محا آثار النص الشيطاني. استعمل يده اليمنى المتحولة لقطع لسان الجثة. فتح الباب وأمر سيانا بتنظيف الغرفة. رمقته بنظرة ريبة. ربما علمت أنه سيشغل نفسه بمهمة أهم. أخبره حدسه أن الحفاظ على المظاهر ولو لوهلة سيفيدهما. نزل يعقوب الدرج درجتين دفعة واحدة. هرع إلى القبو السفلي. وصل خبر الانتحار العنيف إلى النزلاء المسترخين في المطعم رغم تأخر الليل. انشغل أحدهم بتأويل أسبابه. أخذ أحدهم يزود القصة ببهارات عن رؤية شخص يفر هاربا.
لكن يعقوب علم أن ما حدث لم يكن جريمة قتل. تنبأ الناس باستدعاء نهارلا. انتظرت المخططات طويلا لتتطابق استعدادا لوصول السيد. بدل أن ينتظر يعقوب ليعثر على شيطان الكبرياء المناسب لاستدعائه، عثر عليه الشيطان المناسب. ولم يكن سوى سيد. بلغ الطابق السفلي. عبر المطبخ بخطى واسعة. فاجأ الطاهي الناعس الذي غط في النوم بينما كان يقشر الجزر ليخنة الغد. اندفع نازلا على السلالم ليجد خادميه الآليين ما زالا يرتبان المكان.
قال: "ووثرام، ماهيو، قفا عند رأس السلالم وتأكدا من ألا يزعجني أحد".
غادر الجلمود والخادم الطويل بخطوات متزامنة. شرع يعقوب في الحال بخدش طقوس الاستدعاء على الأرضية الحجرية بيده اليمنى المخالبة. حفظ النقش الذي ظهر له تحت الرجل الميت. غذى عقبه الممتلئ بالمعرفة باقي الطقوس التي احتاج إليها. لم يكن مجرد مخمس استدعاء بسيط. بل سلسلة من سبع حلقات غير متمركزة قليلا تصغر شيئا فشيئا. الثانية داخل الأولى. والثالثة داخل الثانية، وهكذا دواليك. أضيف إلى خط كل حلقة الرمز الجوفي المحدِّد للقطاع المعين.
الكبرياء أولا، والحسد آخرا. رسم خارج الحلقة الخارجية النقش المحدد الذي رآه. بدا قريبا من صورة ظلية لطائر كاسر، لكنه لم يكن كذلك تماما. أضاف داخله الاسم الجوفي لسيد الشياطين، إضافة إلى رمز يدعى بوابة الحارس. بدا كحرف يو مقلوب يضم بداخله رمز الحارس. كان طريفا كيف تطابقت الطريقة الشيطانية في رسمه مع الطريقة الجوفيّة. لكن بعض الأمور ظلت مطلقة في النهاية. ثم ليختم، أضاف رمزا جهل اسمه ومعناه، لكنه بدا بأهمية بوابة الحارس واسم سيد الشياطين.
تراجع يعقوب بضع خطوات. اعتاد تفقد خطوطه بنظرة فاحصة. لكنه علم أن لا حاجة لذلك. تملكه، إلى جانب المعرفة التي ملأت عقبه وراحت تصرخ لتستعمل، يقين بأنه لا يمكن أن يفشل في طقوسه. كأن يده تعذرت عليها الأخطاء حين رسمت الخطوط القوية أو خدشت الرموز المدمرة. تمنى لو شهد هسكل ما كان على فعله. فاستدعاء سيد الشياطين بطريقة تقليدية يعادل الانتحار. فضلا عن إدانة القارة بأسرها بالهلاك ربما.
لكن الأمر لم يكن طقسا شيطانيا. بل طقسا جوفيا للاستدعاء الحقيقي. حيث يجلب الاستدعاء الشيطاني روح الشيطان عبر الحجاب، يجلب طقوس الاستدعاء الحقيقي جسده بأسره. لو لم يملك يعقوب المعرفة لما صدق إمكانية ذلك. لكن الكبار وقوتهم مطلقون ولا شيء يعجزون عنه. كل ما تطلبه الأمر معرفة الرموز الصحيحة والأناشيد. تنحنح استعدادا لتلاوة التعويذة. لكن صوت حوافر سيانا على السلالم أوقفه قبل أن يبدأ.
قالت موبخة يعقوب بينما تقدمت لتقف خلفه: "لن تفعل هذا وحدك".
قال: "لم أدر قط أن الأمر يهمك".
"لا تكن سخيفا. رأيت الاسم على الجدار أنا أيضا. أهو شيطان قوي؟"
"الأقوى، حسب زعم البعض".
"لا زلت قادرة على هزيمته عند الضرورة".
أجاب يعقوب: "لن يكون ذلك ضروريا، لكن من الجيد معرفة الأمر".
ثم شرع ينشد نشيدا بلا كلمات أيقظ السحر داخل التعويذة التي رسمها. جعل نورا أزرق باهتا ينبعث من الخدوش في الأرضية. كأن كيانا ولد من نجم بارد حاول اختراق أرضية القبو الحجرية. تزايد توهج النور بينما تابع يعقوب المقطع الثاني. تخللته أسماء سيد الشياطين عشوائيا ظاهريا، رغم إدراكه لمنطقها. وحين بلغ المقطع الثالث، بدأ النور يتشوه ويتخذ شكلا ماديا. مشكلا بوابة لؤلؤية زرقاء خالصة في الهواء.
هبت ريح عاتية مع شروع البوابة في إظهار عالم آخر وراء عتبتها. عصفت رياح كارثية بالقمة الحجرية التي نظرا إليها. تراقص البرق ومطر موسمي ذهابا وإيابا. كأن أعنف عاصفة ممكنة احتدمت وراء عتبة البوابة المولودة من النور. عبرت شخصية وحيدة. وما إن لامست أقدامه الزرقاء المخالبة أرضية القبو الحجرية حتى اختفت رؤية العالم الأجنبي داخل البوابة. وبدأ النور المكون لها يتفتت ويتلاشى في ذرات ضوئية دقيقة.
ثم أنهى يعقوب نشيده واختفى النور بأسره دفعة واحدة. مخلفا وراءه شخصية عارية طويلة لا تنتمي قط إلى عالم البشر. فاق طول الشيطان مترين. وإن بدا عملاقا بمدى هيبة حضوره. تمتع بجسد ممشوق متناسق العضلات بدا على غيره متوحشا، لكنه ظهر عليه منحوتا بإتقان. امتلك وجهها عظمي وجنتين بارزتين وشقا بلا شفتين للفم، وعينين لوزيتين ثاقبتين ببرودة. ترلع على قمة جبينه قرنان رماديان باهتان تقوسا للخلف مع انحناء جمجمته.
ناهيك عن لبدة من الشعر الفضي والأبيض انتصبت بزاوية كأشواك القنفذ. لم يرتد ملابس. لكن غيابها لم يبدو عليه مبتذلا أو بدائيا، بل بعث شعورا بأن الثياب دونه. وقفت سيانا مذهولة تحدق في الشخصية. بينما بذل يعقوب وسعه لمقاومة الهالة الساحقة التي أمطرها الشيطان بهما. كافح جسديا وعقليا رغبة إذلال نفسه أمام تلك الشخصية.
شخص يوكل، سيد شياطين البرج المنعزل، يعقوب في عينيه، ثم قال: "ناديتني أيتها الباحثة أخيرا".