سداسي، وكان الرمز الواقع بين بوابة المراقب والباحث مختلفاً بصورة ما.
قرأ يعقوب اسم الرمز بصوت عالٍ: "كالاميتاس".
أجاب جوكول: "النصف الثاني. العاهل شيطان الكبرياء والحسد. اتحاد الأول والأخير. لم يوجد سوى شيطان واحد كهذا من قبل وعُرف بكونه مخلوقاً منتقماً. ستجتمع معي السيدة كالاميتاس ذات الدرب المدمر لنشكل كلاً واحداً. لم تشهد العوالم من قبل اتحاداً كهذا. العاهل هو الاسم الذي سنُعرف به وحتى المطلقون سيتعين عليهم الانحناء أمام قوتنا المجتمعة".
حاول كبح القشرة التي سرت في جسده. لم تكن لديه فكرة أن النصفين كان من المفترض أن يكونا سيدي شياطين، ورغم أن هالة جوكول وحدها كانت مرهبة وساحقة مهما حاول يعقوب المقاومة، إلا أنها لم تكن تضاهي هالة سيد الحسد. الاستدعاء وحده سيدين لليمان وهيلمسغارت لا محالة بموت وحشي تحت هالتها الفاسدة. قبل أن يفعّل يعقوب شيئاً ومع ذلك كان جوكول قد بدأ في ترتيل النشيد لبدء الطقس، وبدأ ضوء أصفر مخضر فاسد ونتن يضيء الخطوط المنحوتة في الأرض الحجرية.
عمل يعقوب بأسرع ما استطاع فرسم دائرة حماية وبدأ يخرط العديد من الرموز المختلفة على طول حافتها، بينما كان صوت جوكول الملائكي أشبه بدق ناقوس الموت لنهاية العالم القادمة. لاحظت سيانا ما كان يفعله فاقتربت لتراقب، وما إن دخلت في نطاق وقوف يعقوب داخل الدائرة حتى جذبها إليه محتضناً إياها بقوة إلى جسده ليتسعان معاً. كادت تقول شيئاً معترضة عندما انتهى النشيد وتجلت نسخة متآكلة من البوابة التي جابت بجوكول، حاملة معها رائحة كريهة من الكبريت والتعفن والفضلات.
خرج من العتبة كومة مترهلة من اللحم ذات رأس صغير على رقبة طويلة وجسم يشبه الكمثرى، بينما تتدلى كل اللحوم والجلد حول ركبتي ساقيها الهزيلتين. انبثقت مجموعتان من الأذرع من جذع متشقق ومشوّه، ونبت ذيلان من نهاية عمودها الفقري ليتمايلان في الهواء. ما إن خطت سيدة الدرب المدمر إلى القبو حتى تشقق الحجر واسودّ كأنه تعرض لنار لاذعة. في الزاوية تحولت كومة الكراسي والطاولات إلى كومة من الدبال المتحلل وبدأت العوارض الخشبية في السقف تقطر بينما تحول الخشب إلى فوضى لزجة.
وقبل أن تتمدد هالتها المدمرة أكثر فتح جوكول ذراعيه على مصراعيه وبدا كأنه يغلق عليها محبوسة.
التفت سيد شياطين الكبرياء نحو يعقوب وراقب احتضانه لسيانا بقوة، ثم أجاب: "الأمر آمن الآن. لا لنهدر المزيد من الوقت في الاتحاد".