زُيّن عمود من التراب بثلاثة عشر وجهاً قُدّمت طوعاً، وقد جُمّدت تعابيرها الأبدية على لحظة قطافها، بحيث لم يُكشف شيء البتّة من التراب الذي تحته سوى حيث كشفت عيناها وأفواهُها عنه. استقرت أثرية الفضيلة، وهي خاتم زواج فضي صغير وباهت، فوق كومة من حجارة مسطحة مرصوصة يبلغ ارتفاعها متراً ويزيد، وتكونت من سبعة عشر حجاراً مفرداً. لم تكن لدى ياكوب أدنى فكرة عما إذا كانت للحجارة نفسها أي أهمية أم أن مشاركتها في الطقس بلا معنى.
استقرت عين شهدت الجلالة في وسط إناء صنعته يدان من طين متشابكتان. وحتى الآن لا تزال تبرق، بعد ما يقارب عاماً كاملاً من قطافها من جثة امرأة رأت في لحظتها الأخيرة المراقب يتجلى في السماء. تألفت القزحية من مجرة مصغرة وبدت الأجزاء المحيطة بالعين كسواد الفضاء بنجومه المتلألئة التي لا تحصى. ورغم سخرية هيسكل منه بسبب ذلك، فقد ظل متمسكاً برأيه القائل إنها أجمال شيء رآه قط.
أما العين الأخرى التي قطفها فلا تزال بحوزته الخاصة، رغم أنه لم يكن يدري ما يصنع بها، سوى النظر إليها بين الحين والآخر، حين تدفعه الرغبة في الاقتراب من المراقب إلى إخراجها من جيب عباءته المغزولة شيطانياً. وقفت قطع الفرع الأول لشجرة عمرها ألف عام الثلاث مرصوصة فوق بعضها، على نحو يظهر الحلقات العديدة في لب الخشب، بغض النظر عن الجانب الذي ترى منه الرصوص. وتساءل ياكوب مرة أخرى عما إذا كان ذلك بتصميم الطقس أم برغبة هيسكل.
كانت خطة ياكوب لرسوم حلم الطفولة المخلص هي أن يكون غيوم هو محفزها، نظراً لأنه صرح علانية بمدى عشقه للعظماء ورغبته في شهد نزول أحددهم إلى المستوى البشري. وكحال الرسوم جميعاً، لم تكن لديه أي ضمانات بأنها ستتطابق مع الأوصاف، لذا لم يملك سوى الوثوق بأن المراقب قد هداه جيداً. التفت إلى سيانا التي خلعت درعها العظمي في مرحلة ما وصارت ترتدي الآن ملابس بسيطة اشترتها قبل أيام.
نظرت إليه بتعبير غريب في وجهها، ثم التفتت بعيداً نحو حيث كان هيسكل يقف.
قال ياكوب للميت الحي: "أيمكننا البدء؟"
في الأفق البعيد، كانت الشمس تستعد لرحلتها عبر السماء. همهم هيسكل موافقاً.
"ماذا أفعل؟"
"الشهود هو كل ما يُطلب منك."
عقد ياكوب حاجبيه تحت قناعه، وانطلق نفث من البخار في الهواء. بعد ساعات من تمشيطه وسيانا للقرية، لم يجدا شيئاً يمكنه استخدامه لصنع مختبر مؤقت، لذا قضى الوقت كله يكتفي بمراقبة هيسكل وهو يعمل. أزعجه كثيراً أن يكون له دور بهذه الضآلة في هذه الخطوة الأخيرة والحاسمة. جاءت سيانا لتستقر بجانب ياكوب ووضعت يداً على كتفه.
قالت له: "اركع معي".
لم يكن متأكداً من سبب كونها هي فجأة من تدرس ما يجب فعله، لكنه لم يفكر في الأمر طويلاً. ففي نهاية المطاف، كانت هي وهيسكل يتحدثان كثيراً عندما لم يكن ياكوب موجوداً، لذا لعلّه أخبرها بما تفعله مسبقاً. لو امتلك ياكوب القدرة على ذلك، لشعر بالغيرة ربما، لكنه لم يفعل. بل شع، عوضاً عن ذلك، بأنه تافه في طقس بالغ الأهمية. ولعلّه أعظم طقس سيقام قط في هذا العالم. ومن يدري كيف سيُصاغ المستقبل بهذه اللحظة ذاتها؟
بينما ركع ياكوب وسيانا في التراب، سار هيسكل إلى وسط دائرة الطقس، حيث وقف رف فارغ من الأرض المرتفعة، تماماً كجميع الأماكن الأخرى التي وضعوا فيها الرسوم.
سأله ياكوب: "ماذا تفعل؟"
"أنا الرسم الأخير."
أدرك ياكوب فجأة أن يد سيانا ما زالت على كتفه، فضلاً عن القوة التي تبذلها لإبقائه راكعاً.
"لا تكن غير منطقي!"
"سيانا! افلتيني! هذا خطأ!"
"هيسكل، إياك أن تفعل هذا! لا تفعل هذا!!"
لم يرد هيسكل. بل مد يده خلف مؤخرة رأسه وفك أزرار القناع. وعندما نزعه وألقى به جانباً، تجمد ياكوب رعباً مما رأى. منذ لقائه بهيسكل في تلك غرفة الطقوس المظلمة والرطبة في سن السابعة، تساءل ياكوب عن نوع الوجه الذي يختبئ خلف القناع المصنوع يدوياً بخجل. لم يخلع الميت الحي قناعه قط أمام ياكوب طوال كل السنين التي قضياها معاً، لكنه لم يجرؤ يقط على طلب إزالته خوفاً مما قد يختبئ خلفه.
لكنه رأى الآن وجه الميت الحي. كان عادياً بشكل مزعج، وهو يزين جسداً غير طبيعي كتلك التي لهيسكل. ولم يمسه نمط الغرز الشبيه بالندوب التي تتخلل كل جزء من إطاره الضخم، وكانت تحمله تعبير حزني بشري جعل رئتي ياكوب تنقبضان وتؤلمان كأن لسعتهما إبر مجمدة. والأمر الأسوأ على الإطلاق، هو أن ياكوب انتابه شعور غريب بأن هذا هو وجه هيسكل الأصلي، من قبل أن يحوله الجد إلى ميت حي لا يموت، لا ينضب، وقادر على كل شيء.
انسابت دمعة واحدة على وجه الميت الحي، وصرخ ياكوب بصوت عال لدرجة أنه جعل أذنيه تطنان. بدا الزمن كأنه يتباطأ إلى زحف بينما أدار هيسكل وجهه نحو السماء، وسقطت الدمعة الوحيدة من ذقنه المربع لتصطدم بالأرض تحته.
تخطّى العالم برهةً وشعر كل كائن حيّ ينبض بالحياة بالبرهة التي فاتته. شعروا بأنّ العالم من حولهم كأنّه تبدل في ومضة، وهم متيقّنون من أنّ ما ضاع لا يمكن أن يعود إليهم أبداً. عاش المنسجمون مع العالم الخارجيّ أسوأ وقع لتلك البرهة الفائتة، وفقد بعضهم السيطرة على قواهم الممنوحة ليفقدوا أنفسهم معها أيضاً. ولم ينج السحرة الذين استعاروا سحرهم من الشياطين، إذ صار سحرهم مضطرباً بين أيديهم وتعطل بصورة كارثيّة.
حتّى أولئك الكيانات المستدعاة من وراء العالم شعروا بأنّ أرواحهم قد شطبت نصفين، ممّا تركهم عالقين في البقعة التي يزورونها أو تبخّرت أرواحهم فوراً لتغذّي الذين راقبوا البرهة الضائعة وتوابعها من عتمة الكون المرصّع بالنجوم. في معتقله الكائن تحت الحاضرة، أيقن العنكبوت العجوز أنّه قد أُقصي ببراعة على يد متعلّمه السابق، وبات يترقب لحظاته الأخيرة بابتسامة رضا. في مكان ما بين الحاضرة والقرية النائية التي سُلبَت منها البرهة المسروقة، شعر أحد أتباع الخائن بغضب محسنه ممّا جرى، فصُلب جسده وأُعيد تكوينه مرّة بعد مرّة عقاباً له على عكزه عن منع الطقس الذي غيّر العالم ومن فيه.
رأى يعقوب موقع الطقس يتغيّر فجأة من خلال عينين غائشتين تملؤهما دموع القهر. رأى هسكل بلا قناع وهو يخطو خطوة إلى أسفل عمّا أصبح تاجاً من لحم جيليّ يرتجف وعظام بارزة. ثم رمش فانمحت الرؤيا. تزيّنت أشجار موقع الطقس بأوراق ذهبيّة متألقة، وقد تحولت الميتة إلى عذراء حسناء أوقع مرآها في نفس يعقوب أُلفة مؤلمة، رغم أنّه لم يكن يعلم من تكون. رمش مرّة أخرى فظهرت أعمدة حجريّة مكسوة بالطين والفتريات.
وتحول الشكل إلى عنكبوت بجسد رجل عجوز مرعب يحجب شعره الطويل معظم وجهه وقد زال نصفه الأسفل. رمشة أخرى وتحوّل المشهد إلى قاعة عرش في قلعة، يجر خلفه شبح ملكيّ سيفاً ضخماً. رمش متتالياً، وكانت كل نظرة خاطفة جديدة تكشف شيئاً مستحدثاً، قبل أن يخرق الحاجز أخيراً ويعود المشهد إلى طبيعته، إذ عاد الكيان إلى هيئة هسكل، لكن بجسد يشبه كتلة دهنيّة من الظلّ المجسّم بعيون لا ترمش تحدق به من كل جانب في وجهه.
ثم رمش مرّة أخرى فأصبح موقع الطقس كقاع بحيرة، تتدلى منه نباتات مائية نحو السموات وتحول الكيان أمامه إلى شبيه بشقري بشريّ. رمشة أخرى وعاد الموقع إلى طبيعته، لكن هذه المرة كان الكيان دمية خزينيّة بطول أربعة أمتار بذراعين ثلاثيتي المفاصل وعين واحدة في وسط رأسها الضئيل. وضعت الدمية يدها على رأس يعقوب فرمش بغريزته مجدداً، ليتحول ما حوله إلى سطح صخريّ مجرد من الحياة والكون يلوح للتوّ وراء أفق المشهد والكيان أمامه ككتلة ملتفّة تتألف من ألف خيط من الفضة المغزولة.
لا تزال تلك اليد مستقرة على وجهه وشعر يعقوب بلمستها اللاسعة.
صرخ: "امنحني المعرفة!"
غير متأكد ممّا إذا كان سيفهمه أصلاً.
وجادل: "استدعناك إلى هذا العالم! امنحنا رغباتنا!"
رغم شكّه في أنّ الكيان غير المفهوم يفهمه من الأساس.
"نارلا! امنحني كل المعرفة التي أبتغيها!!"
لقد أبليت بلاء حسناً أيّها الساعي. أرى علامة المراقب عليك. أنت أحد المختارين له. عسى أن تجد ما تبتغيه، حتى لو مرّ مليون سنة قبل أن يبلغ سفرك نهايته.
شعر يعقوب بأنّ جسده يمتلئ. طفح كأس روحه وهو يُقصف بكل ما تمناه وأكثر. لكن بدلاً من أن يتصدع من حوافه، اتسع كأسه ليستوعب كل ما أُطعم به، وصار بلا قرار. تغيّرت رؤيا العالم من حوله مرّة أخرى إلى غابة مظلمة تحوم فيها أطياف متوهجة باللون الأرجواني في الهواء، وصار الكيان الذي انتقل عنه ليمسس سيانا، شبيه بسلية زرقاء بأربعة أذرع وساقين. أصابه الرعب من قصف المعرفة المتواصل، فلم يكد يعقوب يتحرك من موقعه الذي جثا فيه.
صار تحمل الأمر أثقل من أن يُطاق دفعة واحدة وشعر بوعيه يخبو، كأنّ الكرى يستميله. رمش مرّة أخرى فتحولت الغابة المظلمة إلى جزيرة طافية في سماء من غيوم كهرمانيّة ذهبيّة وصار الكيان حلزوناً أسود ضخماً، تلمس إحدى لوامسه جبين سيانا وهي تفصح له عن رغبتها.
"اجعلني لا تُقهَر في المعركة! اجعلني بلا نظير في القتال قط! اجعلني لا أُهزم!"
في تلك اللحظة، أيقن يعقوب أنّه كان مخطئاً بشأن إحدى الأدوات الغامضة. فلم تكن مستمدة من غيوم في النهاية.